أصداءأقلام الكتاب

عـودة إضـطـرارية لسـياسـة “إصـطـياد النـمـر”..

* الكاتـب/ د . محـمـد السـعـيـد إدريـس

mohamed.alsaid.idries@gmail.com

 

عـودة إضـطـرارية لسـياسـة “إصـطـياد النـمـر”..

يوماً بعد يوم ومع اقتراب موعد إجراء الانتخابات الرئاسية الأمريكية فى الثالث من نوفمبر المقبل يزداد توتر وعصبية الرئيس الأمريكى دونالد ترامب وإدارته خشية الفشل فى هذه الانتخابات أمام منافسه الديمقراطى جون بايدن، ويزداد خطر التورط الأمريكى فى صراع خارجى طمعاً فى تحقيق انتصار يمكن توظيفه داخلياً لكسب معركة الانتخابات بعد أن باتت فرص تحقيق انتصارات داخلية معدومة فى ظل التداعيات شديدة السلبية التى فرضها انتشار فيروس كورونا على الاقتصاد الأمريكى ما أدى إلى سلب ترامب أبرز وأهم نجاحاته الداخلية، على مدى السنوات الأربع الماضية التى قضاها فى البيت الأبيض، وخاصة فى مجالات تخفيض معدلات البطالة والحد من التضخم، وجاء تفجر العنف الطائفى داخل الولايات المتحدة عقب جريمة قتل المواطن الأمريكى “أسود البشرة” جورج فلويد على يد شرطى أمريكى وانحياز الرئيس ترامب لجهاز الشرطة، ليفاقم من تردى شعبية ترامب ويعطى لمنافسه جون بايدن فرصاً قوية لاستغلال سوء إدارة أزمة كورونا وسوء معالجة الأزمة العنصرية ليحقق تقدماً ملحوظاً على حساب الرئيس ترامب.

عصبية الرئيس ترامب وشعوره بالخطر تأكدت فى ردود فعله على المؤتمر الذى عقده الحزب الديمقراطى لإعلان تسمية بايدن مرشحاً رسمياً للحزب فى الانتخابات الرئاسية. لم يجد ترامب شيئاً ليقوله تعليقاً على هذا المؤتمر، وما تضمنه خطاب جون بايدن من رسائل مهمة للناخب الأمريكى، إلا التشكيك فى كل العملية الانتخابية التى من المقرر أن تتم اضطرارياً عبر البريد تحاشياً لخطر وباء كورونا. فقد حذر ترامب من أن التصويت عبر البريد “سيؤدى إلى انتخابات مزورة” وقال فى لقاء مع شبكة “فوكس نيوز” الأمريكية الخميس (20/8/2020) أن الانتخابات مزورة وأن “الجميع يعرف ذلك.. أنهم (الديمقراطيون) يحاولون سرقة الانتخابات”. لم يكتف ترامب بذلك ولكنه، وضمن استعداده للمؤتمر “الافتراضى” للحزب الجمهورى الذى من المتوقع أن يكون قد حدث أمس الاثنين (24/8/2020)، لجأ ترامب مجدداً إلى التهديد وقال “إذا فازت المعارضة فلن يبقى أحد بأمان فى الولايات المتحدة وشبح الفوضى سيكون هو المسيطر”، ولجأ ترامب إلى ترويع الناخب الأمريكى من التصويت لمنافسه جون بايدن الذى يصفه دائماً بـ “النعسان” و”البطئ” وقال إذا فازت المعارضة “سيتهدد الولايات المتحدة كساد يشبه كساد عام 1929″، وخاطب الأمريكيين محذراً: “أنا الحصن الوحيد الواقف بين الحلم الأمريكى والعبثية والجنون والفوضى”.

عندما تصل الأمور بالرئيس الأمريكى إلى هذا الحد فالخطر يتفاقم من احتمالات تورطه فى معارك خارجية أملاً فى تحقيق انتصارات عجز عن تحقيقها فى الداخل الأمريكي.

لقد استطاع الرئيس الأمريكى أن يحقق انتصاراً له أهميته فى السياسة الخارجية بدخول الولايات المتحدة كطرف ثالث ومؤسس فى “اتفاق السلام الإماراتى- الإسرائيلى”، خصوصاً وأنه انتصار يلقى قبول ودعم من جماعات اليهود والمسيحيين الإنجيليين (المسيحيين الصهاينة) الموالين والداعمين لإسرائيل وهؤلاء لهم وزنهم القوي في العملية الانتخابية، وربما تستطيع الولايات المتحدة إحداث اختراق فى الأزمة الليبية خلال الأسابيع القادمة، يمكن توظيفه هو الآخر لصالح الرئيس ترامب، لكن رغم ذلك يصعب تصور أن أياً من المكسبين سيكون له تأثير حاسم فى مجرى الانتخابات التى يحقق فيها المرشح الديمقراطى نجاحات متوالية على الرئيس ترامب .. فبدلاً من “خطاب اليأس والترويع” الذي لجأ إليه الرئيس ترامب اعتقاداً منه أنه كاف لانفضاض الناخبين عن دعم حملة جون بايدن، نجد أن الأخير يروج للأمل وللمستقبل الأفضل، على نحو ما جاء فى خطاب قبول تسميته مرشحاً رئاسياً باسم الحزب الديمقراطى (20/8/2020) .. فقد اتهم بايدن الرئيس الأمريكى بأنه “أدخل أمريكا فى الظلام لفترة طويلة” ،متحدثاً عن “الكثير من الغضب والكثير من الخوف والكثير من الانقسامات”، ووعد مواطنيه بـ “طي صفحة الخوف والانقسامات وإنهاء المرحلة القاتمة فى البلاد إذا فاز فى الاقتراع”، وخاطب الأمريكيين قائلاً : “متحدين يمكننا دحر هذا العهد المظلم في أمريكا”.

في ظل مثل هذه الظروف الانتخابية شديدة التعقيد، هل يمكن أن يكون خيار “ضرب إيران” هو الخيار الأفضل ضمن خيارات ضيقة لتوفير الانتصار الذى يريده ترامب ويحتاجه فى معركته الانتخابية ؟

هذا السؤال يفرض نفسه الآن فى ظل متغيرين مهمين :

أولهما : فشل سياسة “أقصى عقوبات” التى فرضتها الولايات المتحدة على إيران منذ انسحابها من الاتفاق النووي فى مايو 2018 والتى كانت تستهدف إسقاط النظام الإيرانى أو على الأقل إجباره على القبول بالمطالب الأمريكية.

وثانيهما : تضاؤل فرص الولايات المتحدة فى مجلس الأمن لتجديد فرض العقوبات الدولية على طهران، على ضوء فشل مشروعها الذي تقدمت به إلى مجلس الأمن لتمديد حظر الأسلحة على إيران لأجل غير مسمى، ومن ثم يمكن أن تكون الحرب هي المخرج والحل معاً.

فقد رفض مجلس الأمن مشروع القرار الأمريكى ذلك بأغلبية غير مسبوقة، إذ لم تؤيده غير دولة واحدة هي الدومينيكان مع الولايات المتحدة وامتنعت 11 دولة عن التصويت منها الدول الأوروبية الكبرى الثلاث حليفة الولايات المتحدة وشريكتها السابقة فى التوقيع على الاتفاق النووي الإيراني (فرنسا وألمانيا وبريطانيا)، فى حين رفضته روسيا والصين.

وزير الخارجية الأمريكي جاء تعليقه على هذا التصويت : بأنه “أمر لا يغتفر”، واتهم مجلس الأمن بأنه “فشل في الحفاظ على مهمته الأساسية، وهي صون الأمن والسلم الدوليين”، كما اتهم الحلفاء الأوروبيين بـ “الانحياز إلى آيات الله الإيرانيين”، وهدد باللجوء إلى آلية “الزناد” (نساب باك) الواردة ضمن نصوص الاتفاق النووي، والتى تعطى للدول الشريكة فى الاتفاق الحق فى طلب إعادة فرض العقوبات الأممية المفروضة على إيران منذ عام 2007 فى حالة خروج إيران عن أحد إلتزاماتها فى الاتفاق، وبالفعل قام بومبيو بتسليم رئيس مجلس الأمن الدولى نص طلب أمريكى بهذا الخصوص الخميس الفائت (20/8/2020)، وطالب بتفعيل تلك الآلية، وتوعد الجهات التى ستنتهك هذه العقوبات، وقال : إن بلاده “ستبذل قصارى جهدها لإرغامها على الإلتزام بها”.

الآن يبدو أن الولايات المتحدة أدخلت نفسها في طريق مسدود في مجلس الأمن، في ظل رفض أوروبيٍ وروسيٍ وصينيٍ لهذا المسعى، فالدول الأوروبية الثلاث : ألمانيا وفرنسا وبريطانيا أصدرت بياناً مشتركاً تؤكد فيه : أن “الولايات المتحدة لم تعد مشاركة فى خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي) بعد انسحابها منها في عام 2018″، وبالتالى “لا يمكنها (أي الدول الثلاث) أن تدعم المبادرة الأمريكية التى تتعارض مع الجهود الحالية الرامية لدعم الاتفاق النووي”، كما أكد وزير الخارجية الروسى سيرجى لافروف أن الولايات المتحدة “لا تملك الوسائل القانونية اللازمة لإعادة فرض العقوبات الأممية على إيران”، وأكد أيضاً أن المحاولة الأمريكية “محكوم عليها بالفشل في كل حال”.

فشل ربما يجعل خيار الحرب هو الخيار الوحيد رغم كل مخاطره، وهو الخيار الذي عملت واشنطن، بدأب وبتأييد إسرائيلى على فرضه على إيران، ومحاولة توريطها في أي خطأ أو تجاوز يجعل الحرب مبررة ومقبولة وربما مدعومة من الناخب الأمريكى.

حاولت واشنطن ومعها إسرائيل “إصطياد إيران” وإيقاعها فى شباك الحرب ضمن ما يُعرف بسياسة “إصطياد النمر” على مدى الأشهر الثماني الماضية ابتداءً من اغتيال الجنرال قاسم سليمانى قائد فيلق القدس بالحرس الثوري (3/1/2020)، مروراً بالضربات العنيفة والمتكررة للقوات الإيرانية في سوريا، مروراً بتفجير منشآت عسكرية إيرانية مهمة خاصة جانباً من مفاعل ناتنز النووي وفقاً لمعلومات وتسريبات إسرائيلية، وامتداداً إلى التحرش بطائرة ركاب مدنية إيرانية فى الأجواء السورية، لكن إيران، التي تراهن على الزمن واحتمال انتهاء ولاية ترامب تجنبت الوقوع في فخ اصطيادها في حرب لا تريدها، فهل ستكون العودة إلى سياسة “اصطياد النمر” هي الخيار الأمريكى الوحيد المتبقى لضمان فوز ترامب ؟ وهل ستستطيع إيران الإفلات من هذه الشباك ؟ أسئلة تقدم إجاباتها ملامح مهمة لمسارات الصراع المقبلة فى الشرق الأوسط.

 

 

* تم نشر المقال بموافقة الكاتب..

* الآراء الواردة في المقال لا تعبر عن “أصـداء” بل تعبر عن آراء الكاتب ..

Spread the love
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق