ثقافة وأدب

معرض “تنصّل” لوليد القيسي.. حين يحاور الفنان أعماله

أصـــداء/العُمانية

يقدّم التشكيلي العراقي وليد رشيد القيسي في معرضه “تنصّل” تجربة تتوقف عند واحدة من أكثر اللحظات حساسية في العملية الإبداعية، ألا وهي اللحظة التي يتخلى فيها الفنان عن رغبته في التحكم بما يصنع، ويترك للعمل مساحة كي يقوده هو، عوضاً عن أن يكون مجرد تنفيذ لفكرة مكتملة مسبقاً.

وبدءاً من عنوان المعرض المقام على جاليري الأورفلي، يضع القيسي المتلقي أمام سؤال يبدو بسيطاً في صياغته، لكنه يفتح مساحة واسعة للتأمل، إذ يسأل: “ماذا يتبقى من العمل حين أتخلى عن رغبتي؟”، وهو سؤال يبدو أن الفنان اختبره من خلال علاقته اليومية بالمواد، وبالسطح، وبالخط والشكل، وباللحظة التي ينتقل فيها العمل من حيز الفكرة إلى حيز التنفيذ.

وفي النص الذي يرافق المعرض، يوضح القيسي أن “تنصّل” ليس هروباً من الشكل، بل هو ابتعاد عن الشكل الذي يفرض نفسه باعتباره نهايةً وحيدة للعمل؛ فالفنان، وفق رؤيته، لا يبدأ دائماً من صورة نهائية يريد الوصول إليها، وإنما يدخل في حوار مع العمل، بحيث يمكن لما يظهر أمامه أن يغيّر المسار الذي بدأ به.

يقول القيسي: “في تجربتي بين السيراميك والرسم تعلمت أن العمل لا يسير بخطة مكتملة تنتظر أن تتحول إلى شكل ما”، مشيراً إلى أن العمل يبدأ من لحظة يكون فيها الفنان في حالة بحث، ينتقل خلالها مما يعرفه إلى ما يمكن أن تقترحه المادة نفسها.

ويضيف أن اللحظة المهمة في تجربته هي تلك التي يتراجع فيها ما يعرفه ليصل إلى ما يقترحه العمل نفسه، بوصفه كياناً يتشكل أثناء الممارسة، وليس نتيجةً نهائية لفكرة موجودة من قبل. وتبدو فكرة المعرض امتداداً واضحاً لمسار القيسي الفني، الذي جمع منذ سنوات بين الخزف والرسم والاشتغال على خامات ووسائط مختلفة بعد دراسته الفن في بغداد.

وتتجلى علاقة القيسي بالسيراميك بوصفها تجربة غيّرت طريقته في التفكير بالعمل نفسه، وفي معرضه، يعود إلى هذه التجربة ليضعها في حوار مع الرسم، حيث لا يعود الفرق بين المجالين هو القضية الأساسية، وإنما ما يمكن أن يتعلمه أحدهما من الآخر، يقول الفنان: “الكتلة تعلمني أن الشكل يولد من الداخل، وأن السطح يمكن أن يأخذ العمل إلى مكان آخر”، وهذا يوضح جانباً مهماً من رؤيته؛ فالعمل لا يُفرض على المادة من الخارج فقط، بل يمكن للمادة أن تكشف مسارها الخاص، وأن تدفع الفنان إلى خيارات لم تكن موجودة في لحظة البداية.

وفي “تنصّل” يبدو أن الرغبة في التحرر من القواعد تنتقل إلى مستوى عميق؛ فهي لا تتعلق فقط بالخامة أو التقنية، وإنما بعلاقة الفنان نفسه بالعمل، ويؤكد القيسي: “التنصّل هو التخلي عما قد تقدّم لصالح ما قد يحدث”، موضحاً أن التخلي هنا لا يعني إهمال العمل أو الانسحاب منه، بل يعني ترك مساحة لما لا يعرفه الفنان مسبقاً كي يظهر.

ومن هذه الزاوية، يصبح “التنصّل” فعلاً إبداعياًّ، وليس موقفاً سلبياًّ. فالفنان لا يتخلى عن العمل، بل يتخلى عن جزء من سلطته عليه، ويقبل بأن تتغير الفكرة أثناء التنفيذ، وأن تدخل عناصر غير محسوبة في تكوينها. وهذا ما يجعل العملية الفنية مفتوحة على الاحتمال، ويمنح المتلقي بدوره فرصة لأن يرى في العمل أكثر مما كان الفنان قد قرره في البداية.

وتتصل هذه الرؤية بما عُرف عن تجربة القيسي من اهتمام بالأشكال المتصدعة، والخطوط، والمنحنيات، والطبقات، والمواد المختلفة، وحرصه على ألا يغلَق العمل أمام المتلقي بتفسير واحد، مبيناً أنه لا يتعامل مع اللوحة بوصفها شيئاً يجب أن يخضع بالكامل لرغبته، وإنما يتعامل معها كطرف في حوار مستمر.

وكما تتحرر تجربة القيسي من الفكرة المسبقة، تتحرر كذلك من استخدام محدد للوسائط الفنية، إذ يشتغل على الطين والورق والقماش والمعادن وغيرها من المواد.. ويبدو أن أي شيء محيط به يمكن أن يتحول إلى مادة فنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى