ثقافة وأدب

الفنان السينمائي هيثم المسلمي: السينما فنّ تفكيك الصورة وفهم الفكرة للوصول إلى المعنى

أصـــداء /العُمانية

يرى السينمائي العُماني هيثم بن سُليمان المسلمي أن شرارة ولادة العمل السينمائي يمكن أن تبدأ من عدّة مصادر للإلهام، منها الصورة والنص والإحساس، هكذا يستلهم المُخرج السينمائيّ العُمانيّ فكرة أفلامه السينمائيّة.

ولأن السينما ذاتها بدأت صامته ثم ناطقة، والآن تستحوذ على العالم بلُغتها البصريّة التي تُعيد صياغة علاقة الإنسان بالمكان، يشير المسلمي في حوار مع وكالة الأنباء العُمانية إلى منطلقات فكرتها كونها تتحد ببعض الموارد التي تتشكّل من خلالها الانطلاقة الفعلية لها وهنا يبيّن بقوله إلى أن صانع الفيلم عندما يُشاهد أعمالًا بصريّة مهما كان نوع هذه الأعمال -فوتوغرافيّة ساكنة أم فيديوغرافيّة مُتحركة- ستتوّلد لديه القدرة على استلهام فكرةٍ ما من خلال تلك الأعمال، ولهذا يؤكد: لنقس على ذلك كثير من الأفلام السينمائيّة حول العالم استلهم صُناعها أفكارهم من مُشاهدة السّاكن والمُتحرك من المُحتوى البصريّ، فالسينما في حقيقتها ليست مُجرد شاشة تُعرض عليها القصص، بل مرآة تعكس الواقع الإنسانيّ ليبقى أثرها الطويل في ذاكرة المُشاهد. بطلها الحقيقيّ خلف العمل النهائيّ، موازيًا لكُل كلمة ولقطة، ليُخرج الفيلم تحت ضوء الشمس تاركًا شعاعًا مُختلفًا لناظره.

وفي شأن تأثير الكلمة وانعكاس الواقع العام على أعمال السينمائيّ، يقول المسلمي: “لو أردنا الحديث عن النص هنالك دائمًا قوّة الكلمة، تلك القوّة قد تُلهم صانع الفيلم لتشكيل عمله السينمائيّ سواء كانت في قالب مقال صحافيّ أو قصة قصيرة أو حديثٍ عابر مع صديقه القديم، وكذلك إحساس ما قد يمر عليه فيؤثر عليه ويُلهمه”، ويُضيف: “إذن يمكن أن يبدأ تشكّل فكرة العمل السينمائيّ بطرائق مُختلفة فتبدأ في طريقها نحو أن تكون مكوّنًا من كلمات أولًا ثم من صورة وصوت ولاحقًا الفُرجة الحسيّة”.

ولأنّ للصّمت لُغة خاصة في عالم السينما ويمكن أنّ يُوّظف كلغة تعبيريّة، ليأتي السؤال ما إذا كان يملُك قُدرة على نقل المعنى الإنسانيّ والوجدانيّ أحيانًا أكثر من الحوار المُباشر، هنا يقف المسلمي حيث الذكرى ومُشاهدة فيلم (روما) للمُخرج ألفونسو كوايرن الذي أُنتج عام 2018، فيقول: “هذا الفيلم يُعد حالة نموذجيّة مُهمة لقدرة صانع الفيلم على استنطاق الصّمت بأقل قدرٍ من الحوارات للتعبير وإيصال المعنى، فبصفة عامّة يتوّلد المعنى من خلال الصورة في السينما بطُرق مُختلفة ونجد قوّة المعنى تحضر كثيرًا في السينما المُستقلّة والتي تُقدم عادة أكثر الصور بأقل قدر من الكلمات”.

ويُضيف: “قد يبدو مشهدٌ صامت قصير في فيلم مكسيكي مؤثرًا قويًا ذو معنى يصل ويلامس الناس في وقتٍ تعوّدنا فيه نحن العرب على مُشاهدة كميّة لا حصر لها من الثرثرة في مشاهد المسلسلات المكسيكيّة الرومنسيّة مثلًا، هنالك حالات وجدانيّة تعتري التواصل البشريّ حيث يكون فيها الصمت كافيًا جدًا لإيصال الرسالة أو توليد المعنى وكلما أفسحنا المجال للصّمت ليكون حاضرًا أصبحت السينما –باعتقادي- أكثر قابليّة للفُرجة والشعور بها عفويًّا”.

وفيما يتعلق بالعلاقة التي تربط المُخرج السينمائيّ بعمله الفنيّ، وما إذا كانت امتدادًا لذات المُخرج أم مرآةً لما يُخفيه بداخله، هنا يذكر المسلمي: “لا أعتقد أن الفيلم السينمائيّ هو امتداد لأي شيء آخر سوى القصّة والمعنى، كما أنّه ليس مُطالبًا بذلك في الحقيقة، نعم قد يرتبط صانع الفيلم بفيلمه برباط مُقدّس نتيجة الكثير من العناصر في التشكيل والتعبير وطريقة الاشتغال لكني لا أرى الفيلم بمثابة جسر امتداد لمخرجه”، أمّا فيما يتعلّق بالسيرة الذاتيّة للمُخرج، يبيّن: “هي بلا شك تساعد في تشكيل الرؤية الفنيّة كونها أحد الأوعية التي تصب فيها عصارة تراكم التجارب والخبرات، ولكن على المُخرج أن يفصل بين الخاص المُتعلّق به وبين ما سيقوله الفيلم للمُشاهد، بل وأن يتجرّد من وجود الأنا في سرد الفيلم بصريًّا وتناوله معنويًّا”.

وحول استطاعة السينما اليوم على تمثيل الهويّة دون تنميط، وأن تُعبّر بطريقة ما عن الهويّة الثقافيّة والوطنيّة بعُمق إنسانيّ دون الحاجة إلى الوقوع في فخ الصور النمطيّة أو التوظيف الفلكلوري السطحيّ، هُنا يقول المسلمي: كُنت أتساءل، هل ينبغي أن يُخاطب الفنّ عبر أدواته مُجتمعات مُعيّنة أم هو طريقة للتواصل بين مُختلف أطياف البشر بغض النظر عن مكانهم وزمانهم وما تعوّدوا أن يمارسوه، ثم أدركتُ لاحقًا سواء عبر الاشتغال في الأفلام أو من خلال القراءة أنّ الهويّة عنصر مُهم من مكونات الفيلم السينمائيّ ولنعتبره مثل خلايا الدم البيضاء مثلًا، فهي تُحارب وتقع في موقف الضّد – ضد اغتيال الفيلم وتشويهه موضوعيًّا وإنتاجيًّا حتى”.

وعند التطّرق إلى عُمق الهويّة، يُشير: “عندما نتحدث عن الهويّة لا أعتقد أننا بالضرورة نتحدث عن ثياب وعادات وسُلوكيات ولهجات الشخصيّات الموجودة بقصّة الفيلم، الأمر يتعدّى إلى المسارات الثقافيّة والحضاريّة التي سلكها مُجتمع ما لُيعرف بما هو عليه تراكمًا”.

ويُضيف: “إن هناك مغالطات غير صحية في شأن الهوية الثقافية هذا السياق من بينها كثرة استخدام مكونات محدّدة من الهويّة والزج بها بكثرة في الأفلام العربيّة مثلًا وكأن الفيلم تحوّل إلى مُتحف يُقدم تفاصيلًا لا داعي للمُشاهد أن يعرفها أو يشاهدها في هذا الوقت من العصر، وما يُثير الأمر غرابة أن تتكرّر هذه المكونات ويتم التأكيد عليها صوتًا وصورة وبطريقة مُباشرة خلال أحداث الفيلم، كما بيّن في حديثه عن استخدام الترميز يمكّن مُخرج الفيلم على الهرب من فخ التموضع في ترسيخ وتأكيد الهويّة بالطرق البصريّة التقليديّة، ربما على الفنّان أن يكون مراوغًا حذقًا غامضًا في الطرح واعيًا بالسطحيّ والعميق”.

ولأن السينما هي أحد أهمّ الفنون في وقتنا الحاضر، فلا بُد أن يكون لها دورًا في طرح القضايا الاجتماعيّة والإنسانيّة، ومساحة تُعنى للتأمّل والحوار، وفي هذا السياق يتحدث المسلمي: “في وطننا العربيّ لدينا الكثير من القضايا التي ينبغي أن يتم طرحها عبر عدة قوالب فنيّة لا سيما مع وجود الرقابة والقلق من ردة فعل المُجتمع والمؤسسات المنظمة للأعمال الفنية، وتظل أحد أنبل وأهمّ رسائل الفنّان هي طرح السؤال عمّا غض الطرف عنه أو المُؤرق لمُجتمعه (القضيّة مثلًا)”، ويوّضح: “حينما نشتري فسحة من زماننا الشخصيّ للوقوف على قضيّة ما نرغب في طرحها عبر السينما، هذا هو لُبّ الرّغبة في إحداث تغيير ما للأفضل، والتغيير لا يأتي بالصّمت أو عدم طرح الأسئلة”، وأوضح أنّ السينما ليست فنًّا للخطاب المُباشر، وإنّما على النقيض تمامًا فهيّ فنّ تفكيك الصورة وفهم الفكرة للوصول إلى المعنى.

ويفصح المسلمي أنّ السينما ذاتها تحمل الكثير من التساؤلات، فيقول: “في حقيقة الأمر، هُناك الكثير من التساؤلات والإرهاصات المُتعلّقة بأدوات الاشتغال وموضوعات الاشتغال والجوانب الفلسفيّة والتاريخيّة والتشكيليّة وغيرها، لذا نجد السينما وفي بذور تأسيسها الأولى فنًّا يدور حول التساؤلات ومنطقة عُبور للمعنى، كما عزّز حديثه قائلًا: لقد نقل السينمائيون تساؤلات المُجتمع المُلحّة إلى الشاشات الكبيرة رغبة منهم في أن يتحرّك الجامد السّاكن، فرحلة اليقين تبدأ بالشّك والسؤال مسمار من مسامير بناء جدران الحضارات، فما أجمل أن يكون الفنّ السينمائيّ أحد تلك المسامير.

وعند الحديث حول ملامح السينما العُمانيّة المُعاصرة، يُشير هيثم أنّ السينما العُمانيّة حديثة التاريخ فيما يتعلّق بالاشتغال والإنتاج السينمائي ولديها سمات معيّنة فرضتها طبيعة وجغرافيّة وخصوصيّة المُجتمع العُمانيّ، ويضيف: لدينا من المخزون الثقافيّ والاجتماعيّ الشيء الكثير.

ويشبّه المسلمي الفنّان السينمائيّ ككائن مطاطيّ مصنوعٌ من الهُلام، فهو يمتص ويتضّمن ويتشكّل حسب رؤيته الفنيّة، ولطالما كانت السينما بالنسبة لهيثم بمثابة المُتنفّس الذي يرغب في حكيه عبر الصّورة، فتسبقه الكلمات إلى الانطلاق، وتُراوده أحلامٌ كثيرة ما زال يتمنّى أن يحوّل ولو جزءًا منها إلى أفلامٍ يُشاركها البشريّة. وبيّن أنّ الصّوت هو رحلة صعبة ومُرهقة تمامًا مثل تحليل وتفكيك الصّور التي نُشاهدها من واقع الحياة والأثر الذي تتركه فينا، وأنّ الوعي بالسينما لا يُمكن أن يتشكّل بعيدًا عمّا نحس ونرى ونسمع.

وفي الجانب المحلّي، يقول المسلمي: “أعي تمامًا بأن لدينا مشوارًا طويلًا للوصول بالسينما العُمانية إلى مُستوى يليق بالمخزون الحضاريّ والثقافيّ والإنسانيّ الذي تملكه سلطنة عُمان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى