عُـمانمحليات

خطلة الإبل.. موروثٌ يتجدد مع موسم الصرب

أصـــداء/العُمانية

مع انحسار أمطار موسم الخريف وتراجع الضباب التدريجي عن جبال محافظة ظفار، تدخل المحافظة موسم “الصرب” الذي تعود فيه الإبل إلى مراعيها في المرتفعات، في عادة موسمية متوارثة ارتبطت بحياة الرعاة وملاك الأبل في ظفار، وأصبحت جزءًا من الذاكرة الاجتماعية والثقافية للمجتمع المحلي.

وفي هذا التوقيت من كل عام تتجه قطعان الإبل من السهول والمناطق التي قضت فيها موسم الخريف إلى أعالي الجبال، يقودها أصحابها عبر الأودية والمسارات الجبلية، في رحلة عودة إلى المراعي المكسوّة بالأعشاب والنباتات المخضرة بعد موسم الأمطار في رحلة تُعرف محليًّا باسم “خطلة الإبل” وتمثل مناسبة اجتماعية ينتظرها ملاك الإبل والرعاة، إذ يلتقون، ليتبادلوا الأحاديث والخبرات، ويستعيدون ذكريات مواسم الرعي، فيما تتردد في المكان أصوات الفنون التقليدية المرتبطة بالإبل والرعي، ومنها “النانا” و “الدبرارت” و “المشعير”.

ويقضي أصحاب الإبل فترة الخريف في المناطق الأقل تأثرًا بالأمطار، سواء في السهول أو مناطق ظل المطر الواقعة خلف سلاسل الجبال “مناطق القطن” ، لتجنب المخاطر التي قد تتعرض لها الأبل كالانزلاق بسبب التربة الطينية المشبعة بالمياه، إلى جانب المحافظة على المراعي خلال ذروة الموسم المطير.

ومع اقتراب انتهاء موسم الخريف، يبدأ ملاك الإبل في التحرك تدريجيًّا نحو المناطق القريبة من الجبال، ترقبًا لليوم الذي تصبح فيه التربة أكثر جفافًا وتتهيأ الأودية لاستقبال القطعان، لتبدأ بعدها الرحلة إلى مواقع الرعي التي تتوافر فيها الأشجار والنباتات المحلية التي تعتمد عليها الإبل، ومن بينها أشجار المشط العربي “الصغوت” وغيرها من النباتات التي تمثل مصدرًا غذائيًّا طبيعيًّا للأبل.

وقد تمتد فترة بقاء القطعان في مناطق الرعي الجبلي لنحو شهر، -تزيد أو تقل بحسب الظروف- التي يقدّرها أهل الخبرة والدراية قبل أن يعود كل صاحب إبل إلى موقعه المعتاد لبقية العام.

وقال عبدالله بن سالم المعشني لوكالة الأنباء العُمانية إن الاستعداد لـ “خطلة الإبل” يبدأ قبل موعدها بوقت كافٍ، إذ يجتمع كبار السن وأهل المشورة وأصحاب الإبل للتوافق على اليوم المناسب لانطلاق القطعان، وفق أعراف اجتماعية متوارثة تراعي حالة الطقس وجفاف الأرض واستعداد المراعي، مضيفًا أنه بعد تحديد الموعد يتناقل أصحاب الإبل الخبر فيما بينهم، وتتحرك القطعان في اليوم المتفق عليه نحو المناطق المحددة للرعي.

وأشار إلى أن الرعاة يحرصون على تجهيز “المبارك”، وهي الأماكن التي تستقر فيها الإبل، إلى جانب تهيئة المسارات التي تأثرت بالأمطار، حتى تتمكن القطعان من الوصول إلى مواقع الرعي بسهولة وأمان، موضحًا أن “خطلة الإبل” تعكس نظامًا اجتماعيًّا ظل حاضرًا في حياة ملاك الإبل، يقوم على التعاون والتنسيق واحترام الأعراف المرتبطة بالمراعي ومواسمه.

من جانبه، قال سالم بن سعيد العوائد إن من أجمل المشاهد التي ترافق “خطلة الإبل” مبيت الرعاة في الأودية، حيث يجتمعون ليلًا حول النار التي تُعرف باسم “مُجُلّ”، مشيرًا إلى أن كل مجموعة تأتي بإبلها الحلوب “لتبرك” بالقرب من مواقد النار، بما يتيح لأصحابها الوصول إليها وحلبها، وقد جرت العادة على أن تتم عملية الحلب في وقت متقارب، في صورة تعكس طبيعة الحياة الجماعية التي صاحبت هذا الموروث.

وأضاف أن تلك الليالي تتحول إلى مجلس مفتوح يتبادل فيه كبار السن الحكايات والتجارب، وتُروى قصص الرعي وسير الأجداد، بينما يمتزج صوت الحديث برزيم الإبل وهدوء ليالي الصرب ونسيمها العليل.

وأوضح سهيل حسن جعبوب أن “خطلة الإبل” تحمل بُعدًا اجتماعيًّا واضحًا، إذ يستقبل أصحاب الإبل ضيوفًا من مختلف مناطق محافظة ظفار، وأحيانًا من خارجها، ممن يحرصون على مشاركة أهل الإبل هذه المناسبة الموسمية، مشيرًا إلى أن هذا اللقاء يأتي بعد فترة من التباعد فرضتها ظروف موسم الخريف، ليشكّل موعدًا للتواصل واستعادة العلاقات الاجتماعية، فضلًا عن تبادل الحديث حول أحوال الإبل والمراعي خلال أشهر الخريف.

وحول الأعراف المرتبطة بـ “خطلة الإبل”، قال غانم بن بخيت الهلالي إن هذه العادة ترتبط بمجموعة من الأعراف التي تحكم توقيتها ومسارها، وفي مقدمتها عدم دفع الإبل إلى الأودية والمرتفعات قبل توقف الأمطار وجفاف الأرض، موضحًا أن ذلك يهدف إلى حماية الغطاء النباتي من تداعيات الرعي الجائر، ومنح التربة والمراعي فرصة للتعافي بعد موسم الأمطار.

وبيّن أنه بعد التأكد من ملاءمة الظروف يتم تحديد موعد الخطلة وإبلاغ أصحاب الإبل، ثم تتجه كل مجموعة إلى الموقع المعروف لها، وفق ما جرى عليه العرف في المنطقة.

وفي السياق ذاته؛ أشار سالم بن أحمد الكثيري إلى أن هذه الأنشطة تكشف عن معرفة محلية متراكمة بطبيعة البيئة ومواسمها، وعن علاقة متوازنة بين الإنسان والمرعى، تقوم على الانتفاع من الموارد الطبيعية مع مراعاة استدامتها والحفاظ عليها.

وقال إن سوق الإبل إلى الجبال يعد تجربة مختلفة لأصحابها؛ فالمسار الذي يمر عبر الأودية والشعاب والمناطق الخضراء يحول الرحلة إلى فرصة للابتعاد عن صخب المدن واستعادة نمط من الحياة ظل حاضرًا في الذاكرة ينتقل عبر الأجيال، وفي المساء، توقد النيران في مواقع المبيت، ويجتمع الرعاة حولها، بينما تواصل الإبل حركتها في محيط المكان، فتتشكّل لوحة تعكس ارتباط الإنسان بالطبيعة والإنسان.

وقال محمد بن سعيد الشحري إن الرحلة تستحضر الفنون التقليدية التي ارتبطت بالإبل والرعي، حيث تتردد الأهازيج والألحان التقليدية التي كان يستخدمها الرعاة أثناء سوق القطعان، كجزء من المشهد الذي يميز موسم الصرب، مشيرًا إلى أن “خطلة الإبل” تقدم نموذجًا حيًّا لموروث عُماني أصيل ارتبط بدورة الفصول وتغيرات البيئة، وتكشف في تفاصيلها عن قدرة الإنسان على تنظيم حياته وفق طبيعة المكان وتبدل المواسم.

وتظل “خطلة الإبل” واحدة من المشاهد التي تحفظ جانبًا من ذاكرة ظفار، وتتجدد كل عام مع إشراقة شمس” الصرب” فوق الجبال وتمنح الأجيال الجديدة فرصة للتعرف على علاقة الأجداد بالأرض والمرعى، وعلى منظومة من العادات والأعراف التي نشأت من الحاجة إلى التعايش مع البيئة والتكيف معها والاستفادة من خيراتها دون الإخلال بتوازنها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى