أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

الابتزاز بين الفعل الاجتماعي وأركان الجريمة .. الجزء (7)..

دكتور/ سعيد بن عبدالله المعشري

مسـتـشار قانـونـي

 

الابتزاز بين الفعل الاجتماعي وأركان الجريمة .. الجزء (7)..

 

لما أحدثته الثورة الرقمية من تَغْيير في أنماط الجرائم أدى إلى ظهور جرائم بنوعية مختلفة عُرفت بالجرائم الالكترونية إذ تعتبر جريمة الابتزاز الالكتروني أكثر انتشاراً من بينها، ونظراً لما نتج عن التقنية الرقمية من تأثيرات على سلوكيات الأفراد وتغّيير العلاقات الاجتماعية والمعيشية في المجتمع التي ساهمت بدورها في بروز معالم جديدة لجرائم مختلفة عن سابقتها التقليدية، مما يجعل من الحلول والمعالجات المطروحة على الجانب القانوني والتقني لمكافحة هذا النوع من الجرائم لا تكفيان للتصدي لهذه الجرائم دون إيجاد الحلول والمعالجات الاجتماعية لها.

لذلك يرى أن الأسباب الاجتماعية هي رهينة هذا الواقع، على اعتبارها أحد العوامل المهمة التي تؤدي غالباً إلى الوقوع في مصائد الابتزاز، فأن الانعزالية مثلاً كسبب اجتماعي قد تكون أحد العوامل المؤدية إلى تفشي هذه الظاهرة، وذلك من خلال لجوء الفرد الذي يعاني منها إلى الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي اعتبارها الوسيلة السهلة والمتاحة للبحث عن اشخاص يؤالفهم في الحديث ويبني معهم علاقاته خارج محيط الاسرة المنعزل عنها دون أن يعرف من يخاطب أو من يصادق مما يجعله أكثر عرضة للتَّصَيُّد والابتزاز.

ولذلك من الضروري والأهمية في ظل هذا الواقع يتطلب ترسيخ مفهوم الترابط بين افراد الاسرة وفرض حلقات الاجتماع الاسري المتكررة في اليوم، وخاصة عند تناول الوجبات الرئيسية وفي المناسبات العامة والخاصة وغيرها لغرض عدم اتاحة الفرصة لانعزالية أي فرد من افراد الأسرة، الى جانب التخفيف من حدت الخلافات بين أفراد الأسرة من خلال إشاعة أهمية وجود الترابط والتعاون فيما بينهما ليكون عاملاً وحائطا منيعا للأسرة من اختراق محيطها والمحافظة على افرادها من التأثيرات الخارجية الآتية من الفضاء الالكتروني.

فأن في ظل الانفتاح الذي يشهده المجتمع، ازداد الامر تعقيدا حينما تصبح الفئات العمرية في سن المراهقة والشباب الأكثر عرضة وضحايا سهلة لمثل هذه الجرائم المعقدة، وكعينة على ذلك ما بينه المنشور الإحصائي الصادر من وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات على موقعها الرسمي بتاريخ 24 يوليو 2019م، الذي يؤكد على “أن الفئة العمرية بين 15-45 سنة هي الأكثر تعرضا لحالات الابتزاز الإلكتروني بنسبة 53,4% و70% من الحالات المسجلة من الذكور و30% من الإناث، ويتبين أن أغلب هذه الحالات  هي للحصول على منافع عاطفية أو جنسية أو الانتقام.

ولعدم توفر الاحصائيات للسنوات التالية إلا أنه يتوقع في ظل التطور التكنلوجي المتسارع خلالها، وظهور العديد من منصات التواصل الاجتماعي والتطبيقات المختلفة التي تتيح لمستخدميها التواصل مع أطراف أخرى مجهولة الهوية قد يكون الأمر في تفاقم مستمر، على الرغم من اتخاذ السبل والإجراءات القانونية والتقنية على المستويات المحلية والدولية كما أسلفنا التطرق اليها في الأجزاء السابقة من هذا المقال.

ومن ذلك يستنتج، إلى أن الواقع الاجتماعي يؤكد أن الجهل باستخدام التقنية الحديثة والوعي بأهميتها وكيفية الاستفادة منها، نتج عنه بروز مخاطر شتى وخاصة في ظل اتساع رقعة مواقع التواصل الاجتماعي وتطور التقنية الحديثة، التي مكنت من نشر البيانات الشخصية على نطاقاً واسع في المنصات والتطبيقات الالكترونية المختلفة التي جعلت منها عاملاً للوقوع في فخ الابتزاز.

فأن الحلول والمقترحات للتصدي لظاهرة الابتزاز على المستوى الاجتماعي لا بد أن تكون في أطار توعوي للأسرة والفرد من الوقوع في مغبة الدخول في أعمال ابتزاز الآخرين بشتى الوسائل، ولئن كانت السبل القانونية هي الكفيلة للحد منها إلا أن معالجة النزعة الاجتماعية للفرد لمنعه من الجنوح نحو تلك الأفعال له أهميته البالغة، وفي هذا الإطار لابد أيضا من تعزيز قدرات الفرد لتجنب الوقوع في مصائد الابتزاز سواءً التقليدية أو الالكترونية منها.

وكذلك من الأهمية للفرد سواء كان فتى أو فتاة عند الوقوع في شباك المتطفلين والمحتالين على شبكات التواصل الاجتماعي أو المواقع عبر الانترنت أو شبكات الاتصال، بأن يبادر للإفصاح لذويه أو للجهات المختصة عن الأمر حتى لا يتفاقم ويكون له تبعاته وأثاره الوخيمة عليه، ولذلك نجد أن شرطة عمان السلطانية خصصت خط ساخن للتبليغ عن حالات الابتزاز والاحتيال الإلكتروني لغرض تقديم المساعدة لتفادي تفاقم الأمر، وايضاً وجود المركز الوطني للسلامة المعلوماتية دوره بتقديم المساعدة التقنية والفنية للحالات التي تواجه مستخدمي التقنية المعلوماتية بالسلطنة.

وقد يرى أن لحماية الفرد من الوقوع في الابتزاز يتم من خلال تبنى بعض الحلول والمعالجات الاجتماعية على مستوى المجتمع والأسرة والفرد، ويقترح من أجل ذلك الآتي:

1- فرض الرقابة الاسرية على الأبناء وخاصة منهم صغار السن والمراهقين عند استخدامهم لوسائل التواصل الاجتماعي ومواقع الانترنت، فمن الممكن استخدام البرامج الخاصة لذلك لتدارك دخولهم الى المواقع المشبوهة منها الإباحية وغيرها.

2- مكافحة الانعزالية الاسرية بتكثيف الاجتماعات الاسرية المتكررة بين افراد الاسرة خاصة لتناول الوجبات الرئيسية اليومية وفي المناسبات العامة والخاصة مع ضرورة أن يتخللها مناقشة الأمور اليومية للأسرة وغيرها لتكون صدا منيعا من لجوء أي فرد الى الانترنت او وسائل التواصل الاجتماعي للبحث عن اشخاص مجهولي الهوية لتعويض الفراغ الاسري الناتج عن التجاهل وانعزال أفراد الأسرة عن بعضهم البعض مما يجعله عرضه للابتزاز أو غيرها من الجرائم الالكترونية.

3- عدم الانجرار مع أي طرف يتم التواصل معه عن طريق مواقع الانترنت ومنصات التواصل الاجتماعي بالإغراءات المادية أو العاطفية أو الجنسية التي يقدمها فأنها مصائد ومشابك للإيقاع بالضحية للاستغلال أو للانتقام أو للتحطيم المعنوي والمادي.

4- عدم الانجرار إلى الإعلانات المشبوهة الا بعد التأكد من مصداقيتها.

5- التوعية والتحذير من الرسائل الالكترونية أو الرسائل القصيرة المغفلة وعدم الانسياق اليها أو الضغط على الروابط المرفقة بها دون التأكد من مصدرها وموثوقيتها.

6- تكثيف التوعية الاجتماعية من الجهات المختصة أو الجمعيات المهنية والأهلية لترسيخ القيم والأخلاق المستمدة من تعاليم ديننا الإسلامي الحنيف، وكذلك المحافظة على الهوية الثقافية المستمدة من العادات والتقاليد الاجتماعية الوطنية الاصيلة للأسرة والفرد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى