
السابع من أكتوبر.. كشَفَ المستور وأيقظ العالم من السُّبات
سُلطان بن خلفان اليحيائي
في صباح السابع من أكتوبر من عام 2023 استيقظ العالم على مشهدٍ لم يكن في حساباته.
في ذلك الصباح سقطت أشياء كثيرة قبل أن تسقط جدران العدو العازلة؛ سقطت أسطورة الجيش الذي لا يُقهر وسقطت هيبة المنظومة الأمنية التي قيل إنها لا تُخترق وسقطت معها قناعةٌ رُسِّخت طويلًا في الوعي العربي بأن فلسطين يمكن أن تبقى ملفًّا مؤجلًا إلى ما لا نهاية.
لم يكن ذلك اليوم مجرد ساعاتٍ من القتال بل لحظةً انكسر فيها جدارٌ شُيّد لعقود من الخوف والقوة والدعاية والاحتلال حتى ظنّ البعض أنه أصبح قدرًا ثابتًا في المنطقة.
وأذِنَ الله أن ينكسر الجدار.
ومن بين شقوقه خرجت فلسطين من جديد؛ خرجت من غرف المفاوضات المغلقة ومن أدراج البيانات المتكررة ومن حسابات المصالح التي أرادت إبقاء القضية في الظلام. فارتفع صوت الحق من مآذن الأقصى واستيقظت الشعوب وتحركت الجامعات والمحاكم الدولية وبدأ العالم يرى غزّة بعيونٍ مختلفة بعدما عجزت الروايات المضللة عن حجب الحقيقة.
أما غزّة التي أراد لها الحصار أن تكون جزيرةً منسية فقد تحولت إلى مرآةٍ للعالم؛ يرى فيها الإنسان معنى الاحتلال والصمود وكيف يستطيع شعبٌ محاصر أن يتمسّك بأرضه وحقه رغم النار والدمار.
لكن السابع من أكتوبر لم يأتِ من فراغ. فقد سبقه احتلالٌ طال أمده وحصارٌ خنق الحياة واقتلاعٌ لأشجار الزيتون ومصادرةٌ للأرض وتهويدٌ للقدس وانتهاكاتٌ متواصلة. ولذلك فإن اختزال الحكاية في ساعات ذلك اليوم وحدها ليس إلا قراءةً لنصف المشهد.
وفي قلب ذلك المشهد برز صمود المقاومة الإسلامية في فلسطين وفي مقدّمتها حركة حماس وكتائب القسام؛ فقد خاضت مواجهةً كسرت هيبة العدو وفضحت هشاشة منظومته الأمنية والعسكرية وأسقطت في ساعاتٍ معدودة صورةً ظل الاحتلال يروّج لها عقودًا عن جيشٍ لا يُقهر ومنظومةٍ أمنيةٍ يستحيل اختراقها.
وكان الشهيد القائد يحيى السنوار “أبو إبراهيم” في قلب هذا المشهد قائدًا في الميدان وقد أوفى بما وعد به؛ حتى لقي الشهادة مقبلًا غير مدبر ثابتًا في مواجهة عدوه. وقد بقي مشهد المسيّرة التي صوّرته في لحظاته الأخيرة شاهدًا على ذلك؛ فحتى وهو مصاب لم يستسلم وظل يواجهها وألقى نحوها عصاه.
ثم جاءت الحرب على غزّة لتكشف للإنسانية وجهها الأكثر قسوة. حاولت آلة الحرب الصهيو-أمريكية أن تجعل من غزّة رقمًا لكنها رفضت أن تكون كذلك؛ فكل شهيدٍ فيها إنسان وكل بيتٍ هُدم كان حياةً كاملة وكل طفلٍ فقد أسرته شاهدٌ حيّ على مأساةٍ لا تستطيع الروايات المصنّعة أن تمحوها.
وانتقلت فلسطين من الميدان إلى ساحات القانون والسياسة والإعلام. خرجت الشعوب في عواصم غربية وامتلأت الجامعات والميادين بأصوات الطلاب والنقابات والمنظمات الحقوقية ولم تعد الرواية الواحدة قادرةً على احتكار المشهد كما كانت.
لكن المفارقة الأكثر مرارة كانت في محيط فلسطين الأقرب.
فقد كانت أمام الدول العربية والإسلامية فرصةٌ تاريخية لاستخدام ثقلها السياسي والاقتصادي والجغرافي لوقف العدوان وفتح المنافذ وكسر الحصار وحماية المدنيين والدفع نحو استعادة الحقوق الفلسطينية. لكنها لم تُستثمر كما كان يتمناها كل من بقلبه ذرّة إيمان بالله ويمتلك الحد الأدنى من الضمير الحي.
بل ظهرت في بعض المراحل صورةٌ أشد إيلامًا؛ فبدل أن تتحول الجغرافيا العربية إلى ممراتٍ لإنقاذ المحاصرين مرّت عبرها إمداداتٌ وسلعٌ إلى الكيان المعتدي بينما تقدمت أحيانًا حسابات المصالح على صرخة طفلٍ تحت الركام.
وشهادةٌ ستُدوَّن على جدار الزمن والتاريخ أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تقدّمت الصفوف من عربٍ وعجم في إسناد غزّة ودعم محور المقاومة وكانت رأس حربةٍ في هذا الإسناد؛ وفي مقدّمة هذا المحور حزب الله اللبناني الذي دفع ضريبةً باهظةً لوقفته المشرّفة باستشهاد أمينه العام السيد حسن نصرالله فيما فتح اليمن جبهة إسنادٍ أخرى أوجعت العدو وأربكت حساباته وأثبتت أن إيلام أنف العدو ممكنٌ حين تتعدّد جبهات المقاومة والإسناد.
وبرغم كل ما نزل بها من وجعٍ ودمار.. بقيت غزّة واقفةً لا تنحني.
قد يُهدم البيت ولا تُهدم القضية وقد يُستشهد الإنسان ولا تُدفن الفكرة التي عاش من أجلها. حاولوا أن يدفنوا فلسطين تحت الركام فإذا بها تبقى أكثر حضورًا في ضمير العالم.
إن السابع من أكتوبر لم يكسر هيبة العدو عسكريًا فحسب بل كسر حاجزًا في الوعي العالمي وأعاد القدس وفلسطين إلى الواجهة وأثبت أن الاحتلال مهما طال ليس قدرًا أبديًا وأن القوة مهما بلغت لا تستطيع أن تمنح الباطل شرعيةً دائمة.
ولهذا فإن ذكرى السابع من أكتوبر ليست لاستعادة مشاهد المعركة وحدها وإنما لاستعادة ما كشفته تلك اللحظة من حقائق؛ أن القوة لا تصنع الحق وأن السلام الذي يتجاهل أصل الصراع ليس سلامًا بل تأجيلٌ لجولةٍ أخرى من الألم.
وسيكتب التاريخ أن غزّة دفعت ثمنًا عظيمًا لكنها لم تتخلَّ عن قضيتها وأن فلسطين التي حاول البعض دفنها تحت ركام السياسة والصفقات بقيت حاضرةً في قلب العالم. وسيكتب أيضًا أن غزّة كانت امتحانًا للضمير الإنساني كله؛ امتحانًا سقط فيه كثيرون ونجح فيه آخرون.
وفي النهاية ستبقى فلسطين هي القضية التي لا تموت وغزّة هي الشاهد الذي لا يصمت والأقصى هو الوجهة التي لم ولن تتغير في عقول المرابطين الأحرار.
فإذا كان السابع من أكتوبر قد كسر هيبة العدو وأيقظ العالم من سُباته فإن السؤال الأثقل سيظل معلّقًا في ضمير الأمة:
أما آن الأوان أن يستيقظ الضمير العربي والإسلامي من سُباته؟
والله لا ينسى من وقف مع الحق حين اشتدّ البلاء ولا ينسى من خذل الحق وهو يرى المأساة ماثلةً أمام عينيه.
﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾-
﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾..











