
العبقرية المغيبة قسرا بمعايير حزبية محاصصاتية مشددة
حسين الذكر
هل ممكن للعبقرية ان تعمل وحدها دون محيط وبيئة مناسبة .. ؟، قبل الإجابة ينبغي ان نعي معنى العبقرية ..وهل ممكنة الظهور في بيئة ما واذا ما ظهرت هل لها قدرة العمل وتنفيذ الخطط وإبراز المواهب؟
أبسط واشمل تعريف للعبقرية يتمثل في القدرة العقلية بأعلى مستوياتها من الذكاء العالي والإبداع المنجز بصناعة مؤسسات الدولة الناهضة لتطوير ملفاة الحياة .
في بعض الدول وواقعها .. على سبيل المثال – لا شيء ينبيء عن ذلك ، حينما يتم الغاء شرط ( الرجل المناسب في المكان المناسب ) .. وتحويله الى : ( الرجل التوافقي في المكان الفوقي ) .. حينها لم تعد المؤهلات مطلوبة .. ( الشهادة والكفاءة والتجربة والخبرة وحسن السيرة والسلوك .. والتدرج .. اغلبها تضرب عرض الحائط .. فالشهادات تزور والكفاءات تهمش والخبرات تهجر وتتلاشت .. القيم الأخلاقية لم تكن كما كانت الشعوب تتعلمها ايام زمان في الدارسة والمساجد والمجالس والمنتديات المجتمعية .. ولا حتى في : ( صباح الخير وايامك سعيدة والله يعينك .. كما سمعت في دعوات الأمهات وهيبة الإباء واحترام الأولاد ..) .
كل شيء يغدو خارج النص .. حتى المنظومة تلك المنظومة التي كانت معاشة لسنوات وعقود طويلة مهما كانت وتكالبت عليها الحروب والدمار والاعدام والحصار .. تبقى قيمها الأخلاقية سائدة في صدور الإباء واحضان الأمهات ومناهج التدريس واخلاق المعلم ذلك المربي الفاضل والنموذج المستحق فعلا (للتبجيل).
لكن يتغير الواقع برغم شعار الحرية … اذا ما قلبت الأمور راس على عقب وأصبحت المحاصصة والتوافقية والحزبية والجماعاتية والاستقوائات الخارجية والداخلية والطائفية والاقاربية – وما خفي كان اعظم – هي المعايير المتقدمة لاستلام الملفات والمسؤوليات مهما كانت التحديات في امتحان عسير لمحنة العبقرية .
في عام 1806 احتلت فرنسا العاصمة الالمانية برلين مما عد هزيمة قاسية فاضحة لا يتحملها الالمان فهب الفلاسفة والادباء والوطنيون ينتخون لمحو ذلك الواقع المرير الذي لحق بهم وامتهم .. وحدثت صدمة أخلاقية وثقافية كبرى هزت المجتمع فتحركت النخب بمختلف عناوينها الألمانية لتلافي الهزيمة ومحو عارها .. ففكروا بالإصلاح وبحثوا عن مصلحين ثم انبثقت لجنة اخذت على عاتقها وضع أسس الإصلاح حتى حققت نجاحا منظورا انعكس على مجمل الحياة الألمانية .
وقد ولد من رحم عمل اللجنة مقاتل عبقري اسمه مونتلكة .. هذا الجنرال غير مجرى التاريخ في اوربا وجعل المانيا على راس العالم .. بعد ما حقق الكثير لبلده وناله الحسد والغيرة تعرض للمضايقة من المتسلقين على الاكتاف ومطبليهم وماسحي الاكتاف .. فقرر ان لا يتصادم وهو العبقري الهمام .. فذهب الى مكتبه وكتب استقالة من سطرين قدمها عام 1866 .. : ( يا جلالة الامبراطور المعظم ان جنرالكم تعب واصبح لا يقوى على تقديم الأفضل .. لذا ارغب بالاحالة على المعاش ) !.
الامبراطور العاقل الفاهم بمصالح الدولة والملك .. تمعن بها ورفضها فورا واستدعى مونتلكه قائلا : ( أيها الجنرال .. لم يحن وقت الاستقالة فان المانيا والامبراطور لا يمكنهم الاستغناء عن عبقريتك بهذه الظروف ) فاذعن للخدمة الوطنية ومضى في نجاحاته وبعد 22 عام من الخدمة العامة الوطنية البناءة وفيما وهن عظم الجنرال العجوز ذو (88) عام شوهد بصحبة الامبراطور في استعراض التقاعد والتكريم بعد ان وضع كل السبل والمعايير والقوانين اللازمة لانتاج العبقرية واخذ طريقها نحو قمة هرم العمل الالماني بمختلف مجالات الحياة والابداع فيه بلا منافسة حزبية او جماعاتية او اقربائة او مذهبية ضيقة .. وظلت المؤسسة العسكرية مصدر ابداع حضاري بمعزل عن شكل واسم النظام السياسي القائم لانها اسست على العلم والنزاهة والوطنية واعتمدت معايير مهنية واخلاقية ..
ظلت تلك الاصلاحات اكثر من مائة عامة هي من تصنع مجد المانية العسكري والصناعي والاخلاقي .. بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية تشكلت لجنة من قوات التحالف المنتصرة بالحربين الأولى والثانية لمعرفة أسباب تفوق الجندي الألماني .. وبعد اخذ وعطاء كتبت اللجنة في توصياتها : ( هناك احتمالين للتفوق الألماني .. فاما يكون نتاج عبقرية فردية تقود المؤسسة .. او مؤسسة متكاملة تنتج عباقرة ).











