عُـمانعُمان اليوم

مختبرات الابتكار في سلطنة عُمان.. نحو فرص شبابية ريادية

أصـــداء /العُمانية

يبرز قطاع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في سلطنة عُمان باعتباره حجر الزاوية في بناء اقتصاد وطني مرن، يتجاوز الاعتماد على الموارد التقليدية إلى آفاق الابتكار والنمو المتسارع.

ولم تعد ريادة الأعمال مجرد خيار مهني فردي، بل تحولت إلى مشروعات وطنية تراهن على عقول الشباب في سلطنة عُمان، وتسعى إلى تحويل الأفكار البحثية ومخرجات المختبرات العلمية إلى كيانات تجارية عابرة للحدود، كما أن الانتقال من مؤسسة صغرى إلى شركة ذات نمو متسارع لا يُعد مجرد قفزة في الأرقام، بل رحلة متكاملة تتطلب بيئة تشريعية مرنة، ومنظومة تمويلية جريئة، وتكاملًا وثيقًا بين قاعات الجامعات وميادين السوق.

وفي هذا السياق، قالت نجاح بنت محمد الراشدي، من هيئة البحث العلمي والابتكار، لوكالة الأنباء العُمانية: تُعد سلطنة عُمان دولة حديثة نسبيًا في مجال الابتكار، إلا أنها خطت خطوات ثابتة وجريئة وسريعة نحو النمو في هذا الاتجاه، وقبل التوسع في مجال الابتكار، كان لا بد من تأسيس بنية أساسية متينة للبحث العلمي، باعتباره الأساس الذي تقوم عليه معظم الابتكارات، ولا سيما المرتبطة بالقطاع الصناعي، والتي تسهم بدرجة كبيرة في التنويع الاقتصادي والتحول نحو اقتصاد قائم على المعرفة، وحرصت سلطنة عُمان على بناء هذا الأساس من خلال ترسيخ البحث العلمي وتشجيع المؤسسات الأكاديمية على إجراء البحوث، وبناء القدرات البحثية وتأهيلها، إلى أن بدأت تظهر على الخارطة العالمية للبحث العلمي.

وتلا ذلك بناء المنظومة الوطنية للابتكار، عبر إعداد الاستراتيجية الوطنية للابتكار، وإنشاء أول منطقة علمية متمثلة في مجمع الابتكار مسقط، المقام على مساحة تبلغ 540 ألف متر مربع، ليصبح مركزًا محوريًا لإنتاج البحث والتطوير والابتكار.

وبيّنت أن المجمع يضم أهم القطاعات التي تسعى سلطنة عُمان إلى تطويرها، وتشمل: الطاقة، والصحة، والغذاء، والتقنية الحيوية، والمياه، والبيئة، إلى جانب التقنيات المتقدمة التي تتقاطع مع جميع هذه القطاعات.

وأوضحت أن مجمع الابتكار مسقط يفتح أبوابه للاستثمارات من داخل سلطنة عُمان وخارجها، بمزايا خاصة؛ تشجيعًا للاستثمار.

ويضمّ المجمع حاليًا مراكز متخصصة في النمذجة (صُنّاع عُمان)، ومركز الامتياز للتقنيات المتقدمة وإنترنت الأشياء، والمزوّد بأحدث الأجهزة والمواصفات، إلى جانب حاضنة علمية أُنشئت خصيصًا لتنفيذ برامج الاحتضان ومسرّعات الأعمال، بما يسهم في دعم الفرق المبتكرة وتحويل التحديات الواقعية إلى فرص استثمارية واعدة.

وأشارت إلى أن هيئة البحث العلمي والابتكار تعمل على إنشاء منصة وطنية تحمل اسم «منصة عُمان تبتكر»، لتكون النسخة الافتراضية للمنظومة الوطنية للابتكار، حيث ستربط المبتكرين في مختلف محافظات سلطنة عُمان بجميع الخدمات التي تمكّنهم من تحويل أفكارهم الابتكارية إلى منتجات تنافس في الأسواق العالمية، فضلًا عن المؤسسات الحكومية والخاصة الموجودة بالمجمع حاليًا والتي تعمل على الابتكار. مؤكدة أن المنصة ستوفر فرص التدريب والتوجيه، وتسجيل الملكيات الفكرية، وربط المبتكرين بالفرص الاستثمارية، مشيرة إلى أنه تم تدشين الهوية البصرية للمنصة، ويجري حاليًا العمل على استكمال الموقع الإلكتروني تمهيدًا لإطلاقها بشكل متكامل.

وأشادت الراشدي بجهود مختلف القطاعات والمؤسسات الأكاديمية والخاصة، ودورها الفاعل في دعم منظومة الابتكار الوطنية، موضحة أن من أبرز هذه البرامج، برنامج البحوث الاستراتيجية، الذي يستهدف المؤسسات الحكومية، وقد حقق نموًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، نتيجة تعزيز ثقافة البحث العلمي والابتكار في هذه المؤسسات، حيث ارتفع عدد البحوث المقدمة لمعالجة تحديات واقعية، يتم الاتفاق على معالجتها بالتعاون مع الباحثين في المؤسسات الأكاديمية، وبتمويل تشاركي بين الهيئة والمؤسسة الحكومية الفائزة بالدعم.

وأضافت أن البرنامج الآخر الموجه للقطاع الصناعي والخاص هو برنامج “إيجاد”، الذي شهد إقبالًا واسعًا من المؤسسات الصناعية، وتعمل منصة «إيجاد» على استقبال التحديات الفعلية التي يطرحها القطاع الصناعي، ليقوم المكتب الفني للمنصة بفرزها وعرضها على المؤسسات الأكاديمية، التي بدورها تقدم مقترحات بحثية لحل هذه التحديات. مشيرة إلى أن البرنامج حقق نجاحًا ملحوظًا في توجيه البحوث الأكاديمية نحو تلبية احتياجات الصناعة، ويقوم على مبدأ العضوية، حيث انضمت إليه مؤخرًا مجموعة من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، سواء لتقديم الحلول أو طرح التحديات.

وبيّنت أن هيئة البحث العلمي والابتكار تحرص على تكامل الجهود بين مختلف المؤسسات، ولا سيما المؤسسات الأكاديمية، باعتبارها المنبع الرئيس للابتكارات، التي يأتي معظمها من الطلبة، كما تم خلال السنوات الماضية تأسيس مكاتب لنقل وتوطين التقنيات في خمس كليات وجامعات، ودعم ست حاضنات علمية في ست جامعات بمختلف المحافظات.

وأضافت: أنه في عام 2025 تم تنفيذ النسخة الأولى من برنامج دعم تأسيس وتمكين مراكز الابتكار في المؤسسات الأكاديمية، حيث فازت جامعتان في مسار التأسيس، وثلاث جامعات في مسار التمكين، وهو برنامج مستمر يهدف إلى تهيئة الجامعات والكليات بالإمكانات اللازمة لدعم الطلبة المبتكرين، من خلال حاضنات، ومختبرات نمذجة، ومكاتب لنقل وتوطين التقنيات، بإدارة كوادر مؤهلة، وبمتابعة مباشرة من الوزارة.

وأوضحت أن الهيئة تنفذ بالشراكة مع عدد من الجهات المعنية، من بينها جهاز الاستثمار العُماني، وهيئة تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة «ريادة»، ومؤسسات القطاعين الحكومي والخاص، عددًا من البرامج والمبادرات، مثل الهاكثونات والمسابقات، لاختيار أفضل الابتكارات لاحتضانها وتسريعها وربطها بالمستثمرين والصناديق الاستثمارية. وقد حظيت العديد من هذه المشاريع بفرص استثمارية عالية القيمة، وتسعى الهيئة إلى تنفيذ هذه المبادرات بشكل سنوي من بينها برامج: «أبجريد»، و«منافع»، و”مسرعة إطلاق”.

وأشارت نجاح الراشدي إلى أن مهرجان عُمان للابتكار في نسخته الأولى، قبل عامين، حقق نجاحات فاقت التوقعات من حيث الحضور والمشاركات والاستثمارات وبرامج التدريب، وأسهم في رفع مستوى الوعي والمعرفة بالابتكار لدى مختلف فئات المجتمع، كما أتاح لعدد من الفرق الابتكارية والشركات الطلابية والشركات الناشئة عرض مشاريعهم على مستثمرين من داخل سلطنة عُمان وخارجها خلال فترة المهرجان.

من جهته قال حسين مشهور العصفور، الرئيس التنفيذي لشركة “إي بناء”، كونها منظومة رقمية تربط مقاولين واستشاريين وموردين وبنوكًا وجهات حكومية في منصة واحدة تسهم في تبسيط الإجراءات وتسريع المعاملات وتوفير بيانات دقيقة تدعم اتخاذ القرار: في الشركة يتم النظر إلى الاستدامة والقدرة على الصمود كونها نتيجة مباشرة لبناء نموذج عمل متوازن يجمع بين وضوح الرؤية والانضباط التشغيلي والارتباط الحقيقي باحتياجات السوق.

وفي ظل تقلبات الأسواق العالمية وتسارع التنافس الرقمي، نعتمد على مجموعة من الأدوات العملية لضمان استدامة النمو، من أبرزها: التركيز على حل مشكلات جوهرية في قطاع البناء والإسكان مثل ضبط الوقت، ورفع جودة التنفيذ، وتحسين إدارة المواد، وتعزيز الحوكمة والشفافية، بدلاً من الاكتفاء بتقديم برنامج تقني عام، وتنويع مصادر الدخل بين الاشتراكات، ونماذج المشاركة في العوائد، والخدمات المرتبطة بالرقابة والامتثال، بما يقلل الاعتماد على مصدر واحد ويعزز الاستقرار المالي، والاعتماد على مؤشرات أداء واضحة لقياس الأثر الحقيقي، مثل تقليل التأخير في المشاريع، وخفض التغيير، ورفع مستوى الالتزام بين الأطراف، مع مراجعة مستمرة للأولويات لضمان توجيه الموارد لما يحقق أعلى قيمة، بالإضافة إلى بناء منظومة تشغيلية قادرة على الصمود عبر توثيق الإجراءات، وإدارة المخاطر، وضمان استمرارية الأعمال، خاصة في ظل التعامل مع بيانات حساسة مرتبطة بالمشاريع والتمويل، والاستثمار في الشراكات المؤسسية مع الجهات الحكومية والمالية والتنظيمية، لتحويل البرنامج من أداة تشغيلية إلى بنية رقمية داعمة لمنظومة قطاع البناء ككل.

وفيما يخص موازنة رائد الأعمال العُماني بين الهوية المحلية والمعايير العالمية قال في حديثه لوكالة الأنباء العُمانية: في “إي بناء” نؤمن بأن الهوية عنصر قوة إذا تم توظيفها بالشكل الصحيح، وذلك من خلال الحفاظ على الفهم العميق للسوق المحلي والثقافة التنظيمية وأساليب اتخاذ القرار، وتصميم تجربة استخدام تتماشى مع الواقع العُماني، والالتزام بمعايير عالمية في الحوكمة، وإدارة المخاطر، وقياس الأداء، وجودة العمليات، بما يعزز ثقة الشركاء والمستثمرين ويدعم التوسع خارج سلطنة عُمان وبناء برنامج بنواة واحدة قابلة للتوسع إقليميًا، مع إمكانية مواءمته مع الأنظمة والتشريعات المحلية لكل سوق جديد دون فقدان جوهر المنتج.

وأكد “العصفور” أن الاستدامة لا تتحقق بالسرعة وحدها، بل بالاتزان بين الهوية والانضباط، وبين الطموح المحلي والمعايير العالمية، وهو ما تعمل عليه شركة إي بناء كمنصة وطنية تسعى لبناء قيمة طويلة الأمد لقطاع البناء في سلطنة عُمان وخارجها.

بدورها أكدت الأمجاد بنت هلال المعولية، شريك مؤسس في مؤسسة “تيبي لتطوير المشاريع”، إلى أنه من واقع تجربة المؤسسة في مشروعها في السياحة الزراعية وغيرها من المبادرات المرتبطة بها: ينطلق المشروع من مفهوم السياحة الزراعية كأحد المسارات الواعدة للتنويع الاقتصادي والسياحة الزراعية، حيث يقوم على تحويل المزارع والموارد الزراعية القائمة إلى منتجات سياحية وتجارب اقتصادية ذات قيمة مضافة، بدل الاكتفاء بدورها الإنتاجي التقليدي من خلال دمج الزراعة بالسياحة، والتجربة الثقافية، والمنتجات المحلية، مشيرة إلى أن المشروع يساهم في إيجاد مصدر دخل مستدام للمجتمعات الريفية، وتنشيط الاقتصاد المحلي، وتعزيز الاستفادة من الموارد الطبيعية دون استنزافها، بما ينسجم مع توجهات الاقتصاد الأخضر والتنمية المستدامة.

وقالت في سياق حديثها إن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي يقودها الشباب العُماني تجسد نموذجًا عمليًا لدعم سلاسل التوريد المحلية، من خلال إشراك المزارعين، والحرفيين، ومقدمي الخدمات السياحية، والمنتجات الغذائية المحلية ضمن منظومة اقتصادية متكاملة، حيث تسهم هذه المشاريع في رفع تنافسية القطاعات غير التقليدية عبر تقديم تجارب سياحية مبتكرة، وتوطين القيمة داخل الاقتصاد المحلي، وإيجاد فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، إلى جانب تعزيز الهوية الثقافية والزراعية العُمانية كعنصر جذب اقتصادي. كما تتميز هذه المؤسسات بالمرونة وسرعة الابتكار، ما يجعلها رافدًا مهمًا لبناء اقتصاد متنوع وأكثر قدرة على الاستدامة.

بدورها أكدت ليلى بنت سعيد الحارثية، المؤسس والرئيس التنفيذي لمنصة “دوام”، أن المرونة المالية تعد شريان الحياة للشركات ذات النمو المتسارع، حيث أن آليات التمويل تسهم في تعزيز تصاعد المؤشرات الإيجابية للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وهنا يتطلب تدفقات فورية لا تخضع لضمانات تقليدية معقدة بهدف مواكبة احتياجات المشاريع التقنية والابتكارية في سلطنة عُمان.

وقالت إن منصة دوام إحدى المؤسسات التقنية في سلطنة عُمان، حيث إنه من واقع تجربتها الميدانية يمكن القول إن المرونة المالية تُعد شريان حياة للشركات ذات النمو المتسارع (Scale-ups)، إلا أن أثر آليات التمويل الحالية في سلطنة عُمان على تسريع نمو المؤسسات الصغيرة والمتوسطة لا يزال محدودًا، لا سيما في القطاعات التقنية والابتكارية.

وأشارت إلى أن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة تؤدي دورًا محوريًا في دعم الاقتصاد العُماني من خلال إيجاد فرص العمل، وتحفيز الابتكار، وتعزيز استدامة الأنشطة الاقتصادية، إلا أن هذا الدور يتطلب منظومة تمويل تتسم بالسرعة والمرونة لمواكبة طبيعة هذه المشاريع.

وأوضحت أنه على الرغم من توفر أدوات تمويل متعددة، إلا أن معظمها يعتمد على نماذج تقليدية، سواء عبر قروض (تلك الموصوفة بالمرنة) أو من خلال التمويل الاستثماري (Venture Capital) الذي يتطلب إجراءات طويلة ومعقدة، ولا يتماشى مع احتياجات المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي تعتمد على سرعة التنفيذ واتخاذ القرار.

وقالت إن التحدي الحقيقي يتمثل في عامل الوقت؛ إذ إن تأخر الحصول على التمويل يؤثر بشكل مباشر على قدرة المؤسسات على تنفيذ مشاريعها والاستجابة لمتطلبات السوق، وهو ما يشكل عبئًا إضافيًا على المشاريع التقنية والابتكارية التي تتطلب تدفقات نقدية فورية، مشيرة إلى أنه من واقع تجربة منصة دوام كشركة متخصصة في الموارد البشرية ودعم العمل الحر، نلمس أهمية وجود دعم مالي مرن يراعي احتياجات العمل الفعلية، ويأخذ بعين الاعتبار الأثر الاقتصادي والاجتماعي للمشاريع، خاصة تلك التي تسهم في معالجة تحديات التوظيف، ودعم الباحثين عن عمل، وتمكين الشباب العُماني، والاستفادة من خبرات المتقاعدين بما يتوافق مع احتياجات سوق العمل في سلطنة عُمان، وعليه فإن تعزيز المؤشرات الإيجابية للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة يستدعي تطوير نماذج تمويل مرنة وسريعة، مبنية على فهم عميق لطبيعة الأعمال ودورها في خدمة الاقتصاد الوطني، بحيث يكون التمويل أداة تمكين حقيقية للنمو ودعم التنمية المستدامة في سلطنة عُمان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى