أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

مأزق إسرائيل فى الحرب على إيران..

الدكتـور/ محمد السعيد إدريس

mohamed.alsaid.idries@gmail.com

 

مأزق إسرائيل فى الحرب على إيران..

 

منذ أيام قليلة قام جلعاد أردان سفير كيان الاحتلال الإسرائيلي فى الأمم المتحدة، برفقة وفد من السفراء الأجانب فى المنظمة الدولية، بجولة على الجبهة الشمالية للكيان على الحدود مع لبنان، زاروا خلالها نفقاً لحزب الله بالقرب من الحدود فى منطقة زرعيت، ورافق الوفد عدد من الضباط من القيادة الشمالية فى جيش الاحتلال الإسرائيلي عرضوا على وفد السفراء تقارير أمنية. ونقل موقع (YNET) الإخباري التابع لصحيفة “يديعوت احرونوت” أنه خلال الجولة قال أردان “أقوم بجولة برفقة 12 سفيراً يمثلون دولهم فى الأمم المتحدة كى أريهم الخطة الفتاكة والمتطرفة لتنظيم حزب الله التى تهدف إلى التسلل إلى داخل أراضي دولة إسرائيل وقتل أو خطف أكبر عدد من مواطنيها”.

لم يكن الهدف من هذه الزيارة مجرد التشهير بحزب الله ونعته بالإرهاب بل كان أردان حريصاً على توصيل رسالتين؛ الأولى إلى الشعب اللبنانى والمجتمع الدولى ممثلاً بهؤلاء السفراء حرص فيها على تأكيد أنه فى الحرب المقبلة التى سيكون حزب الله طرفاً فيها، حسب توقعه، فإن إسرائيل ستدمر البنية التحتية اللبنانية كلها وعلى اللبنانيين وعلى المجتمع الدولى الوعى بذلك، أما الرسالة الثانية فهى إلى إيران والأطراف الدولية التى تتفاوض معها فى فيينا حول برنامجها النووى، قال فيها : “يسألنى السفراء فى الأمم المتحدة لماذا تعارض إسرائيل العودة إلى الاتفاق النووى .. أريكم هنا أحد الأسباب الأساسية لذلك الاتفاق النووى القديم الذى لم يغلق الطريق أمام إيران كى تتحول إلى دولة على عتبة القنبلة النووية فقط بل أيضاً لم يعالج التهديدات الهائلة التى تشكلها إيران على المنطقة وذلك من خلال دعمها تنظيمات إرهابية مثل حزب الله الموجود على السياج الحدودى مع إسرائيل”.

هل يمكن اعتبار هذه التصريحات وهذه الجولة مؤشراً لاستعدادات إسرائيلية حقيقية لشن الحرب على إيران؟.

تصريحات أردان وبالتحديد الفقرة التى اختتم بها حديثه تؤكد أن الزيارة كلها دعائية ومحاولة ردع حزب الله كي لا يشارك فى حرب قد تحدث بين إسرائيل وإيران، ردع حزب الله كما يريده أردان من خلال الشعب اللبنانى بترويعه وتخويفه من تدمير بنيته التحتية إذا سمح لحزب الله أن يكون طرفاً في أي حرب قادمة ضد إسرائيل. فقد اختتم أردان حديثه مع زواره بالقول: “ننتظر من الأمم المتحدة ومن المجتمع الدولى ممارسة ضغط كبير على إيران للتوصل إلى حل دبلوماسي يعالج هذه التهديدات ويعالج أيضاً برنامج إيران الصاروخى”.

جولة دعائية تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك ، وكما يؤكد الكثير من الخبراء الإسرائيليين السياسيين والعسكريين أن إسرائيل ليس فى مقدورها تدمير المنشآت النووية الإيرانية، لسببين؛ أولهما أنها لا تملك القدرة الفعلية لتدمير هذه المنشآت لأسباب كثيرة بعضها إيرانى وبعضها إسرائيلى، وثانيهما أن القادة فى الكيان يدركون قبل غيرهم أن إسرائيل ليس فى مقدورها تحمل رد الفعل الإيرانى على مثل هذا الهجوم الإسرائيلى الذى يؤكدون ليس فشله قبل أن يبدأ بل يؤكدون أنه سيعيد إيران أقوى مما هى الآن فى قدراتها النووية لأن ما سيتم تدميره سيكون هامشياً وسيعطى لإيران كل مسوغات التقدم فى مشروعها النووى.

أصدقاء إسرائيل فى مطبخ السياسة الأمريكية يعرفون ذلك أيضاً، لكن هناك منهم من يرى أن مسئولية كبيرة تقع على عاتقه وأن عليه تمكين إسرائيل من تدمير المنشآت النووية الإيرانية، والدفع بالولايات المتحدة لإفشال مفاوضات فيينا والإنصات جيداً إلى ضرورة العودة إلى “الخيار العسكرى” أو على الأقل التلويح جيداً بهذا الخيار لإجبار إيران على تقديم تنازلات مازالت ترفض تقديمها فى محادثات فيينا المتعثرة.

من هؤلاء الأصدقاء دينيس روس الأمريكى اليهودى المستشار السابق للرئيس الأمريكى بيل كلينتون لشئون الشرق الأوسط والشريك المهم فى مركز واشنطن لدراسات الشرق الأدنى الذى نشر مقالاً على موقع هذا المركز قال فيه: “إيران لا تفهم إلا لغة القوة.. والتهديد بالحرب هو السبيل الوحيد لتحقيق السلام معها”. فى هذا المقال أقر دينيس روس بعجز إسرائيل أن تستطيع وحدها شن هجوم ناجح على إيران، ووضع أمام الإدارة الأمريكية سبيلين لردع إيران؛ أولهما أن تعود الولايات المتحدة بجدية إلى اعتماد “الخيار العسكرى” ضد إيران، وثانيهما تزويد إسرائيل بالأسلحة اللازمة للقيام بمهمة تدمير المنشآت النووية الإيرانية وخاصة “مخترق الذخائر الهائلة التى تخترق الجبال المعروف بـ (أم القنابل) التى تزن 15 طناً وتخترق عمقاً تحت الأرض قبل اشتعال فتيلها”، فهذه القنبلة هى وحدها القادرة على الوصول إلى المنشآت النووية الإيرانية التى هى فى أعماق الجبال، وإمدادها أيضاً بطائرات قاذفة من طراز “B-2” القادرة على حمل هذا النوع من القنابل والقادرة أيضاً على الطيران لمسافات طويلة جداً وعلى ارتفاعات شاهقة لا تصلها الرادارات الإيرانية.

لسوء حظ دينيس روس أنه كشف، دون أن يقصد، عجز إسرائيل الآن عن الهجوم على إيران، وأكد أيضاً، دون أن يقصد، أن كل الضجة الإسرائيلية وكل التهديدات الساخنة بالحرب كخيار وحيد ضد إيران ليست إلا محض إدعاء لإجبار الولايات المتحدة على عدم التوقيع على “اتفاق نووى سيء مع إيران” بعد أن فشلت فى منع الإدارة الأمريكية من الذهاب إلى فيينا لإحياء الاتفاق النووى مع إيران مرة أخرى، على نحو ما جاء فى صحيفة “نيويورك تايمز” التى أكدت أن إسرائيل لا تملك القدرة على مهاجمة منشآت إيران النووية، وأن كثافة التهديد بالخيار العسكرى، هى جزء من حملة ضغط إسرائيلية للتأكد من أن الدول التى تتفاوض مع إيران فى فيينا لن توافق على ما يعتبره الإسرائيليون “صفقة سيئة مع إيران”.

كثيرون فى إسرائيل باتوا يدركون ذلك ويدركون أيضاً “زيف” التهديدات الإسرائيلية ومنهم من بدأوا يدركون أن إسرائيل ليس أمامها غير خيارين للتخلص من الخطر الإيرانى، الأول أن تنجح إسرائيل فى إفشال محادثات فيينا النووية التى اختتمت جولتها السابعة وتستعد للجولة الثامنة سواء بالإقناع أو بالتخويف من خلال تلفيق معلومات جديدة عن البرنامج النووى الإيراني تقول أن إيران بدأت فعلاً بتخصيب اليورانيوم بنسبة 90% اللازمة لإنتاج القنبلة وأن إيران عندها مواقع نووية عسكرية خفية لم تتابع بعد من جانب الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومن ثم دفع الولايات المتحدة إلى تشكيل “تحالف دولى عسكرى” للقضاء على القدرات النووية والصاروخية الإيرانية على نحو التحالف الدولى الذى تشكل ضد العراق عام 1991 لتحرير الكويت، والثانى القبول الاضطرارى بإيران نووية انطلاقاً من أن إيران فى حال نجاحها فى إنتاج القنبلة ستحقق ما يعرف بـ “التوازن النووى” مع إسرائيل، باعتبار إسرائيل دولة نووية، ومن ثم ستدخل فى علاقات “توازن مصالح” مع إسرائيل للتعايش فى نظام إقليمى شرق أوسطى جديد ثنائى القطبية بين تل أبيب وطهران.

مأزق إسرائيل الآن أنها عاجزة عن تحقيق أى من هذين الخيارين، لعجزها أولاً عن إقناع الأمريكيين باعتماد الخيار العسكرى ضد إيران، ولعجزها ثانياً عن القبول بإيران نووية لأنها لا تريد شريكاً إقليمياً وترى أنها “كدولة إقليمية عظمى” أحادية كما تزعم ستكون قادرة على فرض وإنجاح المشروع الإسرائيلى ، وأن وجود شريك إقليمى آخر يعني كما يؤكدون تهديد سيادة المشروع الإسرائيلى المأمول وهذا بالتحديد المعنى الذى يعتمده الإسرائيليون فى التعامل مع إيران باعتبارها “تهديد وجودى”. هذا العجز المزدوج يؤكد من ناحية زيف إدعاء إسرائيل أنها قوة إقليمية عظمى ويؤكد من ناحية أخرى فشلها فى القيام بدورها الوظيفى فى خدمة المصالح الأمريكية بعد أن أضحت مكشوفة أمام العالم أنها لا تستطيع فعل شيء دون الاعتماد على الدعم الأمريكى، ولعل هذا كله يُعجل بأفول “العصر الإسرائيلى”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى