بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

بوح الحسناء من كلام العقلاء

ماجد بن محمد الوهيبي

 

 

نبدأ البوح بهذا السؤال، يسألونني ما سر الورود؟ وانتعاش الشوق من بعد الجمود؟ قلت : إنّ اللهفة تأخذ العطشان قسرًا للورود، فلا يبالي بالقيود ولا الحدود.

تخاطبني الحسناء قائلة: لقد أرهقت بدنك والعيون، قلتُ لها : لا عليكِ، إنما أطلق الكلمات من أسر السجون قالت : دع عنك العناد ودع الجنون،فأجبتها بأن البوح يعقبه سكون،
أو ما يسمى بهدوء ما قبل العاصفة، فينضح به الفكر على السطور كمن يلقي البذور دون كللٍ أو فتور فتنمو البراعم وينبت الزرع ويشب العود ويكبر الساق فتتفرع الأغصان وتتمدد الجذور، أو ليست الكلمة كالشجرة؟
بلى هي هكذا قال ربنا في محكم التنزيل، فمنها الطيبة ومنها الخبيثة، فإن خرجت فلها تحليقٌ كالطيور، ولها تبعات وعواقب فإما أن تجلب الأحزان والرزايا وإما أن تأتي بالسعادة والسرور، ورقي الكلمة في الترفع عن سفاسف الأمور، وعدم الخوض في الجدال وما تخفي الصدور.

إن جمال الكلمة يتجلى في جمال قائلها وقدرته الفائقة على مدى تأثيرها وتفاعلها مع النفس، ولله المثل الأعلى وهو حسبنا وله الحكم وإليه النشور، واسألوا من خاض في بحور النور، وجالس القرآن ورابط على الجبهات والثغور، ‏﴿ وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّور ﴾.
‏
تستطرد الحسناء قائلة : هل لك أن تبين لي تخبط بعض البشر في هذا الوجود؟
فأجبتها : لا تعجبي من هؤلاء ولنكمل ما تبقى من أحاديث الورود،
فهؤلاء تاهوا في عالم الحيرة وأسلموا عقولهم لها وعملوا على تحكيم العقل وإقصاء النصوص أسوة وتشبها باليهود ، وصادموا بعقولهم نصوص القرآن وفسروها على هواهم ليضلوا الناس بغير علم ولا هدى وقد أعرضوا عن النور، ودفنوا أنفسهم أحياء، فلا فرق بينهم وبين اللحود،
فهذا يلحدُ ويقول بتجريد الله جل جلاله من حق العبودية وذاك يقول : ليس لرسول الله صلى الله عليه وسلم أيُ خصوصية ، ويأتينا آخر ويقول: إن أصل البشرية من جنس القرود، أتريدين أيتها الحسناء بعد هذا التخبط أن يُثار لهم حديثٌ أو نقاش؟!.
وقد أعرضتُ عن هذا لولا سؤالكِ يا حسناء، ولستُ بحاجة هنا إلى استعراض العضلات الفكرية، أو الإسهاب الممل في هذه القضية،
فنصوص القرآن نور وحكمة وهداية، وهي ليست نظرياتٌ بشريةٌ فاشلة تدعو للضلالة والغواية، وليتدارك أمره من كان هذا فكره قبل أن تُطوى السماء وتتشقق البسيطة، حينها يُسأَلُ المرء عن كل شىء فلا تخفى على الله خافية ولاتحتجب عنه واقعة، فتبارك الله أحسن الخالقين وتعالى عما يقولون علوًا كبيرًا
، فكيف بمن يبث بفكره سُم البداية ليحتسيه بنفسه بعد ذلك في النهاية، وحسبنا ما سطره مفتي عصرنا سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي حفظه الله، من براهين وأدلة وشواهد، ورده على من روجوا لهذه الخزعبلات،
وذلك بشهادتهم التي تبين تخبطهم وحيرتهم، وذلك في كتاب العقل بين جماح الطبع وترويض الشرع وفي كتابه مصرع الإلحاد، وحسبك بذلك هدىً لمن كانت به هداية، وهو قربة لله ابتغى بها شيخنا وجه الله وتبيان الحق وتحقيق العدالة، فهذا هو لسان الحق ينطق بالحق والذي يكمن في كتابنا الخالد وهو كلام رب العالمين قال تعالى :
(وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيد ٍ)، ومع هذا إذا كان هذا الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فلماذا أعدل عنه إلى نظريات هي من قول البشر؟.

ونحن هنا لا نقلل من شأن النظريات جميعها، لا طبعًا ولكن منها ما ينفع ومنها ما يضر، لذا فهي تحتمل الصواب وتحتمل الخطأ، أما كلام ربنا جل وعلا فهو محكم ومنزّه عن كل زلل وخطأ.

قالت الحسناء : ولكن في قلبي حسرة قلتُ وما تلك الحسرةُ يا حسناء قالت : هناك من يدخل في الإسلام من غير أهله بعد أن يتبينوا الحق وهذا يجلب لنا الفرحة ويغمرنا بالسعادة، وهناك من يعرض عن الحق من أهل الإسلام وهنا تكمن الحسرة، فقلتُ عليكِ بالدعاء لنا ولهم بالهداية والثبات والعفو والعافية،
أواصل حديثي مع الحسناء، والخواء الفكري الذي ينادي به السفهاء، مع أننا أسدلنا الستار وضربنا صفحًا عن هذه الأحاديث، ونسأل الله لمن أبتلي بهذه الأفكار الهداية والشفاء

ولكن الحسناء ترى أن تتمة الحديث فيه الخير الكثير لتنشيط العقلاء والأخذ بيد السفهاء، لعلهم يرجعون عن التخبط في فضاء الأفكار وميزة أصحاب العقول النيرة هو الذكاء وليس الغباء

ولانتشالهم من هذا الخواء الفكري وردهم إلى جادة الحق والصواب للتمسك بشريعة الله السمحاء
وسُنة رسوله ﷺ البيضاء.
ففيهما الهداية من الضلال والرشد بعد الحيرة والعناء، وإن نعق ناعق لينادي بهذا الخواء الفكري المزعوم فبئس الخواء وبئس النداء

تقول لي الحسناء : إن في أمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر، ومواصلتك السير في طريق النصح وتتبعك للحق، ذخراً لك في الأرض ونوراً لك في السماء.

ولو أنهم سكتوا لكان أسلم لهم ولغيرهم، ولكنهم ينتقلون من فكر هدامٍ لآخر، حين لا يجدون لهم صدى ولن يجدوا بعون الله، وبك وبأمثالك يعلو صوت الحق ويدبر الباطل وتنجلي الظلمة ويأتي الضياء

قلتُ لها : عسى أن أكون كما تظنين، ولا يسعني هنا إلا أن أقول كما قال الخليفة الصديق رضي الله عنه وأرضاه: اللهم اجعلني خيرًا مما يظنون واغفر لي ما لا يعلمون ولا تؤاخذني بما يقولون.

نتحدث في مقالنا هذا بالتركيز على الخزعبلات التي يروح لها البعض بأن أحاديث الرسول كلها لا تثبت وأنها ليست صحيحة وهذا من الكذب الصريح الذي يستحق وعيد الرسول صلى الله عليه وسلم فقد قال ﷺ (من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) كيف ذلك ؟
ما رأيكم وقد أمرنا الله بطاعته أولًا ثم بطاعة الرسول ﷺ ؟
وأشار الله تعالى إلى ذلك في كثير من الآيات فمنها قوله تعالى
(وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) الآيه 132 سورة آل عمران

ومنها ماجاءت بلفظ (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) الآية 92 سورة المائدة
وآية أخرى بلفظ (أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ) الآية 20 من سورة الأنفال.

والأدلة من الآيات كثيرة وحسبنا قول الله تبارك وتعالى في سورة الحشر في الآية 7 حين قال تعالى : (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) صدق الله العظيم، فماذا بعد هذه البراهين الربانية يا حسناء وقد نهانا الله في محكم التنزيل عن الخوض مع من يشكك في آياته وفي هدي الرسول صلى الله عليه وسلم.

ويستهزئ بالقرآن والسُنة، فهولاء السفهاء لا يريدون الحقيقة وإن هم أظهروا ذلك فهذه أساليبهم وأساليب من أثروا فيهم ومدوهم بهذه الأفكار، ولكنهم يتبعون الهوى ليضلوا الناس بغير علم ولا يستمع إليهم إلا من تمكن منه الهوى كما تمكن منهم وهكذا هم الحمقى يتبعون بعضهم البعض في الأقوال والأفعال.

وأما تطاولهم على العلماء أيتها الحسناء، فهم يشنون هذه الحرب الشعواء للقضاء على قيم الإسلام من خلال التجني على الله ورسوله وسائر العلماء لزعزعة ثبات المؤمنين ونشر أفكار المشككين والملحدين والترويج لسائر الأديان، وفي السخرية من الحجاب واللحى بالهمز واللمز والدعوة الصريحة للرذائل من خلال اختلاط الرجال بالنساء في كل مكان وعلى أي حال دون ضمان وابط أو حياء وتبني أفكار النسويات والبيذاميات، وبنشر الطرح التافه والتفنن في ذم العباد علنًا على وسائل التواصل، ووصفهم بأوصاف بذيئة وهذا من الفحش في الكلام والتجني على الأنام ، ومن بعض ما قالوه وساروا عليه؛ قول التي قالت : بأن الحج مجرد طقوس وبإمكاني الحج من نافذة بيتي!.
وتابعها في هذا القول كل ضالٍ وضالة وقد بين الله شأن الحج ومكانته في كتابه العزيز وحث عليه رسولنا الكريم وهو الركن الخامس من أركان الإسلام لمن استطاع إليه سبيلاً ، فما حاجتنا لما قالته هذه المُلحدة التي تتحمل وزر من أضلته ويلحقها هذا الوزر إلى يوم القيامة.

وشر البلية ما يضحك عندما يحاول أحدهم البحث في مبادىء الإسلام وقواعده ليقتنع بما فيه ويجد فيه الحق، يحاولون صده بشتى السبل، وحينما يصر على موقفه ويوفقه الله للدخول في دين الله الحق، يأتونه من جانب ما أعد الله للعصاة من جحيم وللمتقين من نعيم

ويقولون له اسمع كلامنا وتمسك بديانتك القديمة فلا وجود للجنة والنار ولا للجزاء ولا للبعث ولا لأحاديث الرسول ﷺ ، وأن الصلاة مجرد حركات وهذه الحركات غير صحيحة، وابلٌ من الأفكار وكل هذا لثنية عن عزمه

ويختمون ذلك بتكرار نظرية البشر الفاشلة والقاصرة ، بأن أصل الإنسان من جنس القرود وقد تناولنا هذا في مقال سابق بعنوان : (كهنة العلم الزائف والنظريات الفاشلة) نشر في صحيفة أصداء الإلكترونية ومن شاء فليرجع إليه، ولا يسعنا هنا إلا أن نذكر ما قاله الله تعالى في سورة (ص) مخاطبًا ملائكته في
الآية 71 :
(إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّى خَٰلِقٌۢ بَشَرًا مِّن طِينٍۢ)
صدق الله العظيم، فلم يقل جل في علاه إني خالقٌ قردًا من طين تعالى الله عن ذلك،
ناهيك عن سورة المؤمنون من الآية 12 إلى الآية 16، والتي تتحدث عن مراحل أصل الخلق ؛ قال تعالى :
‏‎{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ (14) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ (15) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ (16)}.

وسورة التين التي تتحدث عن حُسن خلق الإنسان في أحسن تقويم ؛ قال تعالى : (لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَٰنَ فِىٓ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍۢ) الآية 4
فتبارك الله أحسن الخالقين وخاب وخسر كل من كان في ضلال مبين.

ثم إن نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم هو النبي الخاتم ولا نبي بعده، كما أن إسلامنا هو الدين الخاتم ولا دين بعده.

قال الحق تبارك وتعالى : (ما كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍۢ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّۦنَ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا) الآية 40 من سورة الآحزاب.

وقال في حق الإسلام ( إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ) الآية 19 من سورة آل عمران
وقال كذلك في نفس السورة من الآية 85 (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

فالمستشرقين يدخلون في دين الله أفواجًا ومن ضل من أهل الإسلام واستمع لنصح إبليس وجنوده يخوض مع الخائضين إلى يوم الدين حتى إذا أتاهُ اليقين قال كما قال فرعون حينما أدركه الغرق وعلم أنها النهاية حيث ذكر الله ذلك في القرآن في سورة يونس على لسان فرعون (ءَامَنتُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱلَّذِىٓ ءَامَنَتْ بِهِۦ بَنُوٓاْ إِسْرَٰٓءِيلَ وَأَنَا۠ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ) الآية 90 صدق الله العظيم.

ولعمري ما الذي يجديه هذا القول بعد الكفر والجحود.
فالحذر الحذر من هؤلاء المغرضين،
ولنتعاون جميعًا على الدفاع عن حوزة الإسلام وأن لا نسكت لهؤلاء ولا أبواقهم وكتاباتهم المضللة وأفكارهم الرعناء، والثابت من ثبته الله، نسأل الله الثبات واليقين.

تبسمت الحسناء قائلة شكرًا لك على هذا العطاء ونفعنا الله وإياك بهدي القرآن والسُنة وما فيهما من نورٍ وشفاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى