
القهوة في قفص الاتهام
هيام سلوم
هل تشرب القهوة ؟
سؤال الطبيب عندما تشكو ألماً ألمَّ بك
يسألنا عن ضغط الدم، والسكر، والنوم، والتوتر، ثم يسترسل كم فنجانًا تشرب في اليوم؟
نقول بحذر: فنجانان… ربما ثلاثة!!!
فجأة تصبح القهوة متهمة.
القهوة أكثر مشروب حوكم في حياتنا، رغم أنها لم تدخل يوماً من باب الأذى بل دخلت حياتنا من باب الصحبة.
القهوة وقت…
فنجان يختصر ساعة من التفكير وقد يمنح الإنسان لحظة يتنفس فيها قبل أن يعود إلى يومه.
كم من إنسان أنهكه العمل، ثم عاد إلى بيته، وضع فنجان القهوة أمامه وكم من امرأة أثقلتها الحياة، فجلست إلى جانب نافذة ومعها فنجانها، لا لتشرب القهوة فقط، بل لتشرب معها شيئًا من الهدوء؟ وكم من صديقين لم يجدا موضوعًا مهمًا للحديث، فاجتمعا حول فنجان قهوة، ثم اكتشفا بعد ساعتين أنهما تحدثا عن الحياة كلها؟
القهوة تعرف كيف تجمع الناس دون أن تسألهم عن سبب الاجتماع.
يكفي أن نقول: تعال نشرب القهوة.
فتصبح الجملة دعوة إلى الكلام، وربما إلى المصالحة،
وربما إلى الاعتراف، وربما إلى الصمت.
حتى الوحدة لها قهوتها.
فالإنسان حين يجلس وحده مع فنجانه لا يكون دائمًا وحيدًا كما نظن.
قد يكون في حوار مع نفسه و يستعيد وجهًا غاب.
قد يكتب رسالة لم يرسلها، أو يحاول أن يمرر هذا اليوم بسلام.
وأما أنا في الحقيقة عاشقة للقهوة ولدي معها صحبة قديمة رافقتني أثناء الكتابة
حتى إذا أهملتها وانشغلت عنها تتحملني بصبر العارفين
إنها بندول لصداع الحياة
القهوة لا تمنح الكاتب الكلمات، لكنها تمنحه المسافة اللازمة لكي يسمع الكلمات الموجودة داخله.
وهناك شيء آخر لا تقوله لنا عيادات الأطباء كثيرًا:
أن الإنسان لا يعيش بجسده وحده.
نعم، علينا أن نلتزم بنصيحة الطبيب حين تكون هناك ضرورة لذلك.
لكن الإنسان ليس أرقامًا في تحليل دم، ولا قراءة على جهاز ضغط، ولا قائمة ممنوعات.
الإنسان ذاكرة ومزاج ورفقة وطقوس صغيرة، تجعل الحياة قابلة للاحتمال.
فنجان القهوة مع أم.
فنجان القهوة مع حبيب.
فنجان في صباح هادئ.
فنجان أمام البحر.
فنجان في مقهى قديم.
فنجان بعد يوم طويل.
أليست هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع في النهاية ما نسميه حياتنا؟
القهوة نفسها مرة.
ومع ذلك نحبها.
وهنا تكمن المفارقة الجميلة.
نحبها لأنها تشبهنابمرارتها
نمرّ بأيام مُرّة، ونكمل.
نخسر، ونكمل.
نشتاق، ونكمل.
نتعب، ونكمل.
تخذلنا الحياة فنضع فنجانًا على الطاولة ونقول:
غدًا سيكون أفضل.
القهوة لا تغير العالم.
لكنها قد تغير الطريقة التي نعبر بها العالم.
وحين يكون الإنسان مثقلاً قد لا يحتاج إلى حل كبير.
أحيانًا يحتاج إلى كرسي، ونافذة، وفنجان قهوة، وشخص يقول له:
فضفض أنا معك
فضفض أنا أسمعك
وربما لهذا السبب بقيت القهوة حاضرة في بيوتنا ومقاهينا وذاكرتنا كل هذه السنوات.
لأنها كانت شاهدة على الحب، وعلى الصداقة، وعلى الانتظار، وعلى الوداع، وعلى اللقاءات الأولى، وعلى الأحاديث التي بدأت بجملة بسيطة:
«تشرب قهوة؟»
ثم انتهت بحكاية عمر.
لذلك، أيها الطبيب العزيز،
قد تقول للمريض يكفيك فنجانين في اليوم
ربما المشكلة ليست في الفنجان الثالث دائمًا.
ربما المشكلة في اليوم الذي جعلنا نحتاج إلى ثلاثة فناجين كي نحتمله.
وربما القهوة ليست التي سرقت نومنا…
ربما هناك أشياء كثيرة في حياتنا لم تسمح لنا بالنوم أصلًا.
لذلك سأترك فنجاني إلى جانبي.
سأتركها تتحدث عن نفسها.
القهوة بريئة من كل التهم.
يكفي أنها، رغم مرارتها، استطاعت أن تكون حلوة في ذاكرة الناس.
ويكفي أنها كلما ضاقت بنا الحياة،
قالت لنا بهدوء:
اجلس قليلًا…
ما زال في الوقت متسع لفنجان قهوة.










