
هلوسة فكرية.. فنان مجنون وزوجة منحوسة
حسين الذكر
ما هو الانسان ؟، اجمل ما قرات عنه ، ما قيل فيه : ( اتحسب نفسك جرما صغير وفيك انطوى العالم الاكبر ) . ! يا ترى ما هو العالم الاكبر الذي تجسد في ذلك المخلوق العصي على المخلوقات والذي كل الرؤى البشرية حتى الان تعجز عن وصفه ابعد مما قال فيه الوحي اسلاميا او غيره من اهل الكتاب فضلا عما تناثر في فصوص الحكمة الفلسفية الانسانية التي اجمعت على اعجازية خلق الانسان فضلا عن فهمه وربما حتى وصفه ككائن يمتلك قدرة الايحاء الشكلي فيما تبقى الاسرار كامنة في ذات ما زالت منغلقة او هي تمثل دهاليز الانغلاق مهما حاولنا الكشف عن مضامينها فرويديا او سارتريا او أنفلوطيا او افلاطونيا .. !
استوقفتني جملة قالها محدثي في النصف الاخر من الكوكب او بالاحرى من القرية العالمية التي طوت مسافاتها بفضل العقل الانساني الذي ما زال يغدق على الطبيعة بكل ما جاد برغم استصغار وجوداته امام حاضر الطبيعة فضلا عن مكنونه الذي لم يكشف الستار عنه بعد .
انت تهلوس فكريا او تلجا الى ذلك تهربا من اس الفكرة واحيانا تتقلب وتتعرج في الحوار حد السخرية ؟ هكذا وجه لي الاتهام !
ضحكت من هذا الوصف الذي اتهمني فيه محدثي برغم عشقي لمكنوناته وجمال مفرداته .. القضية جرتني جرا الى حيث سقراط النبي الفيلسوف كما يذهب البعض على تسميته .. فيما يعده بعض اخر من الشهداء على مذبح الفكرة وما اكثرهم في التاريخ الانساني المغيب .. !
سقراط ذلك الرجل الذي اخفق في تطويع زوجته انزابيثت التي عدت اسوء امرأة حظا .. لانها انتهكت كرامة زوج لم تسمعه كلمة واحدة ايجابية طوال حياته معها الا بعد ان رات الاصفاد تكبل يداه ويسوقه السجان حيث مصيره الاخير .. في لحظة تجلي عاطفي انهمر مرة واحدة بعد ان عاثت وضيقت عليه حتى جلساته الفكرية ولم تع معناه الحقيقي الا بعد اعدامه .. عاشت تلك العقود وهي لا تعلم انها بكنف وتحت ستر وغطاء راس لم يطاطا راسه هو من تبعه حتى اليوم في ركاب قطار الحرية !
في واحدة من الصفات التي جعلته سقراط انه كان يسخر من خصومه قائلا : ( لا اعلم لم يغاض الاخرين من اسلوبي مع اني لا افعل سوى ما تفعله امي التي تشتغل قابلة المدينة وتساعد على تسهيل مهام الولادة واخراج الاطفال من ظلمات ارحام الامهات الى نور الحياة . وانا كل ما فعله لا يعدو سوى استخراج الفكرة من جاهلات الاخر واضعها موضع يمكنها فيه رؤية النور ) .
حينما سال بيكاسو عن عدم فهم لوحاته ، قال : ( ولم تطلبون مني ان ارسم ما تفهمونه في حياة غير مفهومة ) مضيفا : ( ان الاعجاب يجبرك ان تقف خمسة ساعات تتامل لوحة جميلة من وجهة نظرك .. فيما الحب يجعلك تنظر اليها خمسة دقائق ثم تنسل ليلا لسرقتها) .. !
كنت القي محاضرة عامة في مكان عام عن ازمة المعاني والمفاهيم في الثقافة العربية .. وقد سخر مني احدهم حينما قلت ان مفردة (كنان) التي تعني عندكم المكان الذي يضع فيه السهام: ( وجدتها في القاموس تعني الستر والغطاء حتى تصيرت عندي تعني الحوار مع الذات في مفهوم ما بعد السماء صبحا كان او عند المساء ) ..
القضية عصية جدا .. ولم اجد تعريف لمدينة واثر تاريخي عربي واحد دون ان تكون له مرادفات ومعان وآراء متعددة قد تخرجه من التعريف الاول وربما تنسف مضمونه ..
فحينما اصر محدثي على حصر التعريف بين قوسين سمعها وتعلمها من شيخ وصفه (بالثقة ).. قلت له حسنا افتح اي قاموس عربي ستجد عشرات المرادفات والمعاني التي يمكن لها ان تقنعك ان العالم ينبغي ان يكون حرا شريطة ان تقف حريته عند حرية الاخرين .
قال متهكما او متعجبا : ( ما هي الفلسفة في ادعائك ؟ ) – والله وحده – يعلم ما يضمر الانسان في كوامنه السرية حتى عند اقرب المقربين منه بل وربما حتى عن نفسه التي لن تستقر على حال ما دامها تصطبغ بلون الليل والنهار وتتحرك بذات المسار ..
فقلت الفلسفة تعني الحرية .. اذ لم اجد اوسع من هذا المضمار تعبيرا عنها يضمن الحق المكفول لكل من يريد ( التفكر ) او التفلسف بطريقته الخاصة والعامة لمن يجيد فنون الاستقصاء والاستنباط والاستقراء … وكذا لمن يكتفي بدينه وديناه ( عصاي وعبائتي .. والله اكبر ) .. يبقى الجانب السلوكي الايجابي (العاقل ) هو السبيل الوحيد للتطور .. وهنا العقل يتوج بمعنى وهدف آخر .. هو الحكم على فلسفة الاخرين ما دمنا نسير بركب الحضارة التي تسعى للتكامل والوصول الى هدفين لا ثالث لهما ( الوعي العام وانتفاء الالم العام ) – باقل تقدير – في الوقت الحاضر وفي ظل قدراتنا المحدودة وان احالت الارض الى قرية عالمية .











