عُـمانعُمان اليوم

الملح في سلطنة عُمان.. مورد تعديني يدعم التنويع الاقتصادي والصناعات التحويلية

أصـــداء/ سليمان الذهلي

 

 

يُعد خام الملح في سلطنة عُمان أحد الموارد المعدنية الواعدة التي تتقدم بثبات ضمن منظومة قطاع المعادن والصناعات التحويلية المرتبطة به. ففي الوقت الذي تمضي فيه سلطنة عُمان نحو تعظيم الاستفادة من مواردها الطبيعية وتحقيق مستهدفات التنويع الاقتصادي، يبرز الملح، سواء في صورته الصخرية القديمة أو المستخرج من الملاحات البحرية، كأحد الخامات التي تحمل قيمة اقتصادية وصناعية متنامية، مدعومة بالتوسع في مناطق الامتياز التعدينية والمشروعات الحديثة المرتبطة به وما يصاحبها من استثمارات ومبادرات للتصنيع والقيمة المضافة.

ويأتي هذا التوجه منسجمًا مع رسالة وزارة الطاقة والمعادن المتمثلة في تنظيم وتنمية قطاع الطاقة والمعادن بما يحقق الاستغلال الأمثل للثروات الطبيعية في إطار من الصحة والسلامة المهنية وحماية البيئة، كما يعكس رؤيتها الهادفة إلى تطوير واستغلال مصادر الطاقة والمعادن بكفاءة عالية وابتكار لدعم الاقتصاد الوطني، مستندة إلى قيم المصداقية والشفافية والمبادرة والابتكار والدقة في الإنجاز والعمل بروح الفريق.

ويقدم قطاع الملح اليوم نموذجًا لخام تقليدي أعيد اكتشافه برؤية حديثة، حيث انتقل من مرحلة الإنتاج التقليدي والتراخيص المحدودة إلى مرحلة أكثر تطورًا تقوم على الامتيازات التعدينية الواسعة، واستخدام التقنيات الحديثة، والربط بين أنشطة الاستخراج والتصنيع والتصدير، بما يعزز مساهمته في دعم النمو الاقتصادي ورفع القيمة المضافة للموارد الوطنية.

التكوين الجيولوجي.. تنوع طبيعي يعزز القيمة التعدينية

يُعد الملح الصخري أحد أقدم الأشكال الجيولوجية لهذا الخام، إذ يرتبط بتبخر المياه في أحواض محصورة بين الطبقات الصخرية الرسوبية، ما أدى إلى تراكم الرواسب الملحية في باطن الأرض عبر فترات زمنية طويلة. ويمكن لهذا التكوين الملحي أن يكون مصدرًا لخامات مهمة مثل البوتاش الذي يزداد الطلب عليه مع التوسع في الصناعات المرتبطة بالزراعة.

أما الملح السطحي المتبخر فيتكون طبيعيًا في البيئات الجافة وشبه الجافة كالسبخات والأحواض المنخفضة، حيث تؤدي درجات الحرارة المرتفعة ومعدلات التبخر العالية إلى تركّز الأملاح وتراكمها بمرور الزمن، مشكلة مساحات واسعة من الطبقات السطحية الملحية، وتعد بيئات واعدة لتطوير خام البوتاسيوم، ومن أبرز أمثلتها سبخة أم السميم في محافظتي الوسطى والظاهرة.

وفي المقابل، تمثل الملاحات البحرية الصورة الأكثر حضورًا في المشهد الاستثماري الحديث لإنتاج الملح الصناعي، حيث تعتمد على استغلال الظروف المناخية الملائمة في سلطنة عُمان من أشعة الشمس والرياح العالية والمسطحات الساحلية، إلى جانب توظيف التقنيات الحديثة لرفع كفاءة الإنتاج وتعزيز الجدوى الاقتصادية للمشروعات.

*محافظة الوسطى.. مركز صناعة الملح*

يتركز النشاط التجاري المنظم في قطاع الملاحات البحرية و الملح السطي المتبخر بصورة رئيسية في محافظة الوسطى التي رسخت مكانتها بوصفها المركز الأبرز لهذه الصناعة في سلطنة عُمان، مع وجود ستة مناطق امتياز تعدينية لأنشطة الملاحات.

ويعود ذلك إلى مجموعة من العوامل المتكاملة، من بينها اتساع المساحات الساحلية و سرعة الرياح في المنطقة ، وتوافر البيئات المناسبة لأحواض التبخير، والقرب من أنشطة النفط والغاز، إضافة إلى قربها من الموانئ الحيوية التي تمثل منافذ استراتيجية لحركة التصدير والشحن.

كما أن بعض المناطق التقليدية المعروفة تاريخيًا بإنتاج الملح ما تزال حاضرة في الذاكرة الاقتصادية والاجتماعية، إلا أن التركيز الفعلي اليوم يتجه نحو المشروعات الصناعية الكبرى التي تعزز القيمة المضافة وترفع من كفاءة استغلال هذا المورد الحيوي.

*من الإنتاج التقليدي إلى الصناعات التحويلية*

شهد قطاع الملح خلال السنوات الأخيرة تحولًا نوعيًا في أساليب الإنتاج، حيث تعتمد المشروعات الحديثة على الدراسات الفنية وتحليل الخصائص الكيميائية والفيزيائية للمياه والبيئات الساحلية المستهدفة، قبل إنشاء أحواض التبخير وفق تصاميم هندسية مدروسة تتيح إنتاج الملح ومشتقاته بكفاءة عالية.

وقد دخل القطاع مرحلة جديدة قائمة على المشروعات الصناعية المتخصصة، مع توجه واضح نحو التوسع في الصناعات التحويلية المرتبطة بالملح، سواء في إنتاج الملح الصناعي عالي النقاوة أو الملح الغذائي أو المركبات الكيميائية المستخرجة من الملاحات مثل البرومين والصودا الكاوية ورماد الصودا وكلوريد متعدد الفينيل، الأمر الذي يعزز القيمة الاقتصادية للخام ويوفر فرصًا أكبر للاستثمار الصناعي.

*الإنتاج والتصدير والاستهلاك المحلي*

تُظهر المؤشرات أن الأسواق الخارجية تستحوذ على الحصة الأكبر من الإنتاج، وهو ما يعكس قابلية هذا الخام للتسويق خارج سلطنة عُمان، في حين يظل السوق المحلي منفذًا مهمًا ومتناميًا للتوزيع، مدفوعًا بطلب متزايد من قطاعات حيوية تشمل النفط والغاز والصناعات الغذائية والأنشطة الكيميائية.

حيث تشير مؤشرات عام 2025م إلى تسجيل إنتاج بلغ نحو 40 ألف طن، تم تصدير ما يقارب 30 ألف طن منه إلى الأسواق الخارجية، في حين بلغ الاستهلاك المحلي نحو 10 آلاف طن. وتعكس هذه المؤشرات تنامي أهمية القطاع بوصفه أحد الأنشطة التعدينية الواعدة القادرة على دعم النمو الصناعي والتجاري، وتعزيز المحتوى المحلي، وتهيئة قاعدة متينة للتوسع في الصناعات التحويلية المرتبطة بالملح ومشتقاته.

وتؤكد البيانات الحالية أن قطاع الملح في سلطنة عُمان يمضي بخطى ثابتة نحو التوسع المنظم، مستندًا إلى توقيع اربع مناطق امتياز تعدينية للملاحات البحرية تتوزع على السواحل العُمانية بمحافظة الوسطى، وباستثمارات تتجاوز مليار دولار أمريكي، تشمل الوصول إلى طاقة إنتاجية متوقعة تبلغ حوالي 5 ملايين طن سنويًا و قيام صناعات مرتبطة . هذا بالاضافة إلى خطة مستقبلية لطرح مناطق ملحية أخرى خلال المراحل المقبلة.

*مقومات تنافسية وفرص واعدة*

وأكد المهندس سعود بن خميس المحروقي، مدير عام المعادن بوزارة الطاقة والمعادن، أن المعادن الصناعية ومن بينها الملح الصناعي تمثل موردًا استراتيجيًا للأسواق المحلية والإقليمية والدولية، مشيرًا إلى أن الملح العُماني يمتلك مقومات تنافسية تعزز من حضوره في الأسواق العالمية.

وأوضح أن هذه المقومات تتمثل في جودة المنتج، والموقع الجغرافي الاستراتيجي الذي يتيح سهولة الوصول إلى الأسواق الإقليمية والعالمية، إلى جانب المناخ الملائم لعمليات التبخير الطبيعي، فضلاً عن الفرص المتنامية للتوسع في الصناعات التحويلية المرتبطة بالملح، الأمر الذي يسهم في رفع القيمة السوقية لهذا المورد وتعزيز مساهمته في التنمية الصناعية.

*المساهمات المجتمعية والتنمية المحلية*

لا تقتصر أهمية مشاريع الملح على الجوانب الاقتصادية فحسب، بل تمتد إلى بعدها المجتمعي، خاصة في المناطق التي تحتضن مواقع الإنتاج، حيث تتيح هذه المشروعات فرصًا للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة للمشاركة في الخدمات المساندة والنقل والخدمات اللوجستية والتوريدات، ما يوجد دورة اقتصادية محلية تنعكس إيجابًا على المجتمعات المحيطة.

كما تسهم المشروعات في دعم التنمية الاقتصادية بالمحافظات وتعزيز الشراكة مع المجتمع المحلي وفق ما حدده قانون الثروة المعدين فيما يتعلق بالمساهمة المجتمعية، بما يرسخ دور القطاع في تحقيق التنمية المتوازنة والمستدامة.

*التعمين وبناء الكفاءات الوطنية*

يمثل التعمين أحد المحاور الأساسية في تطوير قطاع المعادن، لا سيما مع انتقال صناعة الملح من الأنشطة التقليدية إلى الصناعات الفنية والتقنية الحديثة. وتسهم هذه المشروعات في توفير فرص عمل نوعية في مجالات الهندسة والجيولوجيا وإدارة العمليات والصيانة والجودة والسلامة والخدمات اللوجستية، بما يعزز حضور الكفاءات الوطنية في مختلف مراحل سلسلة القيمة التعدينية.

ويأتي ذلك في إطار توجه الوزارة نحو تمكين الكوادر العُمانية ورفع جاهزيتها للمشاركة في الصناعات التعدينية الحديثة، بما يحقق الاستدامة ويعزز مساهمة القطاع في التنمية الاقتصادية.
الاستدامة وحماية البيئة

يجسد قطاع الملح أحد التطبيقات العملية لقيم وزارة الطاقة والمعادن المرتبطة بالمصداقية والشفافية والدقة في الإنجاز والمبادرة والابتكار والعمل بروح الفريق، إلى جانب الالتزام بمعايير الصحة والسلامة والبيئة. ويعتمد العديد من مشاريع الملح الحديثة على التبخير الشمسي الطبيعي، بما يحد من استهلاك الطاقة مقارنة ببعض الأنشطة الاستخراجية الأخرى.

كما تبنت بعض الشركات التي أُرسيت لها مناطق الامتياز التعدينية الاستفادة من مصادر الطاقة المتجددة في إنتاج الكهرباء المستخدمة في عملياتها التعدينية والتصنيعية، بما يعزز كفاءة التشغيل ويرفع من مستويات الاستدامة ويخفض الأثر البيئي للمشروعات.

كما أن التوجه نحو تصميم أحواض التبخير وفق معايير فنية مدروسة يساهم في تقليل التأثيرات البيئية المحتملة وتعزيز استدامة التشغيل. ومن الناحية المؤسسية، تلتزم المشروعات بتطبيق الاشتراطات البيئية وأعمال المراقبة وإعادة التأهيل، بما يضمن تحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية والمحافظة على البيئة، ويعزز استدامة هذا القطاع الحيوي للأجيال القادمة.

ويعكس هذا النهج التزام وزارة الطاقة والمعادن بتحقيق الاستغلال الأمثل للموارد الطبيعية وفق أفضل الممارسات البيئية، بما ينسجم مع رسالتها ورؤيتها في بناء قطاع تعديني حديث ومبتكر يسهم بفاعلية في دعم الاقتصاد الوطني وتحقيق التنمية المستدامة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى