
أصـــداء/ سليمان الذهلي
تمثل العمارة التقليدية في محافظة مسندم أحد مكونات التراث المعماري والثقافي الذي يعكس علاقة الإنسان بالبيئة المحلية، حيث تأثر أسلوب البناء بطبيعة المحافظة الجبلية والبحرية، والمناخ، وتوفر مواد البناء المحلية، إلى جانب خصوصية الحياة الاجتماعية التي تشكلت عبر أجيال.
وجاءت المساكن في المحافظة نتيجة تفاعل طويل بين الإنسان وبيئته، إذ فرضت الطبيعة الجبلية طبيعة خاصة في اختيار مواقع البيوت وتصميمها ومواد تشييدها.
وتحتفظ القرى المنتشرة بين الجبال بنماذج من هذه المساكن التي عكست خبرة الإنسان في التعامل مع البيئة والاستفادة من مواردها، إلى جانب القيم الاجتماعية وأنماط الحياة التي سادت في الماضي.
وارتبط تصميم العمارة في المحافظة بطبيعة البيئة الجبلية واحتياجات السكان، فجاءت مبانيها متينة، واستخدمت في تشييدها مواد محلية تتلاءم مع طبيعة المكان.
ويكشف هذا البناء عن معرفة متوارثة بخصائص المواد وطرق استخدامها؛ فالجدران السميكة والأحجار المتراصة ارتبطت بالمتانة والحماية والعزل النسبي عن الظروف المناخية، إلى جانب دورها في تكوين الشكل المعماري للمساكن.
وقال سيف بن أحمد بن محمد الظهوري، مدير دائرة شؤون المجلس البلدي بمحافظة مسندم، إن العمارة التقليدية في المحافظة تمثل جانبًا أصيلًا من الهوية الثقافية لمسندم، وتجسد في تفاصيلها قدرة الإنسان على التكيف مع البيئة الجبلية والبحرية والاستفادة من الموارد المحلية في بناء مساكن تلائم طبيعة المكان واحتياجات المجتمع.
وأكد أن هذا النمط المعماري المتفرد يُنظر إليه بوصفه جزءًا من ذاكرة المكان ومصدرًا للإلهام في الحاضر والمستقبل.
وأوضح أن المحافظة تولي الموروث الثقافي والتراثي أهمية متزايدة باعتباره أحد المكونات الأساسية لهوية محافظة مسندم، وأحد العناصر التي يمكن أن تسهم في تعزيز حضورها كوجهة سياحية ذات طابع متفرد.
وأشار إلى أن ما يميز العمارة التقليدية في محافظة مسندم هو انسجامها مع طبيعة البيئة، حيث وظّف الإنسان الحجر والمواد المتاحة، واستفاد من خصائص الموقع والتضاريس، بما يعكس مفهومًا متقدمًا في التكيف مع البيئة والاستفادة المستدامة من الموارد.
وأضاف أن هذه العمارة تمثل إرثًا معرفيًا إلى جانب كونها إرثًا ماديًا، وهو ما يجعل توثيقها والمحافظة عليها مسؤولية مشتركة تستحق مزيدًا من الاهتمام.. مضيفًا بأن مكتب محافظ مسندم يتطلع إلى تعزيز حضور التراث المعماري ضمن التجربة السياحية والثقافية في المحافظة، بما يتيح للزائر التعرف على تاريخ المجتمع ونمط حياته وخصوصية بيئته، مع التأكيد على أهمية أن تتم عمليات الترميم والتوظيف وفق أسس تحافظ على أصالة هذه النماذج وملامحها المعمارية.
من جانبه، أشار الدكتور راشد بن محمد الشحي، أحد المهتمين بالتراث المحلي، إلى أن العمارة التقليدية تمثل خلاصة تجربة الإنسان مع بيئته، موضحًا أن السكان اعتمدوا في البناء على المواد المتوفرة حولهم، واختاروا مواقع المساكن بعناية، وصمموا مساحاتها بما يتناسب مع احتياجات الأسرة وطبيعة الحياة في الجبل.
وقال إن بساطة البيت التقليدي في مسندم تخفي وراءها قدرًا كبيرًا من المعرفة المتوارثة في البناء والتعامل مع البيئة.
وأوضح أن اختيار الأحجار، وطريقة رصها، وتحديد سماكة الجدران، وشكل الفتحات، كلها عناصر تؤدي وظائف تتجاوز الجانب الجمالي.
كما ارتبطت العمارة في مسندم ارتباطًا وثيقًا بما توفره الطبيعة، وكان الحجر الجبلي من أبرز المواد المستخدمة في بناء المساكن، إلى جانب مواد أخرى محلية وظّفها السكان بحسب الحاجة والإمكانات.
وأضاف أن هذه الممارسة تعكس مفهومًا مبكرًا للاستدامة، إذ لم يكن الإنسان بحاجة إلى نقل مواد البناء من أماكن بعيدة، وإنما اعتمد على الموارد المتاحة في محيطه، وأعاد تشكيلها بما يخدم احتياجاته.
ويرى راشد الشحي أن الإنسان في مسندم لم يحاول أن يغيّر الطبيعة بقدر ما حاول أن يتكيف معها، ولذلك جاءت العمارة منسجمة مع الجبل، واستخدمت مواده، واستفادت من تضاريسه، وأصبحت البيوت جزءًا من المشهد الطبيعي وليست عنصرًا منفصلًا عنه.
وتكمن إحدى أهم خصائص العمارة التقليدية في المحافظة في عدم ظهورها بصورة دخيلة على المكان، إذ تتوافق مع الصخور والجبال المحيطة بها. كما لم يكن المسكن مجرد مكان للنوم والإقامة، بل كان فضاءً تتوزع داخله تفاصيل الحياة الأسرية والاجتماعية، ولذلك جاء تصميم البيوت مرتبطًا بنمط معيشة السكان وطبيعة الأسرة وخصوصية المجتمع المحلي.
وأضاف أن المساحات الداخلية تكشف عن محاولة لتحقيق التوازن بين الخصوصية والتهوية والحركة، فيما ساهمت الجدران السميكة والمواد الطبيعية في توفير قدر من العزل عن الظروف المناخية الخارجية.
ويقول عمر بن علي بن محمد الشحي: “كانت البيوت بسيطة، لكن كل شيء فيها له سبب. المكان الذي نعيش فيه، وطريقة بناء الجدار، وحجم الفتحات، كلها كانت مرتبطة بالحياة اليومية وبطبيعة الجو والمكان”.
وتوضح هذه التفاصيل أن العمارة يمكن أن تقدم معلومات عن الحياة الاجتماعية في محافظة مسندم، من خلال ما تكشفه عن أسلوب معيشة السكان، وتنظيم حياتهم، وخصوصية الأسرة، وطريقة استفادتهم من الموارد المتاحة حولهم.
ومن السمات اللافتة في العمارة عمومًا حضور مفهوم الخصوصية في تخطيط المسكن. فقد انعكست طبيعة المجتمع المحلي والعلاقات الأسرية على توزيع الفراغات، ومداخل البيوت، والفتحات، وطريقة الانتقال بين المساحات الداخلية والخارجية.
وأضاف أن البيت لم يكن مصممًا فقط لمواجهة الحرارة أو حماية السكان، وإنما كان يعكس أيضًا قيم المجتمع، وفي مقدمتها الخصوصية والتماسك الأسري واحترام طبيعة الحياة الاجتماعية. وأصبحت هذه القيم حاضرة في تصميم الجدران والمداخل والمساحات وتوزيع البيت.
كما ارتبطت العمارة في محافظة مسندم بطبيعة المحافظة التي جمعت بين البحر والجبل، وانعكس هذا التنوع البيئي على حياة السكان وأنشطتهم الاقتصادية والاجتماعية، وبالتالي على مساكنهم.فالإنسان الذي عاش على الساحل ارتبط بالبحر ومصادر رزقه، بينما فرضت البيئة الجبلية أنماطًا مختلفة من الحركة والاستقرار والاستفادة من الموارد. وبين هذين العنصرين تشكلت هوية ولايات المحافظة، خاصةً ظهرت ملامحها في اللباس والعادات واللهجة والحرف، وكذلك في العمارة.
بينما قال أحمد بن صالح الشحي إن قيمة البيوت تتجاوز الجانب الهندسي لتتحول إلى ذاكرة مكانية تحفظ جانبًا من تاريخ المجتمع، مشيرًا إلى أن تفاصيلها تختزن قصص الأسر، وطرق المعيشة، وعلاقات الجيران، وأشكال التعاون بين أفراد المجتمع عند البناء والترميم.
وأضاف أن تشييد البيت في الماضي كان عملًا تشاركيًا في كثير من الأحيان، تتداخل فيه الخبرة العائلية والمجتمعية، ويتوارث الأبناء عن الآباء معرفة اختيار المواد وطرق البناء والتعامل مع البيئة.
وأكد أن أهمية البيت القديم تكمن في المعرفة التي يمثلها في البناء والتكيف مع المناخ واستغلال الموارد، وهي معرفة تستحق أن تُحفظ وتُوثق.
ومع التطور العمراني الذي شهدته محافظة مسندم وتغير أنماط الحياة واحتياجات السكان، تراجعت بعض أنماط البناء لتحل محلها المساكن الحديثة التي تعتمد على تقنيات ومواد جديدة.
وأصبحت العمارة اليوم جزءًا مهمًا من الهوية الثقافية والسياحية للمحافظة، وعنصرًا يمكن توظيفه في تقديم تجربة سياحية تعرّف الزائر بتاريخ المكان وثقافته.
ويرى أحمد الشحي أنّ الحفاظ على العمارة لا يعني تجميد الماضي، وإنما يعني فهمه والاستفادة منه. ويمكن أن تتحول عناصر العمارة المحلية إلى مصدر إلهام في التصميم الحديث، بما يحافظ على الهوية ويستجيب، في الوقت نفسه، لمتطلبات الحياة المعاصرة.
ومن هنا تبرز أهمية توثيق البيوت، ودراسة خصائصها، والمحافظة على النماذج القائمة، وتعريف الأجيال الجديدة بقيمتها، إلى جانب توظيفها في المشاريع السياحية والثقافية بصورة تحافظ على أصالتها.
وتعد العمارة التقليدية في مسندم سجلًا حيًا لعلاقة الإنسان بالمكان، ودليلًا على قدرته على التكيف والإبداع في بيئة فرضت تحدياتها الخاصة. وتكشف تفاصيل هذه العمارة عن كيفية جعل الجبل مأوى، والاستفادة من موارده وسيلةً للبقاء، وتوظيف المواد المحلية في بناء مساكن تتناسب مع البيئة واحتياجات المجتمع.
واليوم، تمضي محافظة مسندم نحو مستقبل أكثر انفتاحًا على السياحة والاستثمار والتنمية، وتظل عمارتها إحدى أهم حلقات الوصل بين الماضي والحاضر، بما يعزز حضور التراث في المستقبل، ويجعل من أصالة المكان قيمة مضافة تعزز هويته وتثري تجربته السياحية والثقافية.














