ثقافة وأدب

الدراما الرمضانية.. مساحة ثقافية واجتماعية تشكل الوعي الأسري والمجتمعي

أصـــداء /العُمانية

 

تحظى الدراما الرمضانية في العالم العربي بمشاهدة واسعة باعتبارها مساحة ثقافية واجتماعية تتقاطع فيها قضايا المجتمع مع النقاشات الأسرية والوعي العام، ودورها في إعادة طرح القضايا المجتمعية وسط تزايد التفاعل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إلا أن حرية الإبداع والالتزام بالقيم المجتمعية ترسم حدود هذا الطرح الفني ومدى قدرته على تحقيق التوازن بين تناول القضايا ومراعاة الخصوصية الثقافية للمجتمعات العربية.

ويقول مالك بن ناصر الغافري متخصص في علم الاجتماع، عن تأثير الدراما الرمضانية في تشكيل القيم والسلوكيات داخل الأسرة: “إن الدراما الرمضانية في المجتمعات العربية تعد موسمًا اجتماعيًّا بامتياز وليس مجرد عمل فني عابر، فلا ننظر إليها كترفيه بل كأداة قوية للتنشئة الاجتماعية وإعادة التأثير في الوعي الجمعي وتشكيل القيم والسلوكيات؛ فالدراما في الأصل هي مرآة عاكسة للواقع، وفي الوقت ذاته هي أداة للتوجيه وتطبيع السلوكيات، فعندما يعرض مسلسل ما نمطًا معينًا من العلاقات مثل استقلالية الأبناء أو طبيعة دور المرأة، فإن تكرار هذه النماذج يوميًّا لمدة من الزمن يحولها من فعل غريب إلى فعل مألوف أو مقبول اجتماعيًّا”.

وأضاف أنها تلعب دورًا في إعادة تعريف الأدوار داخل حدود الأسرة، مثل تقليل الفجوة بين الأجيال أو أحيانًا تعزيز هذا الصراع أو تعمل على تشكيل القدوة، وفقًا لنظرية التعلم الاجتماعي التي يميل فيها الأفراد خاصة المراهقين إلى محاكاة الشخصيات التي تتمتع بالكاريزما أو القوة. مشيرًا إلى أن الدراما الرمضانية تمثل منصة للحوار الأسري كون شهر رمضان وقتًا زاخرًا بالتجمعات الأسرية أمام شاشة واحدة، مما يوجِد ما نسميه الفضاء المشترك المصغر؛ فعندما تطرح الدراما قضية معينة تتناولها الأسرة بالنقاش، وهذا النقاش هو الذي يشكل القيم فعليًّا؛ فالأب والأم يمرران رسائلهما الأخلاقية من خلال نقد أو تأييد تصرفات شخوص الدراما.

ويذكر الغافري أن الدراما أوجدت تحديات اجتماعية معاصرة، منها المبالغة في الاستهلاك وإيجاد حالة عدم الرضا لدى الأسر بسبب مظاهر تفوق واقعهم، والتركيز المكثف على قصص الخيانة والصراعات الأسرية مما تسبب في ضعف العلاقات داخل محيط الأسرة، وهنا يتضح أن الدراما الرمضانية ليست مجرد حكايات بل هي مختبر للقيم؛ إما أن تدعم تماسك الأسرة من خلال تقديم نماذج ناضجة لحل النزاعات أو تسهم في تآكل القيم التقليدية لصالح قيم استهلاكية أو مادية بحتة.

وفيما يتعلق بمساهمة أعمال الدراما الرمضانية في صناعة الوعي المجتمعي ضمن طرح يجمع بين حرية الإبداع والالتزام الأخلاقي، أوضح أن هناك قضية جدلية بين حرية الإبداع والالتزام الأخلاقي، وهذا عصب حساس في صناعة الدراما العربية، حين يتحول المسلسل من مجرد حكاية إلى أداة هندسة اجتماعية. فعندما يركز أكثر من مسلسل في رمضان على العنف الأسري، يصبح هذا الموضوع هو حديث المجالس وهنا تكمن الخطورة والفرصة معًا؛ فالحرية الإبداعية قد تبالغ في تصوير العنف لغرض الجذب، بينما الالتزام الأخلاقي يفرض إظهار عواقب هذا الفعل.

وتابع حديثه: نحن في زمن لم نعد أمام متلقٍ مسلوب الإدراك، يجلس خلف الشاشة ليتشرب الرسائل، بل أمام متلق فاعل يعيد صياغة العمل الدرامي وفق رؤيته الخاصة، فالدراما في الماضي كانت تعمل كأداة تنشئة اجتماعية أولية تفرض قيمها، أما اليوم فتحولت إلى عملية تنشئة تفاعلية من خلال التفاوض على المعنى: الأسرة لم تعد تستقبل القيم الجاهزة بل تتفاوض حولها.

مشيرًا إلى أن القوى الإنتاجية للدراما تفرض هيمنة ثقافية تجعل قيم الطبقة المهيمنة على الإنتاج تبدو كأنها منطق عام، وبهذا تعمل الدراما كجهاز أيديولوجي يحول بعض الأعمال إلى تكريس قيم الاستهلاك أو القبول بالواقع الطبقي.وأضاف أن التحول الرقمي عمل على توسعة ديمقراطية التأويل، فتحولت المشاهدة من فعل جمعي أسري إلى تفاعلي رقمي في فضاءات أوسع أدى إلى تفتيت السردية الواحدة وإعادة قص حكاية المسلسل من زاوية مختلفة، فأزاحت المركزية ولم يعد المنتج أو المخرج هو سيد المعنى، فالجمهور عبر الهاشتاجات يمارس دور الرقيب الشعبي والمحلل، مما يجبر صناع الدراما على مراعاة الوعي الجمعي في هذا الفضاء الرقمي. لافتًا إلى أن الدراما الرمضانية ليست مجرد أداة لتشكيل الوعي من طرف واحد بل أصبحت ميدان صراع دلالي؛ المنتج يطرح المعنى والجمهور يفككه ويعيد تركيبه بما يتناسب مع واقعه وتطلعاته.

من جانبها، قالت الدكتورة ريا بنت حمد المعمرية أستاذ العمل الاجتماعي المُساعد في قسم علم الاجتماع والعمل الاجتماعي بجامعة السلطان قابوس: إن الدراما الرمضانية أصبحت اليوم ليست مجرد وسيلة للترفيه بل هي أحد الفضاءات الثقافية التي تسهم في تشكيل الوعي الاجتماعي وإعادة إنتاج القيم داخل المجتمع، لذلك فإن تأثيرها يمتد إلى الطريقة التي يفهم بها الأفراد بعض القضايا الاجتماعية مثل العلاقات الأسرية، ودور الفرد في المجتمع، والتحديات المرتبطة بالشباب والعمل.

ووضحت أن الدراما الرمضانية في السياق العُماني تحرص على تقديم محتوى يعكس جوانب من التاريخ الاجتماعي والثقافي للمجتمع، فعلى سبيل المثال برز في هذا الموسم العمل الدرامي “القافر” الذي يجسد شخصية رجل يمتلك قدرة على سماع خرير الماء تحت باطن الأرض، لتتحول هذه القدرة إلى عنصر محوري في حياة المجتمع وتقاطعها مع أسرار الحارة وصراعاتها وعلاقات أهلها، فبذلك تسهم مثل هذه الأعمال الدرامية في إحياء الذاكرة الثقافية وإثارة النقاش داخل الأسرة حول قيم التكافل المجتمعي وأهمية الموارد الطبيعية، وكيف تعامل المجتمع العُماني تاريخيًّا مع تحديات البيئة والعيش.

وأضافت أن الدراما تقدم نماذج للسلوك الاجتماعي، ووفق نظرية صناعة المعنى فإن المشاهد لا يستقبل الرسالة الإعلامية بشكل سلبي، بل يفسرها حسب خبراته وثقافته وسياقه الاجتماعي، كما يمكن قراءة الدراما في ضوء مفهوم الهيمنة الثقافية الذي يشير إلى قدرة وسائل الإعلام على تعزيز بعض التصورات أو الأنماط الثقافية السائدة، لذلك يصبح من المهم أن تحافظ الدراما الرمضانية على توازن بين حرية الإبداع والالتزام بالهوية الثقافية والقيم المجتمعية.

وتابعت حديثها أن التحول الأبرز في السنوات الأخيرة هو انتقال المشاهدة من التلفاز إلى المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، الأمر الذي جعل المشاهد مشاركًا في النقاش من خلال التعليقات أو إعادة نشر المقاطع أو نقدها، ويوجد هذا التفاعل ما يسمى في علم الاجتماع بـ”الجمهور التفاعلي” الذي يشارك في إعادة تفسير الرسائل الدرامية ويسهم أحيانًا بتوجيه مسار النقاش المجتمعي حولها.

وحول طبيعة التأثير الثقافي الذي يمكن أن تمارسه الدراما الرمضانية في المجتمع، قالت الدكتورة موزة بنت عبدالله الرواحية أستاذ مساعد في الصحافة والنشر الإلكتروني في قسم الإعلام بجامعة السلطان قابوس: الدراما الرمضانية لها تأثير ثقافي وفق نظرية الغرس الثقافي التي تفترض أن التعرض المتكرر لرسائل معينة في وسائل الإعلام قد يؤدي إلى تغير تصورات الناس عن الواقع أو يجعلهم يتبنون القيم والمعتقدات التي تروج لها هذه الرسائل، لكن في الوقت ذاته لا يمكن اعتبار تأثير الدراما الرمضانية مباشرًا أو حتميًّا لأن الجمهور ليس مجرد متلق سلبي بل قادر على التفاعل مع ما يشاهده.وأشارت إلى أن تشكيل القيم والتصورات الاجتماعية يتأثر بعوامل متعددة من بينها الأسرة والتعليم والثقافة المجتمعية، وأن الدراما الرمضانية هي جزء من منظومة معقدة من المؤثرات وليست قوة واحدة قادرة على تغيير المجتمع.

ووضحت أن الدراما الرمضانية تمثل جزءًا لا يتجزأ من المشهد الإعلامي والثقافي في العالم العربي، إلا أن التنافس الكبير بين القنوات الفضائية للترويج للأعمال الدرامية عبر وسائل التواصل الاجتماعي قد يؤثر سلبًا على وضوح رسالتها الإعلامية، فالسعي وراء الإثارة السريعة وتحقيق الانتشار قد يدفع بعض الأعمال إلى تبسيط القضايا أو المبالغة في الأحداث مما يضعف عمق القصة ويشوش رسالتها في خضم البحث عن “الترند”.

مؤكدة أن الرسالة الإعلامية للدراما ينبغي أن تجمع بين الترفيه والتثقيف والارتقاء بالوعي الجمعي، وليس الاقتصار على استهلاك المحتوى، فالإفراط في الإنتاج على حساب الجودة قد ينتج أعمالًا سطحية تفتقد للقيمة الفنية والفكرية.

وأشارت إلى أن العديد من الأعمال الدرامية الرمضانية ما زالت تحافظ على جودتها الفنية وتقدم رسائل إعلامية هادفة بالرغم من الضغوط التجارية والتسويقية، معتمدة على كُتّاب سيناريو متميزين ومخرجين مبدعين وممثلين قادرين على تقديم أداء مقنع ومؤثر، وحرصها على طرح قصص تعكس الواقع الاجتماعي وتتناول القضايا المهمة بطريقة مسؤولة وموضوعية.

وأضافت أن تأثير المحتوى الدرامي الرمضاني على الرسالة الإعلامية والجودة الفنية يعتمد على مجموعة من العوامل، من أبرزها توجهات صناع المحتوى، وضغوط السوق، وتوقعات المشاهدين، وعلى الرغم من التحديات التي تواجه الدراما الرمضانية، إلا أنها لا تزال قادرة على تقديم أعمال متميزة تسهم في إثراء المشهد الإعلامي والثقافي في العالم العربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى