أصداءأقلام الكتاب

الأمن القومي العربي..

خميس بن عبيد القطيطي – كاتـب
الأمن القومي العربي..
الأمن القومي العربي يعتبر حالة مقدسة في ميثاق جامعة الدول العربية، وخلال التاريخ المعاصر منذ استقلال الدول العربية ومنذ احتلال فلسطين كان للعرب مواقف عظيمة في الدفاع عن الامن القومي العربي، ومما يذكر هنا ورغم ظروف وأوضاع العرب في ذلك الوقت إلا أنهم قدموا تضحيات جسام في سبيل الدفاع عن الوطن العربي وهكذا هو تاريخ الشخصية العربية عموما التي لا تقبل الذل والاهانة، فلقد اجتمع العرب في حروبهم مع كيان الاحتلال المدعوم بقوة من قوى الامبريالية الدولية فسجلوا نتائج تحسب لهم لأن هناك وحدة موقف وهناك تضامن عربي وهناك حالة قومية متماسكة مترابطة تسود الساحات العربية من المحيط الى الخليج رغم بعض الاختلافات التي لم تؤثر على الموقف العام، فانصبت جهود العرب في دعم جبهات القتال من أجل التحرير واستعادة الحقوق العربية، إلا أن عدو هذه الأمة العربية أدرك كيف يفض عرى تلك العلاقات العربية المتماسكة فكان العمل مبكرا في ضرب تلك الرابطة وتفكيك العرب من خلال اتفاقيات ثنائية ومحاولة اختراق الانظمة السياسية العربية ومحاولة التدخل في الحراك السياسي والانتخابي بالدول العربية، وللأسف أن الانظمة السياسية العربية هي من أتاح له الفرصة في ذلك فاتجهت العلاقات العربية الى الأسوأ لتصل الى حدود المواجهة العسكرية بين الأشقاء، وهي من المحرمات بين العرب عندما كانت يتصدر المشهد قيادات محورية آمنت أن الأخ يبقى أخ والعدو يظل عدوا، إلا أن هذه المفاهيم والثوابت اختلفت مع الوقت، والأخطر هنا أن السيادة الوطنية للعديد من الدول العربية أصبحت مهددة في الصميم، فتحكم العدو في مصادر الثروة وفي القرار السيادي لبعض الدول العربية، ومع استمرار مراقبة الخلافات العربية وتأجيجها وصل بنا الحال الى هذا الحد من القطيعة، فإلى أين يريد أن يمضي النظام الرسمي العربي بهذه الأمة ؟!
تشخيص الحالة العربية واضحة لكل المتابعين والقراء ولكن العمل على الخروج منها يظل معلقا في أروقة القرار الرسمي العربي فلم نسمع أية مبادرات عربية لمحاولة القضاء على هذا المرض العضال الذي ولج من خلاله الشيطان في تفاصيل الحالة العربية، فأصبح النظام العربي اليوم أمام مفترق طرق إما طوق النجاة والتمسك بآخر خيوط السيادة وإما الانهيار، التام فلا سيادة ولا قيادة ولا ثروة، وأخشى أن يصل بهذا النظام الحال أن يصبح نموذجا لنظام الخلافة العباسي في نهاية عهده ١٢٥٨م عندما دمر التتار بغداد بعد أن تلقى الخليفة وأركان الخلافة أقسى أنواع من الاهانة قبل قتله، وتظل بارقة الأمل في الأمة العربية التي مرت خلال العهود الماضية بكل المنعطفات المتقلبة لكنها تعود متجددة، والنظام السياسي العربي اليوم ليس بعاجز عن تجديد علاقاته العربية وتعزيز مصادر ثروته واستعادة هيبته، فهو يملك الوصفات الناجعة للعودة والانتقال من التنظير الى الفعل والحراك الجاد، ولكن تبقى الارادة الحقيقية وكيف يمكن استعادة الوعي القومي العربي المسلوب الذي يعتقد فيه البعض أنه قادر بمفرده وبعلاقاته التحالفية مع أعداء الأمة أن يصل الى القمة وهو ربما لا يعلم أنه يسير الى الهاوية والتجارب علمتنا أن الارتباط بقوى الاستعمار هو ارتباط بسراب زائف في لحظة ما وبكل بساطة سيتم التخلي عنه واستنساخ غيره، ومن هنا نعود للتأكيد أن العرب قادرين اليوم على أستعادة مواقفهم المشرفة واستشراف مستقبل آمن للأجيال من خلال عودة العلاقات العربية العربية أولا وتجاوز كل المطبات واستعادة جامعة الدول العربية دورها المأمول لا أن تقف فقط تنظر للواقع العربي دون حراك، وهذه الحالة تتطلب جهودا عربية صادقة من قبل جامعة الدول العربية واشراك بعض القيادات العربية في ذلك مع وضع خارطة طريق مستقبلية لاستعادة توازن العرب لمواجهة تداعيات الحالة العربية الراهنة وتأثيراتها المباشرة على الأمن القومي العربي عموما وعلى الأمن الوطني وسيادة الدول ومواجهة الأخطار المحدقة بالأمة، ولابد هنا من توضيح وترسيم العلاقة الصحيحة مع ما يسمى التحالفات الدولية بالانتقال من وضعية التحالف الاستعماري الى التحالف المتكافئ الذي تشكله السيادة الوطنية، وهناك أوراق تستطيع كل دولة عربية أن تستخدمها في هذا الشأن من خلال ربط تحالفاتها بأقطاب دولية اخرى واعتماد لغة المصالح وربطها مع مختلف الاطراف والاعتماد على قاعدة العلاقات العربية بعودتها الى سابق عهدها فهي أحد مسارات النجاة، ومن ثم التصدي للأخطار الخارجية بلغة مشتركة تعمق العلاقات بين الدول العربية، وايجاد حالة من التكامل الاقتصادي العربي والدعم المتبادل بين الدول العربية، وتصفية القلوب بين الأشقاء لأن البديل هنا هو تهديد الأمن القومي العربي وربما هناك أخطار أخرى محدقة أشد مثل تقسيم بعض الدول العربية وانتهاك السيادة الوطنية وربما تغيير قيادات عربية في المستقبل .
إن العرب يواجهون اليوم جبهات متعددة تهدد الأمن القومي العربي تتطلب من العرب توحيد الموقف العربي لمجابهتها فما يحدث في ليبيا من تدخلات خارجية ينبغي أن تستفز الموقف الرسمي العربي لتوحيد مواقف الدول العربية واعلان موقف موحد فاعلان العرب موقفهم الموحد تجاه رفض التدخلات الخارجية في ليبيا كفيلا بتراجع تلك التدخلات ورفض المساس بالأمن القومي العربي، والذاكرة العربية هنا ليست مغيبة عما أفرزته حقائق التاريخ منذ حكومة الاتحاد والترقي ١٩١٦/١٩١٥م حتى اليوم مع التعمق في سبر حلقات هذا التاريخ، نجد أن التهديد للأمن القومي العربي كان ومازال من قبل تركيا على العراق وسوريا وصولا الى مصر وشمال افريقيا والعرب يدركون تلك المحطات جيدا، لكن للأسف هناك بعض العرب تدفعهم توجهات ايديولوجية تتماهى مع الموقف التركي فيصنفون تدخلاتها ويبررونها، فهل هذه التبريرات مقبولة على حساب الأمن القومي العربي، وهنا علينا العودة للثوابت السياسية بالمنطقة وهي علاقات الاطراف الاقليمية مع قوى الاستعمار والكيان الصهيوني ومدى الارتباط بقوى المقاومة ومناصرة القضايا العربية ومدى التقاطع في المصالح المشتركة مع الوطن العربي وكذلك مساحة الاختلاف مع العرب، وبالتالي فإن التبريرات هنا بعيدة عن الفكر السياسي السليم، لذا ينبغي تصنيف كل الثوابت والتعامل مع كل الاطراف الاقليمية بما يحقق مصالح العرب لا ما يحقق مصالح الاطراف الاقليمية الاخرى أو الدولية، نعم نحن العرب ننشد علاقات ومصالح مشتركة مع مختلف الاطراف الاقليمية ولكن ليس على حساب الامن القومي العربي، بل علاقات متكافئة وتعاون متبادل في مختلف الملفات السياسية التي تخدم الأمة العربية وخاصة في قضيتنا الرئيسية (فلسطين) ومختلف القضايا السياسية والاقتصادية الأخرى، والتوقف أمام أية ملفات تمثل تهديدا للأمن القومي العربي .
هناك عدد من القضايا العاجلة التي تتطلب وقفة عربية جادة من قبل النظام الرسمي العربي قبل أن تقع كوارث جديدة في المنطقة منها ما يسمى صفقة القرن ومنها مشروع ضم الضفة الغربية وأغوار الأردن، ومنها قانون سيزر أو (قيصر) ومنها موضوع سد النهضة، ويأتي الأهم على الساحة العربية اليوم وهو تهديد الأمن القومي العربي والتدخلات العسكرية في ليبيا والعراق وسوريا من قبل (تركيا) والتي تستوجب من العرب اليوم الاصطفاف بقوة أمامها أملا في أن يشكل هذا الاصفاف بارقة أمل في استعادة لحمة العرب واستنهاض الأمة نحو قيام مشروع عربي يطرق مختلف الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية والمجالات الأخرى فيما يخدم حياة المواطن العربي، واستقرار المنطقة والعمل بارادة جماعية متجددة لاستعادة الحقوق العربية، ويكفينا كعرب مثل هذا التنظير المقيت الذي لم يعد مستساغ، والرسالة هنا واضحة موجهة الى جامعة الدول العربية التي تمثل الكيان الجامع للعرب جميعا والى الدول العربية دون استثناء من المحيط الى الخليج، وعلى النظام السياسي العربي اليوم أن يحدد موقفة واختيار مساره المستقبلي فإما قيام مشروع قومي عربي متكافئ مع المشاريع الاقليمية الأخرى، وإما ترك القوى الدولية والاقليمية تتلاعب بالأمن القومي العربي، بعد أن عادت ملامح السباق الاستعماري بين قوى الاستعمار على المنطقة العربية، فهل نترك مصير الأمة العربية معلقا بين تنافس قوى الاستعمار، أم ننهض ونعيد تجديد وبناء مشروع قومي عربي؟ الاجابة هنا معلقة بيد النظام الرسمي العربي قبل أن يتقسم أبناء العرب بين مشاريع اقليمية أخرى .
Spread the love
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق