أصداءأقلام الكتاب

أفريقيا ومعضلة الإنتقال السلس للسلطة

ضـرغـام أبـوزيـد

صحفي وكاتب ـ الخرطوم

dirgham@yahoo.com

 

الحيرة وحدها هي الملاذ الوحيد في هكذا مواقف محيرة ، ذلك أن معظم الدول الإفريقية على سبيل المثال لا الحصر لم تستطع أن تبتدع نظما آمنة وموثوق بها في مسألة أو معضلة أو كارثية إنتقال السلطة ، لم تستطع الديقراطيات في إفريقيا وإن وجدت أن ترسي دعائم وعمد راسخة في هذا الشأن ، وستبقى جنوب إفريقيا إستثناء دون ريب .

فأي نظام يزعم بأنه ديمقراطي هو في الواقع قشرة سطحية تخفي تحتها كل أبخرة المياه الآسنة من طائفية وقبلية وجهوية مقيتة ، وما لم يخف حقيقة إنه نظام عسكري وديكتاتوري صرف فإنه لم يفكر يوما في إبتداع فكرة ما أو منهج ما يوضح بجلاء كيفية إنتقال السلطة بعد إنتهاء أمد النظام هذا إن كان هناك أمد أصلا لإنتهاءه ، فهكذا أنظمة لاتعترف بمبدأ أي أنتقال سلس للسلطة اللهم إلا منها وإليها ، لذلك فإنها وعندما تشيخ كأمر طبيعي وإن طال بها الأمد ، فإن الوطن برمته يغدو في مهب الريح ، لسبب واحد وبسيط هو أن تلك الأنظمة لم تفكر أبدا بأنها ستشيخ وتهرم ككل الكائنات والمخلوقات .

أنظروا لكل هذه الأنظمة بتمعن وبروية هل قرأتم وسمعتم بأنهم قد حددوا بجلاء كيفية إنتقال السلطة حفاظا على كيان الوطن وإنكارا لذواتهم في حضرة الموت الرهيب ، يعقوب عليه السلام هو الذي سن الشريعة الأولى لإنتقال السلطة المؤطرة بالإيمان ، ولينام بعدها قرير العين أبدا ، تلك أقصوصة حدثنا عنها القرآن الكريم في الآية 133 من سورة البقرة :

أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ .. صدق الله العظيم .

وبذلك سادتي نام يعقوب نومته الأبدية وهو مطمئن على أن شجرة الإيمان ستنمو وتستطيل بعده حتى تبلغ عنان السماء ، وذلك بعد أن نطق بها (من بعدي) مات سعيدا وقرير العين إذ هو بذر البذرة الصالحة في التربة الصالحة وقد أخذ وعد أبناءه على محمل الجد ، فهم قد عادوا إليه وعاد إليهم بعد حكايتهم تلك الدامية مع الأبن الأثير لديه ، ذاك كان يوسف عليه السلام .

 حكام إفريقيا لم يأخذوا الحكمة من أفواه الأنبياء والمرسلين والصالحين أبدا ، لم يقولوا ولن يقولوا لشعوبهم قط ماذا تفعلون من بعدنا ، فالقذافي في (الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الإشتراكية العظمى) لم يقل يوما لشعبه ماذا أنتم فاعلون وعابدون من بعدي ، لجهة إنه لم يفكر في الأمر مع يقين له ثابت وراسخ بأن هو نفسه الذي سيأتي بعده ، وعندما جاءت تلك اللحظات التي قرر الله عز وجل فيها (نزع) الملك ، كانت الشواهد والدلائل على الأرض تؤكد بأنه وفي الواقع لم يحسب حسابا لهكذا مصير خلافا ليعقوب عليه السلام ، فكان أن وقعت الواقعة التي مابرحت ليبيا تدفع لقاءها ثمنا باهظا ، خصما من أمنها ، من وحدتها ، من كيانها ، من بقاءها من عزتها تحت الشمس كوطن له أرض وسماء وكيان ونشيد ، لم يتبق من ليبيا غير الإسم المجرد فقط بعد أن طار الأسم الطويل مع الريح الذي إبتدعته مخيلة القذافي ، لم يستطع الكتاب القذافي الأخضر أن يضع التعاليم والقوانين المحددة لشكل ولون ليبيا في مابعد القذافي .

صحيح أن ليبيا كانت في عهد القذافي زهرة نضرة وسط مزابل أفريقيا ، غير أن هذه الخطأ الإستراتيجي قضى على الزهرة وعلى التربة التي أينعت وأزهرت فيها ، الآن وفي التو واللحظة فإن ليبيا مابعد القذافي هي كارثة الكوارث في أفريقيا ، فيها دواعش ، وفيها فرقاء ليبيون يتناحرون ويدمرون ماتبقى من إهرامات القذافي بما فيها النهر الصناعي العظيم ، وفيها جماعات دارفورية سودانية ضلت الطريق للداخل الليبي بعد أن زهدت في مقارعة قوات الدعم السريع السودانية وبعد أن أغراها بريق الذهب الأسود في العمق الليبي فأثرت تكريس جهودها في ليبيا لعلهم ينالون حظوة الغنى والثراء في الحياة الدنيا وعلى أشلاء ورفات وجماجم الشعب الليبي .

إذن لنتأمل كرة أخرى في سؤال يعقوب لبنيه ماذا تعبدون (من بعدي) ، ليسأل كل حاكم دكتاتوري في أفريقيا القارة المكنوبة في حظها مع رجالها أن يسأل نفسه هذا السؤال وليكن عادلا مع نفسه لمرة واحدة فقط ، وبعدها فليأت الطوفان .

جعفر محمد نميري ، حكم السودان نعم لأكثر من عقد من الزمان ، ثاروا عليه ، أقتلعوه عنوة ، وبالقياس فإن الذين أقتلعوه ذرفوا الدموع اليوم على فعلتهم الشنيعة ، نميري هذا الذي يضرب به المثل اليوم في الطهر والنقاء والنظافة والحصافة ، ومع هذا فهو لم يسأل بنيه ماذا أنتم عابدون (من بعدي) ، إرتكب ذات الخطأ الذي يرتكبه معظم حكام أفريقيا من العسكر ومن المخلدون فيها بسطوة سيف الحجاج بن يوسف الثقفي .

جاء بعد نميري نظام طائفي ولا نقول ديمقراطي بالضرورة ، ولكم أن تصدقوا بأن رئيس حزي سوداني يزعم بأنه ديمقراطي ويطالب بنظام ديمراطي هو على رأس حزبه منذ أن كان الراحل جون كنيدي يحكم أميركا ، فأين الديمقراطية إذن ، هو لا يزال في ذات المنصب ، ثم هو الآن يتطلع ليعيده الشعب لسدة الرئاسة ، هو أيضا لم يقل لحزبه ماذا تعبدون (من بعدي) ، ولأن الشعب السوداني ذكي بالفطرة وفي الإحتجاجات الأخيرة بالمدن السودانية لم يذكره ولم يتذكره المتظاهرون ، هنا كان الإستفتاء الفطري الذي قضى على أحلام العودة الميمونة للكرسي الملعون العالي محمولا على أكتاف الجماهير الصابرة والمحتسبة .

لنا أن نصدق بأن من أسباب التشبث المفضي للتهلكة بالكرسي الملتهب تكمن أساسا لعدم وجود آليه واضحة للسؤال المهلك (من بعدي) ، فالحاكم المتشبث يفعل ذلك لأنه وببساطة لايضمن العواقب إن هو قرر في لحظات زهد روحي بحت أن يتخلى عنها ويذهب لينام للمرة الأولى في حياته بدون كوابيس مزعجة ، هو أن قرر أن يتركها عن طيب خاطر فهم لن يتركوه وشأنه ، سيأتون به ، وسيذبحونه ذبح الشاة ، ثم سيسلخون جلده ، ثم سيعلقونه على أعواد المشانق ، هم بالقطع حاقدون ، أغلب شعوب العالم الثالث وبحكم إضمحلال الثقافة لا تعرف معنى التسامح .

ففي السودان وبعد أن تمت الإطاحة بنميري كان هم السلطة الجديدة أطلاق شعار (إزالة أثار مايو) ، وليس المضي في البناء فوق بناء مايو ، دمروا ، حطموا ، عاثوا فسادا وإفسادا من أجل إزالة أثار مايو ، وسيبقى الحقد الدفين مشتعلا ولكن تحت الرماد ، ونخشى أن يكون لها ضرام ، لذلك ولكل ذلك فستدفع شعوب أفريقيا الغالي والنفيس لأن قادتها الميامين لم يحددوا بجلاء الأطر الواضحة والسليمة والمفضية للإجابة على السؤال الكارثي  ماذا أنتم فاعلون من بعدي ؟..

Spread the love
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق