العالمسياسة

أوزبكستان – باكستان: من القواسم التاريخية المشتركة إلى الشراكة الاستراتيجية

أصـــداء/ وكالة الأنباء الأوزبكية

 

 

تقع أوزبكستان وباكستان عند ملتقى طرق آسيا الوسطى والجنوبية، وقد شهدت العلاقات بينهما تطوراً نوعياً ملحوظاً في السنوات الأخيرة. وتستند جذور هذا التعاون إلى روابط تاريخية وثقافية عميقة مشتركة.

على وجه الخصوص، ساهم إرث ظهير الدين محمد بابر، والحضارة الإسلامية، والقيم المشتركة في العلوم والثقافة، في تقريب الشعوب لقرون. وبعد إعلان أوزبكستان استقلالها عام ١٩٩١، دخلت باكستان التاريخ أيضاً كإحدى أوائل الدول التي اعترفت باستقلالها.

في السنوات الأخيرة، وفي إطار السياسة الخارجية المنفتحة والعملية التي انتهجها رئيس أوزبكستان، والتي تهدف إلى التعاون الوثيق مع المناطق المجاورة، شهدت العلاقات الأوزبكية الباكستانية تطوراً سريعاً. فقد أصبح الحوار السياسي أكثر نشاطاً، وتعززت العلاقات بين البرلمانات والوكالات، وساد جو من الثقة والدعم المتبادل.

تجدر الإشارة إلى أن الزيارة الرسمية التي قام بها الرئيس شوكت ميرزيوييف إلى إسلام آباد يومي 5 و6 فبراير من هذا العام، جرت في جو من الاحترام والتقدير. وكما لاحظ المحللون والخبراء الدوليون، فإن مرافقة طائرة رئيس أوزبكستان بطائرات مقاتلة عسكرية في المجال الجوي الباكستاني، واستقبال الرئيس آصف علي زرداري ورئيس الوزراء شهباز شريف لها في مطار نورخان، يُظهر بوضوح الأهمية السياسية الكبيرة التي حظيت بها هذه الزيارة.

وشملت الزيارة مفاوضات رفيعة المستوى، والاجتماع الأول لمجلس التعاون الاستراتيجي، وعددًا من الاجتماعات والفعاليات التجارية، مما يشير إلى أن العلاقات الأوزبكية الباكستانية تتخذ الآن طابعًا مؤسسيًا ومنهجيًا، بدلاً من الطابع العرضي.

ومن أبرز نتائج الزيارة الرسمية الارتقاء بالتعاون التجاري والاقتصادي والاستثماري إلى مستوى جديد. فبحسب نتائج العام الماضي، بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 500 مليون دولار أمريكي. ويعمل حالياً في أوزبكستان نحو 230 شركة برأس مال باكستاني.

الأهم من ذلك، أن الهدف هو زيادة حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى ملياري دولار في المستقبل القريب. وهذا ليس مجرد رقم، بل يعني أيضاً تكامل اقتصادات البلدين، وانفتاح الأسواق، وتشكيل سلاسل قيمة ثنائية جديدة.

استعداداً للزيارة، تمّ إعداد مجموعة من المشاريع المشتركة بقيمة 3.5 مليار دولار أمريكي في مجالاتٍ تشمل الزراعة، والصناعات الدوائية، والمنسوجات، والهندسة الكهربائية، والجيولوجيا، والصناعات الغذائية. وتكتسب هذه المشاريع أهميةً بالغةً لكونها ستساهم في تنمية اقتصادات البلدين، فضلاً عن تنمية منطقة وسط وجنوب آسيا بأكملها.

بالإضافة إلى ذلك، تعتبر باكستان شريكاً جيواقتصادياً مهماً للغاية لأوزبكستان، حيث أن الوصول إلى الأسواق العالمية عبر الموانئ الباكستانية له أهمية استراتيجية بالنسبة لدول آسيا الوسطى.

في هذا السياق، أُولي اهتمام خاص لتسريع مشروع خط سكة حديد عبر أفغانستان وتطوير ممر النقل بين باكستان والصين وقيرغيزستان وأوزبكستان. وسيساهم تسيير رحلات جوية مباشرة إلى لاهور وإسلام آباد، وافتتاح رحلات شحن جوي إلى كراتشي، في خفض تكاليف التجارة وخلق فرص جديدة للأعمال.

كما تم تحديد قضايا تطوير التعاون الإقليمي كأولوية خلال الزيارة. وتم التخطيط لتنظيم منتدى إقليمي بين أوزبكستان وباكستان، على أن يُعقد اجتماعه الأول في منطقة خوارزم. وستساهم هذه المبادرة في إثراء التعاون الاقتصادي بمضمون عملي على أرض الواقع.

كما تم التوصل إلى اتفاقيات هامة في المجالين الثقافي والإنساني. وستساهم خطط إقامة أسابيع ثقافية وأيام سينمائية أوزبكية في باكستان، وإنشاء مركز ثقافي مشترك مخصص لتراث عائلة بابور في لاهور، في تعزيز أواصر الصداقة بين الشعبين.

لقد دخلت قرارات تسمية أحد شوارع إسلام آباد باسم طشقند وإنشاء حديقة تحمل اسم ظهير الدين محمد بابر التاريخ كتعبيرات رمزية عن هذه العلاقات.

في حفل مهيب أقيم في مقر إقامة “أيواني صدر”، قلّد الرئيس آصف علي زرداري رئيس أوزبكستان أرفع وسام دولة في باكستان، وهو وسام “نيشوني باكستان”. ويُعتبر هذا الوسام الرفيع تقديراً للجهود الكبيرة المبذولة لتطوير الشراكة الاستراتيجية بين أوزبكستان وباكستان، والارتقاء بالتعاون متعدد الأوجه إلى مستوى جديد.

كما منحت الجامعة الوطنية للعلوم والتكنولوجيا في إسلام آباد الرئيس شوكت ميرزيوييف لقبَي الدكتوراه الفخرية والأستاذية. وهذا دليل على التقدير الدولي للإسهام الكبير الذي قدمه في الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية، وتطوير التعليم والعلوم والابتكار، وتعزيز التعاون الأكاديمي الدولي.

بشكل عام، ساهمت زيارة الرئيس شوكت ميرزيوييف الرسمية إلى باكستان في الارتقاء بالعلاقات الأوزبكية الباكستانية إلى مستوى استراتيجي جديد من حيث المضمون. فقد أسفرت الزيارة عن توقيع نحو 30 وثيقة، ومشاريع استثمارية ضخمة، ومبادرات في مجال النقل والخدمات اللوجستية، وبرامج ثقافية وإنسانية، بما يخدم المصالح طويلة الأمد للبلدين.

والأهم من ذلك، أن هذا التعاون لا يقتصر على دولتين فقط، بل يهدف إلى تعزيز الترابط بين آسيا الوسطى والجنوبية، والسلام، والاستقرار، والتنمية المشتركة. باختصار، تبرز الشراكة الاستراتيجية بين أوزبكستان وباكستان كنموذج للتعاون المستقبلي ذي الآفاق الإقليمية الواسعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى