
المساجد في عُمان لغةٌ صامتة
الدكتور محمد السيد يوسف لاشين
أستاذ علم النقد الاجتماعي والتفكير الناقد
معمار المساجد في سلطنة عُمان للوهلة الأولى يبدو بسيطًا هادئًا غير متكلّف لكن هذا الهدوء ليس فراغًا بل هو امتلاء روحي وطبقات من المعنى تتراكم كما تتراكم طبقات الزمن على جبال الحجر العمانية إنّ الناقد المتأمل في العمارة الدينية العمانية لا يقرأ حجارةً ولا أقواسًا فحسب بل يقرأ مزاجًا حضاريًا وتكوينًا نفسيًا وهوية جماعية تشكّلت عبر قرون من الاتزان والوسطية والبحث عن الجمال الذي لا يصرخ بل يهمس.
في النقد الأدبي نبحث دائمًا عن لغة النص وعن الصوت الداخلي الذي يميّز العمل وإذا نقلنا هذا المنهج إلى العمارة فإن المساجد العمانية تمتلك لغة خاصة لغة لا تعتمد على المبالغة أو التزويق المفرط بل على الانسجام والوقار والاقتصاد في الزخرفة فالمسجد العماني لا يقدّم نفسه كصرح يريد أن يلفت الأنظار بل كفضاء يريد أن يفتح القلب هو عمارة تتقن فنّ السكينة وتظهر أن الجمال الحقيقي ليس في كثافة التفاصيل بل في دقّة حضورها.
هذا الاتزان ليس صدفة بل هو انعكاس لروح الإنسان العُماني روح تميل إلى الهدوء وتكره الضوضاء وتبحث عن المعنى قبل الشكل وعن الجوهر قبل المظهر.
النقد الأدبي يعلّمنا أن النص العظيم هو الذي يوازن بين الأصالة والتجديد والمساجد في عمان تفعل ذلك بمهارة لافتة فهي تستلهم من التراث العماني عناصره الكبرى فترى الأقواس المستديرة التي تشبه انحناءة البحر على شواطئ مسقط وترى الألوان الترابية التي تحاكي صمت الجبال بينما تجد الزخارف الهندسية التي تذكّرك بفنون البحّارة وصنّاع السفن لكنها في الوقت ذاته لا تتجمّد في الماضي بل تُدخل الحداثة بذكاء فإضاءة مدروسة وخطوط معمارية نظيفة مع مساحات رحبة وكذلك استخدام متوازن للمواد الحديثة دون أن تطغى على الهوية الأصلية.
في النقد النفسي للأدب نقرأ النص بوصفه انعكاسا لداخل الإنسان وإذا طبّقنا هذا المنهج على المساجد العُمانية سنجد أن هذه العمارة تكشف الكثير عن الشخصية العُمانية فترى اتزان يظهر في البنية المتناسقة بلا إفراط ولا تفريط وتواضع يتجلّى في غياب المبالغة والزخرفة الثقيلة.
إن المسجد العماني ليس مجرد بناء بل هو نصٌّ روحيّ يعبر عن مجتمع يعرف كيف يوازن بين الدين والدنيا، بين الأصالة والانفتاح بين الفرد والجماعة.
في النقد الجمالي نبحث عن الخطاب البصري للعمل الفني والمساجد في عمان تمتلك خطابًا بصريًا فريدًا يقوم على ثلاثة مبادئ الجمال الهادئ وهو جمال لا يفرض نفسه بالقوة والانسجام المكاني فالمسجد يبدو جزءًا من البيئة لا دخيلًا عليها وأخيرا الوظيفة الروحية فالعمارة هنا ليست استعراضًا بل وسيلة لتهيئة النفس للسكينة والعبادة.
إنّ معمار المساجد في سلطنة عُمان ليس مجرد فن بل هو حكمةٌ معمارية تعبّر عن مكنون الإنسان العماني اتزانه وعمقه وهدوءه ووعيه بأن الجمال الحقيقي لا يحتاج إلى ضجيج كي يُرى.
إنه معمار يعلّمنا درسًا نقديًا مهمًا أنّ العمارة مثل الأدب يمكن أن تكون مرآة للروح وأن المبنى يمكن أن يكون نصًا وأنّ المسجد يمكن أن يكون قصيدةً تُكتب بالحجر وتُقرأ بالقلب.











