
أصـــداء/العُمانية
تشكّل مجموعات الجري اليوم ثقافة مُجتمعيّة موّحدة، تقوم على التشجيع المُتبادل وبناء العلاقات الاجتماعيّة وترسيخ أنماط الحياة الصحيّة، حيثُ تجاوزت ممارسة هذه الرياضة كونها نشاطًا بدنيًّا فرديًّا لتتحوّل إلى ظاهرة اجتماعيّة تجمع فئات وأعمارًا مُختلفة تحت شغف تحقيق هدف مُشترك.
وأصبحت رياضة الجري مساحة إنسانيّة تفاعليّة تجمع قيم الالتزام والعزيمة والعمل الجماعيّ، حيث تتجه مجموعات الأفراد إلى المسارات الرياضيّة والواجهات البحريّة في مُختلف المُحافظات، لتتحوّل إلى مجموعات مُنظّمة ترسّخ مفهوم الثقافة المُجتمعيّة الجديدة لتجعل من الرياضة أسلوب حياة مُشترك يُعزز الوعي الصحيّ ويبني مُجتمعًا حيويًّا.

ومن هذا المُنطلق، يبرز نادي عُمان للجري الذي يعمل على تحويل حماس المُبادرات الشبابيّة في مُمارسة رياضة الجري إلى روتين دائم يُغيّر أسلوب حياة الأفراد للأفضل.
وقال طلال بن هلال المحروقي رئيس نادي عُمان للجري: “في ظلّ التحوّل المُتزايد نحو تبنيّ أنماط حياة صحيّة، يأتي هذا النادي كنموذج ريادي يعكس وعي الشباب العُماني بأهميّة الرياضة، ليس كمُجرد نشاط ترفيهيّ مُؤقت، بل كأسلوب حياة مُتكامل”.
وأضاف: “أنه من خلال رؤية واضحة وأهداف استراتيجيّة، استطاع النادي أن يضع بصمة مُميزة في مشهد الرياضة المُجتمعيّة، عبر استقطاب العدائين ومُحبي الجري، وبناء مُجتمع مُتكامل يقوم على الالتزام والاستدامة، وعمل على تأسيس مُجتمع رياضيّ مُتكامل يجمع مُختلف الفئات العمريّة تحت مظلة واحدة، ويعزز روح التعاون والتشجيع المُتبادل بين أعضائه، ولا يقتصر دوره على تنظيم التمارين، بل يسعى إلى نشر ثقافة الجري كأسلوب حياة صحيّ ينعكس إيجابًا على الفرد والمُجتمع”.
ويُبيّن المحروقي أن النادي يحرص على دعم وتطوير رياضة الجري من خلال برامج تدريبيّة مُنظمة، وفعاليات ومُسابقات تُدار وفق معايير احترافيّة آمنة، بما يُسهم في رفع مُستوى الأداء لدى المُشاركين، ويُعزز من حضور هذه الرياضة في سلطنة عُمان.
وأوضح أن النادي يعمل على بناء نظام مُتكامل يحوّل هذا الحماس إلى التزام يوميّ، لذلك نعتمد على التدرّج في التمارين، ووضع أهداف واقعيّة لكل مُشارك، بحيث يشعر بالإنجاز دون ضغط مُبالغ فيه.
وأشار إلى أن النادي يعتمد على مجموعة من الأساليب الفعّالة لضمان استمراريّة المُشاركين، من أبرزها البرامج المُنتظمة كوضع جداول أسبوعيّة وثابتة للتمارين تجعل المشي أو الجري عادة مُرتبطة بوقت مُحدد، والتدرّج في الأداء والبدء بمُستويات بسيطة ثم التقدم تدريجيًّا ما يُقلل من احتماليّة الانقطاع، والتحفيز الجماعيّ وتشجيع الأعضاء لبعضهم، وتنظيم فعاليات جماعيّة تعزز روح الفريق، والمُشاركة في الفعاليات وإتاحة الفرصة للمُشاركين لخوض سباقات وفعاليات مُجتمعيّة، ما يمنحهم هدفًا واضحًا يسعون إليه، إلى جانب التوعيّة المُستمرة ونشر ثقافة الرياضة والصحة عبر الحملات والأنشطة التوعويّة.
من جانبها قالت حنان بنت عبد الله الجهمنية مُشاركة في نادي عُمان للجري: “مما لا شك فيه أنّ وجود أماكن مُخصصة للجري أصبح ضرورة في وقتنا الحالي، كما أنّ الانضمام إلى المجموعات الرياضيّة في مسارات المشي أو الجري يُسهم بشكل كبير في بناء بيئة إيجابيّة قائمة على الألفة والتعاون، فدور الجري لا يقتصر على مُمارسة الرياضة فقط، بل يتجاوز ذلك ليصبح مساحة رحبة لنا نحن الشابّات لتبادل الخبرات الصحيّة، ونشر الوعي الرياضيّ، وتعزيز التحفيز المُتبادل”.
وأضافت: “وجود هدف مُشترك يتمثل في تحسين الصحة واللياقة يُساعد على بناء علاقات قائمة على الدعم والتشجيع والاحترام، ما يعزز روح الانتماء ويُضفي المُتعة على مُمارسة الرياضة، ويُشجع على الاستمراريّة، إضافةً إلى ذلك، فإن الأجواء المليئة بالطاقة الإيجابيّة والتفاؤل تسهم في تكوين صداقات جديدة وتوسيع شبكة العلاقات الاجتماعيّة، كما تساعد على نشر ثقافة النشاط البدنيّ في المُجتمع”.
أمّا من الناحية النفسيّة، فتُؤكد: “إنّ التفاعل مع أشخاص يُشاركونني الاهتمامات نفسها يمنحني شعورًا بالسعادة والدافعيّة والثقة بالنفس، ويُساعد على تخفيف الضغوط اليوميّة وتعزيز الصحة النفسيّة”، وتوّضح أنّ هذه العلاقات الإيجابيّة لا تقتصر على الممشى، بل تمتد إلى خارجه من خلال التعاون والمُشاركة في مُختلف الأنشطة والمُبادرات، ما يفتح آفاقًا وفرصًا جديدة، ويُسهم في بناء مُجتمع رياضي مُتماسك ومُتعاون.
ويبرز نموذج الشّاب العُماني مسعود الحسني كأحد النماذج التي تُؤكد على النتائج الإيجابيّة لرياضة الجري، حيثُ خاض رحلة استثنائيّة بدأها بوزن بلغ 140 كجم ليصل بإصرار والتزام إلى 76 كجم، في إنجاز يعكس قوّة الإرادة ووضوح الهدف، وقال: “بالنسبة لي، لم تكن الرياضة يومًا قرارًا مُرتبطًا بالآخرين أو باللّحظة، بل كانت بداية رحلة مع الذات، وحرصي اليوميّ على المشي أو الجري نابع من قناعة عميقة بأنّ صحتي هي مسؤوليّة شخصيّة، وأنّ الاستمراريّة أهم من الحماس المُؤقت”.

وعند التركيز على المرأة، وما لها من دور أساسيّ ومحوريّ في تشكيل ثقافة المنزل وتوجيه أسرتها؛ تقول ريم بنت قاسم الريامي – مُشاركة في نادي عُمان للجري: ” تلعب الرياضة دورًا محوريًّا في تعزيز صحة الإنسان النفسيّة والجسديّة والروحيّة، إذ تسهم في التخفيف من ضغوط الحياة، وتقوية البدن من خلال بناء العضلات وتقليل الدهون، كما تعزز شعور الامتنان لنعم الله سبحانه وتعالى، ومن هذا المُنطلق، يقع على عاتق المرأة دور أساسي في غرس هذه الثقافة لدى أبنائها، من خلال التخطيط الواعي لبناء نمط حياة صحيّ ومُستدام داخل الأسرة”.
وأضافت: “في رؤيتي المُستقبليّة، أستمد الإلهام من تجربة والدتي، التي كان لها دور بارز في تشجيعنا على مُمارسة الرياضة منذ الصغر عبر إتاحة الفرص لنا للمُشاركة في أنشطة مُتنوّعة مثل السباحة والتنس والتايكواندو والجري، ما رسّخ فينا حب الرياضة وجعلها جزءًا أصيلًا من حياتنا، ومن هُنا، أحرص على أن أكون قدوة لأبنائي من خلال الالتزام الشخصيّ بمُمارسة الرياضة وجعلها ضمن أولوياتي اليوميّة، إيمانًا بأن القدوة العمليّة هي الوسيلة الأجدى لغرس القيم”.
وبينت أنها تحرص على توعية أبنائها بأهميّة النشاط البدني وآثاره الإيجابيّة، إلى جانب توضيح أخطار نمط الحياة الخامل وما يترتب عليه من أمراض مُزمنة مثل السكري وأمراض القلب وهشاشة العظام، وأسعى كذلك إلى إتاحة الفرصة لهم لاكتشاف ميولهم الرياضيّة مُنذ سن مُبكرة عبر إشراكهم في مُختلف الأنديّة، وتشجيعهم على وضع أهداف رياضيّة واضحة تعزز لديهم روح الالتزام والاستمراريّة.
ومن منطلق التطوّر المُميز الذي نشهده في السلوك العام للمجموعات الشبابيّة نحو تنظيم أنفسهم، يقول هيثم بن سعيد الصالحي – مُدرب مُختص في نادي عُمان للجري: “هذا التطوّر يُسهم في رفع الوعي الرياضيّ لدى جميع فئات المُجتمع ما يُعزز ثقافتهم الرياضيّة وينعكس على جميع النواحي ابتداء من الأدوات المُناسبة والمُخصصة لكل رياضة”.
وعن الفوائد الكبيرة المُترتبة على هذا الوعي المُتصاعد على المدى البعيد، يذكر الصالحي: “من المُتوقع أن يُسهم هذا الوعي في إحداث تحوّل إيجابيّ في صحة المُجتمع على المُستويين الجسديّ والنفسيّ، فانتشار ثقافة الرياضة المُجتمعية يعني انخفاض مُعدلات الخمول البدنيّ، وزيادة الوعي بالتغذية السليمة، إلى جانب تعزيز الترابط الاجتماعيّ بين الأفراد، كما أنّ هذه المُمارسات توجِد مُتنفسًا مهمًّا، خاصة في ظل ضغوط الحياة المُعاصرة، ما ينعكس إيجابًا على الصحة النفسيّة ويحد من العزلة الاجتماعيّة”.
وأشار إلى أنّ مُستقبل الرياضة المُجتمعية يحمل آفاقًا واعدة، ليس فقط في تحسين صحة الأفراد، بل في بناء مُجتمع أكثر وعيًا وتلاحمًا، ويظل الاستثمار في هذه المُبادرات الشبابيّة، ودعمها بالتخطيط والتوجيه، خطوة أساسية نحو تحقيق أهداف التنمية الصحيّة والاجتماعيّة، وجعل الرياضة أسلوب حياة مُستدام للأجيال القادمة.














