
الأنديةُ الثقافيّةُ والرياضيّةُ.. دعمٌ للتّكامل في الحراك الثّقافي والنّشاط الرّياضي
أصـــداء /العُمانية
تولي الأندية الثقافية والرياضية في سلطنة عُمان اهتمامًا كبيرًا باستقطاب مواهب الشباب، وتنمية قدراتهم الفكرية والبدنية، انطلاقًا من دورها المحوري في بناء الإنسان وتعزيز مشاركته في الأنشطة الثقافية والرياضية والاجتماعية، حيث تتجاوز أدوار الأندية اليوم إطارها التقليدي بكونها منصات للنشاط الرياضي أو الثقافي فحسب، لتغدو فضاءات تمكّن الشباب من التفاعل مع مختلف المستويات الفكرية والمعرفية والاجتماعية في بيئته، وتسهم في تعزيز قيم المواطنة الفاعلة في المشاركة المجتمعية.

وحول ما تقوم به الأندية الرياضية في سلطنة عُمان من دعم مسيرة التنمية الشبابية والمجتمعية، قال سعود بن بدر امبوسعيدي مدير عام مساعد للمديرية العامة للأنشطة الرياضية بوزارة الثقافة والرياضة والشباب إن الأندية الرياضية في سلطنة عُمان تؤدي دورًا محوريًّا في دعم مسيرة التنمية الشبابية والمجتمعية، باعتبارها حاضنات أساسيّة لاكتشاف المواهب وتنمية القدرات وصقل المهارات لدى الشباب، إلى جانب إسهاماتها الفاعلة في تعزيز القيم الإيجابيّة وروح الانتماء والمُواطنة، كما تمثل منصات تربوية واجتماعية تسهم في توجيه طاقات الشباب نحو الممارسة الرياضية والثقافية والاجتماعية المنظمة، بما ينعكس إيجابًا على سلوكهم ونمط حياتهم، ويساعد في حمايتهم من السلوكيات السلبية، وتعزيز مفاهيم العمل الجماعي والانضباط وتحمل المسؤولية.

وأضاف أن الأندية تضطلع بدور مجتمعي مهم من خلال مشاركتها في المبادرات التطوعية والبرامج التوعوية والأنشطة الاجتماعية، بما يعزز الشراكة مع مختلف مؤسسات المجتمع، ويسهم في خدمة القضايا الوطنية والتنموية، ويدعم أهداف تمكين الشباب واستثمار طاقاتهم في مسارات بناءة ومستدامة، مشيرا إلى أن هذا الدور يأتي متسقًا مع التوجهات الوطنية الرامية إلى تعزيز مشاركة الشباب في التنمية، وتفعيل دور المؤسسات الرياضية والاجتماعية كرافد أساسي لبناء مجتمع متماسك، وشباب واعٍ، قادر على الإسهام الإيجابي في الحاضر وصناعة المستقبل.
ويبرز النادي الثقافي باعتباره أحد الفضاءات المعرفية الفاعلة التي تضطلع بدور نوعي في إنتاج المعرفة وصناعة الوعي، وتهيئة مساحات حوارية تمكّن الشباب من عرض تجاربهم الأدبية وطرح النقاشات، بما يعزز حضورهم في الحراك الثقافي ويصقل أدواتهم الفكرية.
وفي قراءة فكرية لدور النادي ورؤيته، وضح أ. د محمد بن علي البلوشي رئيس مجلس إدارة النادي الثقافي، أن النادي ينطلق في رؤيته من قناعة راسخة بأن الثقافة ليست نشاطًا مكمّلًا للتنمية، بل شرطٌ من شروطها العميقة، وأن الشباب ليسوا مستقبل الثقافة فحسب، بل حاضرها النابض. مشيرًا إلى أن دور النادي الثقافي يلتقي مع مرتكزات رؤية “عُمان 2040” التي وضعت الإنسان – ولا سيما الشباب – في قلب مشروع النهضة، باعتباره رأس المال المعرفي وصانع الوعي وحامل القيم.

وبيّن أن النادي يترجم هذا الدور النوعي عبر تحويل الثقافة من خطابٍ أحادي إلى عملية تشاركية تُنتج المعرفة من خلال الحوار والسؤال، لا التلقين والإجابات الجاهزة. فالشباب في فلسفة النادي ليسوا متلقين للمعرفة، بل شركاء في صناعتها، ومساهمين في بلورة وعيها الجمعي. ومن هنا، صُمِّمت البرامج الثقافية لتكون منصات مفتوحة للأسئلة الكبرى التي تشغل الشباب اليوم الهوية، والمدينة، والبيئة، والمستقبل، والعلاقة بين الإنسان والتنمية.
وأشار إلى أن هذه الرؤية تتجلّى بوضوح في الجلسات الحوارية مثل برنامج الطاولة المستديرة، الذي يجمع الشباب مع المسؤولين والخبراء على طاولة واحدة، في نقاشات تفاعلية حول قضايا تمس حاضرهم ومستقبلهم، كأنسة المدن أو الحياد الصفري الكربوني بما يسهم بناء مواطن واعٍ وقادر على التفكير النقدي، ومؤمن بدوره في صياغة السياسات والرؤى.
وأضاف أنه انطلاقًا من رؤية النادي بأن العدالة الثقافية لا تنفصل عن العدالة الجغرافية، حيث تجاوز النادي مركزية العاصمة، ونفذ ملتقيات ثقافية في عدد من الولايات من بينها مقشن، وشليم وجزر الحلانيات، وهيما، في تجربة هدفت إلى تمكين شباب تلك المناطق حقهم في الحضور الثقافي والمشاركة، إلى جانب بناء القدرات الثقافية للشباب عبر حلقات العمل التمكينية في الكتابة الإبداعية، والفنون، والذّكاء الاصطناعي، والصناعات الإبداعية، باعتبار أن تمكين الشباب ثقافيًّا هو استثمار طويل الأمد في وعي المجتمع.
وانتقالًا إلى تجربة الأندية الرياضية الثقافية، يولي نادي مصيرة الرياضي الثقافي اهتمامًا بتعزيز النشاط الثقافي، واستقطاب الشباب وتنمية قدراتهم الفكرية والثقافية والأدبية.
وقال عادل بن خادم الزرعي رئيس مجلس إدارة نادي مصيرة الرياضي الثقافي إن المتتبع لأنشطة النادي وبرامجه خلال السنوات الماضية يلحظ مساحة واضحة أفردتها الإدارة للجانب الثقافي، بدءًا من تنظيم الأيام الثقافية بالنادي إلى إقامة المسابقات والمبادرات الثقافية، وتنفيذ عدد من البرامج والفعاليات في مدارس الولاية لتعزيز الفكر الثقافي وتنمية روح الإبداع في مختلف المجالات. وأشار إلى سعي النادي لاحتضان وصقل المواهب في مجالات الشعر والقصة والخطابة والكتابة وإقامة معارض الفنون التشكيلية وغيرها من صنوف المعرفة والثقافة والأدب.

ووضح أن من أبرز الفعاليات التي ينظمها النادي “مسابقة نادي مصيرة الشعرية للشعر الوطني” التي يتزامن تنفيذها سنويًّا ابتهاجًا بذكرى تولي حضرةِ صاحبِ الجلالةِ السُّلطان هيثم بن طارق المعظّم /حفظهُ اللهُ ورعاهُ/ مقاليد الحكم في البلاد، وهي مسابقة مخصصة لكافة الشعراء في سلطنة عُمان، وقد رُصدت لها جوائز ماليّة قيّمة وتعدّ من ضمن الأعلى على المستوى المحلي في مثل هذه المسابقات.
وأضاف أن المسابقة منذ تدشينها قبل خمس سنوات، جاءت تعزيزًا لدور الكلمة الوطنية في تجسيد معاني الوفاء والانتماء لمسيرة النهضة المتجدّدة ومُنجزات الوطن، حيث تركز على محاور النهضة العُمانية المتجددة، والفخر بالمكتسبات الوطنية، وإبراز روح الاعتزاز بالمنجز الوطني. وتأتي امتدادًا لدور نادي مصيرة في المجال الثقافي ودعم الحراك الأدبي وإتاحة المنصات أمام المواهب الشعرية بمشاركة شعراء الشعر الشعبي، وتأكيدًا على ما تمثله النّهضة المتجدّدة من مصدر إلهام للشعراء للتعبير عن مشاعر الفخر والولاء للوطن وقيادته.
وبيّن أن النادي ينظم سنويًّا عددًا من الأمسيات الشعرية بمشاركة شعراء الولاية وعدد من شعراء المحافظات الأخرى، بالإضافة إلى تبني ودعم المواهب من أبناء الولاية والتكفل بتكاليف مشاركاتهم في المسابقات والمعارض داخل سلطنة عُمان وخارجها.
وأشار إلى أن التحدي الأكبر يتمثل لدى النادي – أسوة بالجميع- في كيفية استقطاب الشباب في ظل تنامي الملهيات ووسائل التواصل الحديثة وما توفره من خيارات متنوعة. ولفت إلى أن النادي كانت لديه محاولة سابقة لتدشين مكتبة بالنادي، انطلاقًا من الدور المحوري الذي تضطلع به المكتبات في الوصول إلى المعرفة وتعزيز البحث والتعلم وتوفير مساحة ملائمة للدراسة والعمل، ونأمل مستقبلًا بأن تتضافر الجهود لإقامة مكتبة متخصصة بالولاية. وختم قوله بالتأكيد على أهمية تمكين قيام الأندية من أداء أدوارها التي رسمتها السياسات العامة للحكومة لتكون حاضنة للشباب وتسهم في صقل قدراتهم مهاراتهم الإبداعية من خلال توفير موازنة مالية تخصص للجانب الثقافي والفني بالأندية، ويكون مسارها محدّدًا وواضحًا وبإشراف المختصين بوزارة الثقافة والرياضة والشباب، بما يسهم في تحفيز العمل الثقافي وتنشيط الحراك في الأندية والمؤسسات ذات العلاقة.
من جانبه وضّح محسن بن هاني البحراني رئيس مجلس إدارة نادي العامرات الثقافي الرياضي أن النادي لا يقتصر دوره على تحقيق الإنجاز الرياضي، بل يمتد ليشمل بناء الإنسان وتمكين المجتمع من منطلق العمل على الموازنة بين الأداء الرياضي والرسالة الثقافية والمجتمعية ومن خلال رؤية متكاملة تضع الشباب في قلب أولوياتها.

وأشار إلى أنه على المستوى الرياضي، يحرص النادي على تطوير الفرق واللاعبين عبر برامج تدريبية علمية وتأهيل الكوادر الفنية والإدارية بما يسهم في توفير بيئة تنافسية يستطيع الشباب خلالها تحقيق الإنجازات التي يطمحون لها، كما يضطلع النادي بدوره الثقافي والمجتمعي عبر تنظيم الفعاليات الثقافية وإقامة الأنشطة التوعوية والمبادرات المجتمعية، لتعزيز القيم الوطنية لدى الشباب وتنمية الوعي الثقافي ودعم روح الانتماء والمسؤولية الاجتماعية.
وأضاف أن النادي يسعى إلى تمكين الشباب وصقل مهاراتهم القيادية والإبداعية عبر إشراكهم في اللجان والبرامج التطوعية، وإتاحة الفرصة لهم للمشاركة في التخطيط والتنفيذ، إلى جانب إشراكهم في الدورات التدريبية التي تنظمها مختلف الجهات المختصة بما يسهم في إشراك الشباب بفاعلية في التنمية الثقافية والرياضية للمجتمع وضمان الأثر المستدام في استثمار الكوادر البشرية وتعزيز مشاركة المجتمع المحلي في أنشطة النادي.

وتحدثت منار بنت محمود الزدجالي مهتمة بالجوانب الرياضية والثقافية عن تجربتها في نادي العامرات الثقافي الرياضي، قائلة: وجدت في نادي العامرات بيئة متكاملة أسهمت في تطوير اهتمامي الثقافي والمعرفي المرتبط بالثقافة العامة والأدب والفنون، إلى جانب تنمية مهاراتي الرياضية. مؤكدة على أنه على الرغم من حداثة إشهار النادي مقارنةً ببقية أندية سلطنة عُمان، إلا أنه استطاع خلال فترة زمنية قصيرة أن يرسخ حضورًا ملفتًا في الاهتمام المتوازن بالرياضة والثقافة والعمل المجتمعي، مع إيلاء المرأة مساحة حقيقية للمشاركة والتأثير.
ووضحت أن النادي لم ينظر إلى الرياضة كجانب منفصل، ولا إلى الثقافة كنشاط ثانوي، بل عمل على دمجهما في إطار واحد يهدف إلى بناء شخصية متكاملة للمرأة، تجمع بين اللياقة البدنية والوعي الثقافي والمسؤولية المجتمعية، وتمكينها عبر إتاحة لها الفرصة في تأسيس الفرق النسائية الرياضية، وتعزيز التعاون بين الأندية عبر الاجتماعات المشتركة بين اللجان النسائية، وتنظيم البطولات الودية والزيارات المتبادلة التي تخدم المرأة والرياضة النسائية بشكل عام.
وترى أن دور الأندية في المرحلة القادمة يجب أن يتجاوز الإطار التقليدي، ليصبح منصّة لفتح آفاق إبداعيّة جديدة تمزج بين النّشاط البدني والإثراء المعرفي، وتسهم في تعزيز حضور المرأة الشابة في مختلف الأنشطة المجتمعية، وتكون بمثابة نموذج واعد يدعم طموحات المرأة العُمانية.
وفي السياق ذاته، يستعرض نمار بن طلال العامري أثر مشاركته في النادي على سلوكه وانضباطه، موضحا أن الالتزام بالتدريبات وتنفيذ التعليمات داخل الملعب مع احترام الوقت والانضباط السلوكي والعمل بروح الفريق الواحد، أسهم بشكل إيجابي على سلوكه الاجتماعي وتعاملاته اليومية، وبناء شخصية متزنة ومسؤولة داخل المجتمع.
ويرى أن الأندية تلعب دورًا محوريًّا وأساسيًّا في بناء جيل واعٍ وطموح، إذ لم تعد مهمّتها مقتصرة على صناعة بطل رياضي فحسب، بل أصبحت منصّة حقيقيّة لتمكين الشباب وصقل مهاراتهم الحياتيّة والقياديّة، مشيرًا إلى أن الأندية تمنح الشباب الثقة بالنفس، وتزرع فيهم روح التحدي والطموح، وهذه الثقة تمكنهم من قيادة مستقبلهم برؤية واضحة دون تردد، وتجعلهم قادرين على اتخاذ القرارات وتحمل المسؤولية والمساهمة الفاعلة في بناء الوطن.














