ثقافة وأدب

الفنانة السودانية ياسمين عبدالله: المشهد التشكيلي العُماني يتسم بالحيوية والتنوع وهناك مساحة للفنانين للتعبير عن رؤاهم الفنية

أصـــداء /العُمانية

أكدت الفنانة التشكيلية السودانية ياسمين عبد الله أن المشهد التشكيلي في سلطنة عُمان يتسم بالحيوية والتنوع، كما أن البنية المؤسسية الداعمة والحراك الثقافي المتصاعد يوفر للفنانين مساحاتٍ رحبة للتعبير عن رؤاهم الفنية المعاصرة، مشيرة إلى أن تجربتها الفنية الأخيرة في سلطنة عُمان قد كشفت عن وجود توازن دقيق بين الأصالة والانفتاح، مشيرةً إلى أن المؤسسات الثقافية وقاعات العرض توفر بيئةً محفزة للتبادل والحوار الفني الإنساني.

وأوضحت في حديثها لوكالة الأنباء العُمانية أن معرضها الفردي الأول الذي أقيم في “جاليري فيل بوتيك”، مثّل محطةً مفصلية في مسيرتها الفنية داخل سلطنة عُمان، كما أن هذه المبادرات تعكس دور القطاع الخاص في إثراء المشهد الثقافي العماني، إلى جانب وجود قواسم مشتركة تربط تجربتها السودانية بنظيرتها العمانية، خاصةً في مجالات الاشتغال على الهوية والذاكرة البصرية.

وأشادت الفنانة ياسمين بتجارب عددٍ من الفنانين العمانيين كالفنانة حفصة التميمي وبشاير البلوشي والفنان حميد العوفي، الذين يمثلون نماذجَ ملهمة في تطويع المفردات التراثية بروحٍ معاصرة، فهي ترى أن الفن التشكيلي في سلطنة عُمان يتجاوز كونه أداةً تعبيرية ليصبح خطابًا إنسانيًا يسهم في صياغة الوعي المجتمعي، وأعربت عن اعتزازها بالانخراط في هذا الوسط الذي يجمع بين الحساسية اللونية والبحث المستمر في الجذور.

وترى الفنانة ياسمين أن الهوية في التجربة الإبداعية لا تتجسد كقالبٍ جامد، بل هي “تجربة متحركة” تتشكل عبر الزمن والانتقال بين الأمكنة، مشيرةً إلى أن الجذور السودانية في أعمالها تظهر كطاقةٍ وجدانية تتسلل عبر اللون والملمس، بعيدًا عن التوثيق البصري المباشر.وحول مرتكزات تجربتها الفنية، أشارت إلى البدايات التي تكونت في سياقين جغرافيين، بين قطر والسودان، ما منحها وعيًا بصريًا جعل من “الإنسان” المحور الأساسي قبل أي انتماء جغرافي، وأن اللوحة عندها تمثل فضاءً مفتوحًا لسؤال الانتماء، حيث تستحضر تفاصيل الحياة البسيطة ونقوش البيوت والشخوص المألوفة لتعيد صياغتها برؤية حداثية.

وأضافت أن تعمدها في رسم ملامح “غير محددة الهوية” يهدف إلى إشراك المُشاهد وجعله جزءًا من المشهد الإنساني العام، كون الفن يتجاوز الحدود الجغرافية ليصبح لغةً عالمية تحتفي بالعيش المشترك والقصص الإنسانية العميقة. وفسرت في سياق حديثها فلسفة التكوين البصري في أعمالها، وكيفية الموازنة بين “عفوية الذاكرة” التي تستعيد تفاصيل المكان، ما أوجد حالةً من الاتزان بين العاطفة الجياشة والتقنية البصرية المتقنة، مؤكدةً على أهمية الموازنة بين العفوية والتنظيم في العمل الفني، وأن تجربتها الفنية ترتكز على استلهام المدارس العالمية كالتجريد التعبيري والرمزية المعاصرة دون التقيد بأطرها الجامدة.

وقالت إنها تتعامل مع هذه المدارس كمساحاتٍ مفتوحة تمنحها شجاعة اللون وصدق الانفعال، حيث تبدأ بناء لوحتها من حالة شعورية أولية تترك فيها الطبقات تتراكم بحرية، قبل أن تعود بعين نقدية لإعادة ترتيب العناصر وتحقيق التوازن البصري. وأوضحت أن العمل الفني يمر بمرحلتين أساسيتين: مرحلة “الانفعال الصادق” ومرحلة “التأمل الواعي”، كما أن المعنى في أعمالها لا يُفرض عبر رموز مباشرة، بل يُستخلص من العلاقات البينية للألوان والمساحات الفراغية والإيقاع الداخلي للتكوين، ما يمنح العمل عمقًا وحيويةً دون فقدان الهوية الفنية الخاصة.

وفيما يتعلق بالشعر كطاقة تتشكل وعمق العلاقة الوجدانية التي تربط تجربتها الفنية بعوالم الشاعر الراحل محمود درويش، قالت إن تعاملها مع قصائده لا يأتي كسياق نصي للترجمة البصرية، بل كاستحضار لحالة شعورية متكاملة تتجسد في مساحات تجريدية تبحث في ماهية الذات. وقالت ياسمين: “إن ما يشدني في تجربة درويش هو قدرته الفائقة على تحويل التجربة الإنسانية القاسية والمؤلمة إلى صورة شعرية شفافة تمنح الألم بعدًا جماليًّا مع معايشة الواقع بصدق، وهو ما انعكس على أعمالي التي تسعى لتحويل الجرح الإنساني إلى لغة بصرية نابضة”.

وأوضحت أن مفاهيم “المنفى” و”الحرب” في لوحاتها تتجاوز التحديد الجغرافي أو الحدث المباشر، لتصبح تعبيرًا عن البحث عن الذات ورصد الأثر الإنساني الصامت، فــ”اللون” في أعمالها ـ بحسب تعبيرها ـ يقوم مقام “الكلمة”، بينما يمثل “الفراغ” صمتًا مقصودًا يشبه الفواصل الموسيقية بين السطور الشعرية.وأضافت أن الإيقاع البصري في نتاجها الفني يحتفي بالتفاصيل الصغيرة والهامشية وبحياة الإنسان العادي، مستلهمةً في ذلك الموسيقى الداخلية لقصائد درويش، حيث تتحاور اللوحة مع اللغة دون تكرارها، فاتحةً آفاقًا للإحساس تتخطى المفردة المكتوبة إلى فضاءات تأويلية أرحب.

وفي شأن إيقاع الفوضى الجميلة في لوحاتها، أشارت الفنانة التشكيلية ياسمين إلى أن لوحاتها تعتمد على إيقاعٍ كطاقة خام من الطبقات اللونية والخطوط المتقاطعة، قبل أن تتحول عبر حوار بصري إلى تكوين فني متوازن يحمل حكاية إنسانية. وبينت أن العملية الإبداعية تمر بمراحل تبدأ بالعفوية الكاملة وحرية حركة اللون، ثم ترك المواد تقود العمل في بداياته للكشف عن طاقتها الكامنة، تليها مرحلة المراقبة والتأمل من مسافة نقدية للبحث عن ملامح أو محاور بصرية تبرز داخل اللوحة.

وأضافت أن التحول من العفوية إلى اكتمال التكوين هو “حوار” يستهدف إيجاد حالةٍ من التوازن بين إبراز عناصر وإخفاء أخرى، كما أن تراكم الطبقات اللونية هو ما يمنح العمل الفني عمقه وقدرته على سرد المعاني الخفية والأثر الإنساني.وبينت أنها تؤمن بالأضداد: الضوء والظل، الحضور والغياب، السكون والحركة، وذلك عند حديثها عن ثنائيات الضوء والظل في أعمالها، لذا فهي لا تبدأ بفكرة فلسفية محددة، لكن المعنى يتشكل أثناء العمل. وأنها تستخدم الضوء كبقعة أمل داخل مساحةٍ داكنة، بينما يمنح الظل عمقًا وطبقات من الغموض.وتابعت: هذا التوازن يخلق توتّرًا بصريًا يدعو المتلقي إلى التأمل، ورأت أن اللوحة تنجح حين تمنح المشاهد مساحةً يتحرك فيها بين وضوح وغموض، ويقين وسؤال، وهو ما يجعل التجربة البصرية حيّة.

وبينت الفنانة أن مشروعها الفني المرتكز على فكرة “استعادة الإنسان” يسعى إلى تجديد قيم التعاطف والاتصال الإنساني من خلال “مسار بصري متأنٍ” يقاوم سرعة الاستهلاك المعاصر.

وأشارت إلى أن أعمالها الفنية تتبنى “البطء” كموقف جمالي متعمد، حيث تترك الحكاية داخل اللوحة تنكشف بشكل تدريجي، مما يمنح المشاهد مساحةً زمنية للدخول في حوار هادئ مع التفاصيل العميقة للعمل. وأكدت أن بناء اللوحة عبر “طبقات متراكمة” يتطلب تأملاً يتجاوز النظرة الأولى، وأن الفن يمثل رهانًا حقيقيًا لإعادة بناء المعنى واستعادة الحساسية تجاه الكائن البشري بوصفه كائنًا مركبًا، وسط تسارع الإيقاع الرقمي والبصري الذي يشهده العالم اليوم.

وخلصت إلى أن أعمالها التشكيلية تعد دعوةً مفتوحة للتأنّي وإعادة الإصغاء للذات، بما يسهم في ترسيخ حضور التجربة الإنسانية داخل المشهد الثقافي المعاصر.وعند حديثها عن حدود العلاقة بين حرية تأويل المتلقي والحفاظ على بصمتها الخاصة، أكدت أن اللوحة الفنية تمثل “احتمالًا مفتوحًا” وحوارًا ممتدًا يتجاوز القراءات الأحادية، مشيرةً إلى أن أعمالها تعتمد على التجريد الكثيف الذي يتكشف تدريجيًا للمتلقي.

وأوضحت أن فلسفتها الفنية ترتكز على منح المتلقي حرية التأويل ضمن إطار “بصمتها الخاصة”، والتي تتجلى في تقنيات بناء الطبقات اللونية وحضور الشكل الإنساني المتخفي خلف التجريد، مؤكدةً على وجود شعرة فاصلة بين حرية المشاهد في التفسير وبين الحفاظ على الهوية الفنية للعمل.وحول معايير نجاح العمل الفني، أشارت إلى أن النجاح لا يقتصر على “الاكتمال الشكلي” للوحة، بل يُقاس بقدرتها على ترك أثرٍ عميق وطويل الأمد في ذاكرة المتلقي.

وأضافت: “حين يشعر المشاهد أن شيئًا ما قد تحرك بداخله بعد مغادرته قاعة العرض، فإن اللوحة بذلك تكون قد حققت غايتها الجوهرية كجزءٍ من تجربة إنسانية تتجاوز اللحظة الراهنة”.

ويأتي هذا الطرح الفني ليعكس الحراك الثقافي التشكيلي في سلطنة عُمان، والذي يسعى لتعميق الرؤى البصرية وفتح آفاق جديدة للتواصل بين الفنان والجمهور عبر أعمال فنية تحمل أبعادًا فلسفية وجمالية متجددة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى