أصداءأقلام الكتاب

الـتَّـطـبـيـع بـيـن الـرفـض والـقـبـول‎..

     * الكاتـب/ سـالـم السـيـفـي

 

الـتـطـبـيـع بـيـن الـرفـض والـقـبـول..

مالا تراه الشعوب تراه الحكومات .. هذه ليست مقولة عابرة وإنما هنالك خوافي لا تدركها الشعوب بعاطفتها الجياشة ونظرتها البسيطة أمام ما يحدث بين أروقة ومطابخ السياسة ..

وبدون أدنى شك أن الحكومات تعاني الكثير من الضغوطات في عدة جوانب منها السياسي ومنها الإقتصادي ومنها الأمني ومنها الإجتماعي، وقس على ذلك ما ينجم عنها من تحديات سواء كانت إقليميةً أم دولية، في ظل هيمنة القوى العظمى ومعادلة كسر العظم ..

وبما أننا أمام تحديات صعبة ومراهنات أصعب فواقع الحال يدعونا الى التماهي مع القضايا الدولية والإقليمية لنخرج بأقل الخسائر، طالما أن العالم يتبنى سياسةً قد يكون ظاهرها موحدة ولكن باطنها مزدوجة من حيث تبني وتبادل المصالح، والتماشي مع الاستراتيجيات والمتغيرات على الساحة العالمية بمناخاتها المختلفة ..

وها نحن اليوم نتساءل يا ترى ما هو مصيرنا ؟، وماهي قرارات حكومتنا حيال القضية الفلسطينية وخارطة التطبيع التي أصبحت معالمها واضحة ولا تترك أي مجال للشك ؟، فالواقع الحالي للتعاطي مع هذه القضية .. ينبغي النظر إليه بشكل مختلف عن السابق، إذ أصبح يفرض نفسه على أرض الواقع، وموقف الحكومات أصبح مجبراً على التسليم بهذا الواقع بغض النظر عن تداعيات ومآلات القضية التي دام الصراع عليها عدة عقود.

فمهما كان للشعوب من آراء، فآراؤها حتى وإن كانت صحيحة من وجهة نظرهم، إلا أن الشعوب لا تعي معنى هذه الضغوطات التي تواجهها الحكومات، ولا يعني أن دولة ما طَبَّعَت مع الكيان الإسرائيلي، تتخذ الدول الأخرى الخطوات نفسها من حيث التعاون وتبادل المصالح، فكل دولة لها سياستها الخاصة ونهجها الخاص، رغم أن قالب التطبيع شكلاً قد يكون واحداً، ولكنه مضمونا له وجهات نظر وشروط مختلفة .. فهناك فرق بين دولة تُطَبِّع من أجل إحلال سلام دائم وشامل وعادل يجعل الدولتين الفلسطينية والإسرائيلية تنعمان وتهنآن وشعبيهما بسلام لم تستطيع كافة المساعي والجهود على مدى سبعين عام التعاطي مع ارهاصاته .. ولا بالتقدم خطوة واحدة إيجابية وملموسة لإحلال سلام دائم وشامل، فجميع المعاهدات والإتفاقيات المعروفة تاريخيا لم تكن إلا مجرد مناورات لم تخدم أرض الواقع، ولم توقف نزيف المناوشات والحرب المستعرة ليس بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وإنما بين أقطار مختلفة جميعها تصب في مبتغى وإرادة الكيان الصهيوني وحليفاتها من الدول العظمى، التي يتمركز فيها القرار بالسلم والحرب العالميين، والتدخل في مصالح بلدان كانت آمنة ومستقرة.

ولا يمكن نسيان جميع الأحداث والمراحل التي مر بها العالم العربي منذ الغزو على أفغانستان حتى ذريعة حرب الخليج وشتات العراق ومن ثم سوريا والثورات العربية، فهذه التداعيات جميعها لم تكن محض صدفة أو أخطاء حُكام، وإنما الهدف منها تفكيك الوحدة العربية بكامل مقوماتها ومقاومتها، وهي أيضا بمثابة صافرة إنذار لأي بلد يخالف هذه السياسات التي تقودها القوى العظمى ..

ومن هنا إذا ما عدنا الى نظرة الشعوب فمن المؤكد أن الشعوب تنظر للقضية الفلسطينية على أنها ليست قضيةً عابرة تخص شعباً دون آخر ومكوناً دون أخر، لما لها من بعد إسلامي وعَقَدي يتعدى حدود الرفض والقبول .. ولكن أيضا ماذا لو تساءلنا هل من خيارات أخرى .. فستكون إجابتنا بكل تأكيد الخيار المطروح الآن والذي بدأت به علانية (أبوظبي والمنامة) ما هو إلا مقدمة من مقدمات التطبيع لبقية الدول الخليجية الأخرى، سواء سلمت الشعوب بذلك أم لم تسلم، فجميع التباينات والتواطئات تقودنا الى التسليم بهذا الواقع، وإعطاء حكومتنا ألف ألف عذر إذا ما أقدمت على هذه الخطوة في يوم ما، وعلينا أن نضع في الحسبان أن حكومتنا لن تتبنى ذات النهج الذي انتهجته الحكومات الأخرى .. فهي ملتزمة منذ الوهلة الأولى بمبدئها الثابت، وهو الأرض مقابل السلام، وكل منا يرجو السلام ويأمله للخلاص من هذه الفوضى التي استنزفت شعوبا كثيرة، وما اليمن وسوريا وما تحدث من دسائس ومؤامرات أنهكت كيانات ودول مختلفة عنا ببعيد.

وفي نهاية المطاف لا زلنا نترقب بحذر، الخطوات التي طالما تناولنا الحديث عنها ونحن نعيش بين الرفض والقبول والإرادة والامتثال.

وعسى أن تكون الأيام القادمة حبلى بما يجعلنا مطمئنين ومتفقين على رأي لا يحدث شرخاً في مفهوم هذا التطبيع وما ستنجم عنه من ارتدادات.

 

 

 

للأمانة الأدبية :

* تم نشر المقال بموافقة الكاتب..

* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن “أصـداء” ، بل تعبر عن آراء الكاتب..

Spread the love
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق