
دوري جندال.. كيف نحول الرعاية إلى إرث مستدام لكرة القدم العُمانية؟
ناصر البلوشي
لم تعد الشراكات التجارية في عالم كرة القدم مجرد اتفاقيات تحمل بموجبها المسابقات أسماء الشركات الراعية، أو تظهر شعارات المؤسسات على اللوحات الإعلانية في الملاعب. لقد أصبحت هذه الشراكات جزءاً من صناعة الرياضة الحديثة، وأداة يمكن توظيفها لتطوير المسابقات، وصناعة المواهب، وتعزيز الحضور الجماهيري، وبناء منظومة اقتصادية أكثر استدامة.
ومن هذا المنطلق، فإن الشراكة بين الاتحاد العُماني لكرة القدم وشركة جندال للحديد، التي يحمل دوري النخبة بموجبها اسم «دوري جندال»، تفتح الباب أمام سؤال يتجاوز الرعاية التقليدية: ما الذي ينبغي أن تحققه هذه الشراكة لكرة القدم العُمانية حتى تصبح تجربة ناجحة تتجاوز مدة الاتفاقية؟
السؤال هنا ليس تقليلاً من أهمية الشراكة، بل اعتراف بفرصتها الحقيقية، وبأن الاستثمار في كرة القدم ينبغي أن يُقاس بما يتركه من أثر في الملعب وخارجه.
من رعاية المسابقة إلى صناعة مستقبلها
أعلن الاتحاد العُماني لكرة القدم وشركة جندال للحديد شراكتهما في سبتمبر 2025 لمدة موسمين، وشملت رعاية الدوري ومراكز تكوين اللاعبين وإطلاق مسابقة للفئات السنية تحت مسمى «براعم جندال». ثم وقّع الطرفان اتفاقية شراكة استراتيجية في يناير 2026 لتعزيز التعاون وتطوير كرة القدم المحلية.
هذه الخطوات تمثل أساساً يمكن البناء عليه، لكن المرحلة المقبلة تحتاج إلى الانتقال من إعلان المبادرات إلى قياس نتائجها.
فنجاح الشراكة لا ينبغي أن يقتصر على استمرارية البطولة أو انتشار اسم الراعي، وإنما يمتد إلى تحسين جودة المنافسة، وتطوير اللاعبين، ورفع كفاءة الأندية، وتعزيز القيمة التسويقية للدوري.
والأهم أن تكون هناك أهداف واضحة ومؤشرات أداء متفق عليها، تتيح للجمهور والمتابعين معرفة ما تحقق فعلياً، وما يحتاج إلى مزيد من العمل.
أولاً: الجمهور.. من متفرج إلى شريك في نجاح الدوري
إذا أردنا قياس جاذبية أي مسابقة كروية، فإن المدرجات تقدم أحد أبرز المؤشرات على علاقتها بالجمهور.
وقد أطلق الاتحاد العُماني لكرة القدم، بدعم من جندال، في أغسطس 2026 مبادرة «مدرجنا يجمعنا» لتعزيز الحضور الجماهيري، مع تخصيص 132.5 ألف ريال عُماني للحوافز والجوائز، منها 100 ألف ريال للأندية وفق منظومة تستهدف استقطاب المشجعين وتعزيز التفاعل
إنها خطوة تستحق الاهتمام، لكن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل الحوافز إلى عادة جماهيرية مستدامة.
فهل يمكن أن نرى أندية تبني قواعد بيانات لجماهيرها، وتطلق عضويات موسمية، وتقدم باقات للعائلات والشباب، وتوفر برامج ولاء ومكافآت مرتبطة بالحضور والتفاعل؟
وهل يمكن أن تتحول المباراة إلى تجربة متكاملة، تبدأ قبل صافرة الحكم، من خلال الأنشطة الترفيهية والمحتوى الرقمي، وتستمر بعد نهايتها عبر التواصل مع المشجعين؟
إن المطلوب ليس مجرد زيادة عدد الحاضرين في مباراة أو جولتين، بل بناء علاقة مستمرة بين النادي وجمهوره، بحيث يصبح الحضور جزءاً من ثقافة الانتماء، وليس استجابة مؤقتة لحملة ترويجية.
ثانياً: الاستثمار في اللاعب العُماني.. العائد الذي يبقى
قد تنتهي مباراة، ويتغير ترتيب الدوري، وتتبدل الأجهزة الفنية، لكن اللاعب الذي يتلقى تدريباً جيداً ويحصل على فرصته المناسبة يمكن أن يظل مكسباً للنادي والمنتخب الوطني لسنوات طويلة.
لهذا، فإن مراكز التكوين ومسابقات الفئات السنية ينبغي أن تكون في قلب الشراكة، لا مجرد جانب إضافي فيها.
ونحتاج هنا إلى التفكير بطريقة مختلفة: ماذا لو ارتبط دعم مراكز التكوين ببرنامج تطوير واضح، يتضمن معايير لجودة التدريب، وتأهيل المدربين، واستخدام التحليل الفني، ومتابعة تطور اللاعبين بدنياً ومهارياً؟
وماذا لو جرى إعداد تقرير سنوي يوضح عدد المواهب التي انتقلت إلى فرق الشباب والفريق الأول، وعدد اللاعبين الذين حصلوا على فرص مشاركة فعلية، ومستوى تطورهم خلال الموسم؟
مثل هذه المؤشرات تجعل الاستثمار في الفئات السنية مشروعاً قابلاً للتقييم والتطوير، وتمنح الشراكة قيمة تتجاوز الدعم المالي المباشر.
فالهدف ليس اكتشاف موهبة واعدة فحسب، بل توفير البيئة التي تسمح لها بالوصول إلى أعلى مستوى ممكن.
كلمة أخيرة
إن الشراكة بين الاتحاد العُماني لكرة القدم وشركة جندال للحديد تمثل فرصة مهمة لتعزيز دور القطاع الخاص في تطوير الرياضة العُمانية،










