أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

هـل أنـت روبـوت ؟!..

شـيـخـة الـمـحـروقـيـة

إعـلاميـة وكاتـبـة

 

هـل أنـت روبـوت ؟!..

 

سؤال يطرحه الإنترنت أحيانًا عندما أزور بعض المواقع، ويثير اهتمامي وضحكتي أحيانًا، فإن كنتُ أنا روبوتًا كيف سأعرف أنني لست كذلك؟.

سؤال يثير في داخلي الكثير من الشفقة على أولئك الذين يعيشون طوعًا كأجهزة مبرمجة تردد كلامًا وتتبنى أفكارًا؛ لأن المجتمع الذي يعيشون أو يعملون فيه يطلب منهم أن يتبعونها، إما لقاء امتيازات مادية واجتماعية أو لتحقيق ذاك الشعور المُضلِّل بالانتماء، فمن يُفكّر بعقله ويشعر بقلبه ويختلف في طرحه وتناوله للأمور سيعتبره ذاك المجتمع خارجًا عن التيار ومتمرّدًا ومنبوذًا وغيرَ مقبول.

كم هو مثير للشفقة ذاك الذي يعيش مثل الروبوت، ينغلق عقله تمامًا ويُصاب بالعمى في بصره وبصيرته فيظهر أمام البشر الطبيعيين كأحمق أو متعرِّض لغسيل دماغ أو آلة يتم التحكم بها عن بعد ويتم تلقيمها الفكرة والكلمة ويبقى يرددها، حتى وإن تجلّت أمام عينيه الحقيقة وتجردت من ردائها وقناعها؛ سيبقى هذا المسكين يردد تلك الكلمات التي تم برمجته عليها، ومن المفارقة بمكان أن ذلك الروبوت سيرى صمت الإنسان الحقيقي أمامه ضعفًا، ولا يدرك أن الصمت في حرم الحماقة كرامة.

إن عملية تحويل الإنسان من كائن حي نابض بالحياة إلى إنسان آلي تتم دون إدراك أو شعور، كما أن الوصول إلى مرحلة الروبوت تراكمية، تبدأ عندما يحاول الطفل أن يسأل والديه لماذا عليه أن يشرب الحليب قبل النوم فيكون الجواب أن عليه الانصياع لأمرهما، أو عندما يحاول الموظف مناقشة مسؤوله حول إجراء ما فيكون الجواب أن عليه تنفيذ الأوامر دون نقاش، أو عندما يُصبح التدبّر والتفكّر في الدين حكرًا على علماء الدين، أو عندما يعتبر اختيار تخصصٍ دراسي غيرِ رائج غباءً، أو التوجه إلى وظيفة ممتعة رغم قلّة امتيازاتها المادية تهوّرًا، أو عندما يصبح عدم قبول الواقع المرير جريمة، أو حينما يغدو اختلاف المرء في فكره وأسلوب حياته سببًا في حربه مع أولئك الذين سبق وأن تحولوا إلى روبوتات؛ فيدفعه سعيهم الحثيث لتشويه صورته بأبشع طريقة ممكنة إلى الاستسلام والانضمام إلى قطيعهم.

في الواقع، إن معظم البشر يعيشون تحت وطأة ابتزاز عاطفي ومادي واجتماعي يدفعهم إلى أن يتحولوا إلى ماكينات مبرمجة تتحرك وفق نصوص مكتوبة مسبقًا تم تناقلها بين الناس بالتواتر دون تفنيد أو تدبّر، وإذا ما حاول أحدهم إنقاذ نفسه قبل تمام عملية التحوّل لوجد نفسه أمام موانع كثيرة؛ فهو يخشى خسارة الاستقرار النفسي والقبول الذي يحظى به بعدما أصبح نسخة من الآخرين، ويقلق على مكانته الاجتماعية التي ستتأثر بخروجه عن السرب، أما الابتزاز المادي فيحدث غالبًا في مواقع العمل حيث يتردد الكثير في ترك العمل الذي يستعبدهم ويتعامل معهم وفق مبدأ (نحن نأمر وأنتم تنفذون)، فيقررون الاستمرار لقاء الامتيازات المادية التي سيتمتعون بها.

هل أنت روبوت؟ سؤال به من العمق والأبعاد ما لا يدركه كثيرون، إذ يحاول الإنترنت الاطمئنان أن من يتعامل معه ليس بآلة؛ فيختبر ذلك عبر عدّة صور، ولكن المتأمل فيه سيشعر بأن هذا السؤال يُمسِك بكتفيه ويهزّهُ ليوقظَه من التنويم المغناطيسي الذي تعرّض له طوال سنوات عديدة، لأنه كان يمضي في الحياة جسدًا دون روح، متّبعًا العائلة أو أصدقاء الطفولة أو الحارة أو زملاء ورؤساء العمل أو علماء الدين، وفي عصر مواقع التواصل الاجتماعي يتبع العديد من الناس المشاهير ويردد ما يقولونه ويكرر ما يفعلونه مهما بلغ قولهم وفعلهم من التفاهة والغباء والسماجة ما يكفي لهدم حضارة بأكملها، أغلق البعض عقولهم وخدّروا قلوبهم فأصبحوا آلات يتلاعب بها الآخرون كيفما يشاؤون.

هل أنت روبوت ؟ سؤال لن يجيب عليه الروبوت لأنه لا يدرك معناه، سؤال يطرحه علينا الإنترنت، تلك الروح الخفيّة الحاضرة في حياتنا بقوة ناعمة هادئة كالإله الذي يحرّك حياتنا، لا نراه ولكنه موجود في كل زواية من زوايا الأرض التي يحتاج سكّانها بشدّة للتواصل مع بعضهم؛ ليتشاركوا الأفكار والمشاعر، يتفاهموا ويتعاطفوا ويتحاوروا ويقتربوا من بعضهم، كلٌ وفق طريقته الأصيلة النابعة من قناعاته وعميق وجدانه، هذا الكائن الخفي – الإنترنت – الذي لا يحمل صفة أو هُوية محددة يريد أن يطمئن عليك أيها الكائن البشري المُكرّم بالعقل والقلب أنك ما تزال إنسانًا!.

عندما تمضي السنون ويقترب خط النهاية، يبدأ البشر الحقيقيون في مراجعة واقع حياتهم ليتأكّدوا أنهم استهلكوا إنسانيتهم بأقصى طريقة ممكنة، فكّروا وتأملوا وغامروا فأصابوا أحيانًا وأخطؤوا كثيرًا، ضحكوا وبكوا، غضبوا وثاروا، ظلموا واعتذروا، ظُلِموا وسامحوا، أُمِروا ورَفضوا، أَمَروا ورُفِضوا، جادلوا وناقشوا، صمتوا وتنازلوا، واجهوا وحاكموا، تغاضوا وتجاهلوا، قرروا ونفذوا، فعلوا ولم يفعلوا؛ لأنهم كانوا ببساطة بشرًا وليس آلات تسير وفق برمجيات محددة أو بهائم تتبع القطيع أو فتات من الأحجار انجرفت مع التيار.

إن جُلّ من خلّدوا أسماءهم في التاريخ من أنبياء ورسل وعلماء وأدباء وقادة وعظماء كانوا ممن رفضوا التبعية، آمنوا باستقلال الفكر وتمرّدوا على واقعهم وتجرّدوا من ثوب الجماعة لأجل خير المجتمعات التي عاشوا فيها؛ وعليه فإن ذلك الذي يأبى أن يسعى أو ينوي – على أقل تقدير – لوضع اسمه ضمن المستقلّين فعلاً وقولاً، فكرًا وشعورًا، حلماً وطموحاً؛ فهو الآن وبكل أسف .. روبوت!.

‫2 تعليقات

  1. “معظم البشر يعيشون تحت وطأة ابتزاز عاطفي ومادي واجتماعي يدفعهم إلى أن يتحولوا إلى ماكينات مبرمجة تتحرك وفق نصوص مكتوبة مسبقًا تم تناقلها بين الناس بالتواتر دون تفنيد أو تدبّر”.
    شيخة المحروقية

    هذي العبارة تلخص واقعنا المعاش وتختزل جل أسباب آفات العصر ؛ دمتي ودام مداد قلمك استاذه شيخة.

  2. سبحان الله ..
    من كم يوم كنت اتحدث مع احد الاصدقاء في نفس الموضوع ، و اكدت له ان المستقبل القريب سيحدد الحاسب الالي ما اذا كنت ذا اخلاق او عدمه .. و لا تستبعد ان يضعك اهل العروسة في اختبار للكمبيوتر لمعرفة اخلاقك … و تخيل ان يكون الحاسب يومها مضروب بفايروس 😂

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى