أصــداء منوعةثقافة ، أدب ، إصدارات

رواية وادي الرمال .. الحلقة (6)..

حـمـد النـاصـري

 

رواية وادي الرمال .. الحلقة (6)..

 

شَق وليد طريقه مُتّخذاً طريقاً يَمُر بمَنحىً آخر شديد الانحدار ومُغَطّى بحصَى كبيرة صَمّاء ، مُتفادياً الجثّة المُلقاة فوق الصّخرة.. قال في نفسه وهو في حالة مِن التوتر:

ـ هذا المكان لم يَعُد آمناً كما عهدته.

ومَشى بخطوات وئِيْدة وقد اسْتَبدّ به القلق، وحالة من المشاعر المُتضاربة تُزعزع كيانه، وراوَده إحساس بأنهُ أبْعَد ما يُمكن عن الاستقرار والهدوء النفسي.. تُرى كيف أصِل إلى الرّمال المُوحشة بأقلّ جُهد ومشقة؟.

وأثْناء سَيره ، الْتَقى ببعض الرجال في بداية الوادي ،وتنفّس الصُعداء أخيراً وأحسّ ببعض الاطْمئنان، وأراد وأراد أن يَستوقفهم ويسْألهم عن الوادي والرمال وعن الغُموض الذي يَطْوي مُنْحَنياته وطُرقه الوعِرَة المُمْتَدة إلى اللانهاية.!! وعَن الجُثّة فوق الصَخرة وعن آثار قطرات الدِّماء المُتقطعة على حَصيّات الوادي.؛ ولكنه تردّد كعادته وآثَر السُكوت وبَقِيَ أسِيراً لحيرته ولم يَجِد ضَاّلته المَنشودة ولا الأجْوبة التي يَبحث عَنها  فيهتدي إلى ما شَغل بَاله وفِكْره ، وخلال مُروره بتلك المجموعة من الرجال ساورهُ ظَنّ أنّ تلك المجموعة هي الأقدر على معرفة الأَمْكنة والأَقْرب رُشداً لِتحديد الخَلاء القَفْر والمساحات المُنبسطة والأودية السَحيقة مِمّا يُنْشِده ويَتمنّى معرفة أسْراره ، ولكونهم او كما يَبْدو من أهل المكان وقد خَبروا أماكِنَه وطُرقه، واسْتغرق في تَفكيره لثواني بَدت كأنّها دُهُور ، تُرى من لديه القُدرة والجُرأة على ارْتكاب فِعْل القَتْل في عُمْق الوادي ؟ ولماذا تَرك أثَر الدِمَاء ولمْ يُبالي بِمَن سَيَعْثر على تلكَ الدِمَاء على حَصى الوادي.؟ وطفقَ يسأل نفسه ويُجِيب على أسْئلته أحْياناً ويَحْتار في الاجابة حِيْناً ؛ وبقيَ السُؤال الذي يَتردّد في ذِهْنِه عالقاً وهو هل سَيجد إجابات مُقْنِعة عندهم لتساؤلاته ، أم أنّه سَيَلْقى مِنهم صَدّاً وسُخْريةً واسْتِهْزاءً وأخِيراً قرّر أن يَبتعد عنهم كي لا يُثبطوه وتَفتُر حِمَاسَته ، فَيتراجع عن أَمره ، ورَغم اتّخاذه طريقاً بَعيداً عنهم إلاّ أنّهُم لَحِقُوا به .. قال كبيرهُم  باسْتهزاء :

ـ إلى أينَ أنتَ ذاهب؟.

وماذا تُريد من هُنا .؟ لماذا غَيّرت طَريقك وانْحَرفتَ بِها إلى طَريق غير طريقك الآمِن.؟ عَن ماذا تَبحث..؟ لعَلَّنا نستطيع أنْ نَكون لكَ مِن الناصِحين؟!.

ارتَعش وليد رعشة خفيفة ، رَعشة بدأت مِن أخْمَص قدميه وانْتَهت بأعْلى رأسه وحاول أنْ يَكتم قلقه وانْزعاجه ، وأنْ يَبْدو هادئاً وواثقاً مِن نفسه فقد أحاط به الرّجال وتحلّقوا حوله وهُم يَرمقونه بِنظرات مُتفحّصة حادّة لا تُنْبِئ بِقُرْب انْفراج ولا تُبَشّر بأنهُم جادّينَ في مَسْعاهم في إعانَتِه ومُساعِدَته؟ وأمام تلكَ الحالة قرّر أنْ يقول الحقيقة .؟ فتكلّم مُرتبكاً :

ـ لقد غيّرتَ مَسَاري لأنِّي وجدت جُثّة مُلْقَاةٌ عَلى صَخْرة كبيرة .. ويَبْدُوا أنّها مُمزّقة ، نَهَشَتْها ذئاب الوادي .. سكتَ بُرهة وكأنه يَلْتَقط أنفاسه ثُم استدرك ، لا أَعْلم إن كانت لِبَشر أو لـحيوان بسبب تشَوّهَها وتمزّقها.. كانَ وقُوفي عِنْدَها ، للتفَكّر في حَادِثتها .. هَل هِيَ جَرِيمة حَمْقاء لإنسان أو هيَ وحْشِيّة من حيوان .؟ وهل هي حديثة أَم قديمة؟.

وهَل تَمّ القَتْل بأيْدِي بَشر أم قُتِلت بِأَضْراس مُفْتَرِس ؟ وهَل مَاتَت مِنْ عَطَش أو جُوع أو مِن حَرارة الوادي وسُخُونة الجِبال او مِن قُوة اصْطدامها بالصُّخُور فتمزّقت وتناثرَت أشلّاؤها؟.

قال كبيرهم بصوتٍ اخْتلط بحشرجة :

ـ وهل توصّلتَ إلى حقيقة ما حدث .؟

ـ الحَقِيقة شَعَرت بِأنِّي كُلّما هَبَطّتُ نُزولاً إلى عُمق الوادي ، كُلّما تصاعدت نَبَضات قلبي ، وكِدّت أسْقُط  أَكثر من مَرّة ، وأصبت بالإعْياء وكدت أفْقُد وَعْيِي بِسَبب التَعَب والعَطش وهَول المنظر وأنا بين الصُّخور ، واحْسَستُ بانْقَباض مُفَاجِئ؟.

ـ ثم .. ماذا ؟.

ـ نَفرت الدُموع مِن عَيْنِي وأنا أرى بشاعة الجريمة كبُقع مُتلوّنة وأَشْلاء مُتَناثرة والأَمْكنة من حَوْلِي صَلْدَة أنْبأتني أنّها تعابير قاسية ونهاية مُؤلمة لذلك المخلوق أنْ يَموت وتَتناثر أشلائه في مكان بَعِيد ومُوحش كهذا المكان  ، وتأمّلت كيف أنّ خَطأ صَغيراً جداً يُشَكّل الفاصِل بينَ الحياة والموت وبينَ النَجاة والهلاك على تلك الصُورة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى