
اليومُ العالميُّ للكتاب وحقوق المُؤلف.. إعادة “اعتبار” للكلمة المكتوبة كرفيق للذاكرة ومُحرك للتغيير
أصـــداء /العُمانية
تُشارك سلطنة عُمان غدًا الخميس دول العالم الاحتفاء باليوم العالمي للكتاب وحقوق المؤلف الذي يُصادف الـ23 أبريل من كل عام في مناسبة ثقافية تُجسّد أهمية الكتاب بوصفه وعاءً للمعرفة وأداةً لتعزيز الوعي، وتشجيع القراءة، وصون حقوق المؤلفين والمبدعين.
وفي وقتٍ يُواجه فيه الفكر الإنسانيّ تحديات تقنيّة غير مسبوقة، يطلّ اليوم العالمي للكتاب وحقوق المؤلف 2026، ليُعيد الاعتبار للكلمة المكتوبة كرفيق للذاكرة ومُحرك للتغيير، إذ جاءت هذه المُناسبة إقرارًا من منظمة اليونسكو لتعزيز قيمة القراءة وترسيخ مكانة الكاتب، وتخليدًا لذكرى رحيل نُخبة من أعلام الأدب العالميّ، من بينهم وليام شكسبير وميغيل دي ثيربانتس.
ويتجه التركيز الدوليّ هذا العام نحو تعميق صلة المُجتمعات بالقراءة، بالتوازي مع قضايا قانونيّة وأخلاقيّة لحماية المُلكيّة الفكريّة في عصر الذكاء الاصطناعيّ، ولا يمر الاحتفال به كطقس سنويٌ عابر، بل يطرح أسئلة واقعيّة حول استدامة صناعة النشر، ومُستقبل الأديب أمام خوارزميات التوليد الآليّ، ودور المؤسسات الرسميّة في ردم الفجوة المعرفيّة.
وعلى المستوى المحلي تعمل وزارة الثقافة والرياضة والشباب على توازن استراتيجيّتها لعام 2026 بين تعزيز حضور الكتاب الورقيّ كرمز ثقافيّ وبين متطلبات التحوّل الرقميّ الشامل، وأكد عبد الله بن محمد الحارثي مدير عام المديرية العامة للمعرفة والتنمية الثقافية بالوزارة لوكالة الأنباء العُمانية إلى أن الكتاب الورقيّ يُمثل الخيار الأبرز والأكثر موثوقيّة في صناعة الكتاب وفي المعارض محليًّا ودوليُّا، كما يجسّد الذاكرة الأكثر رسوخًا، فيما يُمثل النشر الإلكترونيّ خيارًا أوسع للانتشار والوصول إلى القراء بيُسر وسهولة وفي متناول القارئ في أي وقتٍ ومكان.

وأشار إلى أنه في الوقت الذي نحرص فيه على التمسك بالكتاب الورقيّ والمحافظة عليه ونشره وتوفيره من خلال المكتبات والمراكز ومعارض الكتاب المُختلفة، ورقمنة المُحتوى الثقافيّ الوطنيّ وإنشاء منصّات إلكترونيّة لتوفير الكتاب الرقميّ، بغية توطين المُحتوى الثقافيّ العُمانيّ، بقديمه وحديثه، داخل بيئة رقميّة آمنة”.
وعن المُبادرات التشريعيّة الجديدة التي تتبناها الوزارة لضمان حماية (حقوق المؤلف) في ظل التحديات التي يفرضها الذّكاء الاصطناعيّ التوليديّ على المُلكية الفكريّة، ووضّح أنّ الوزارة تدرك حجم التحدّيات التي يفرضها التحوّل الرقميّ في كل مناحي الحياة.
وقال: نلمس أنّ الكتاب الورقيّ ما زال محتفظًّا بمكانته لدى القارئ، وعليه تقوم أغلب صناعة النشر والتوزيع على مُستوى العالم رغم الحضور الذي يحققه الكتاب الإلكترونيّ بمُختلف أشكاله”.
وأكّد على اهتمام سلطنة عُمان المُتواصل في صون المُلكيّة الفكريّة وحقوق المُؤلف من خلال انضمامها لاتفاقيات دوليّة لاسيما اتفاقيات المُنظمة العالميّة للمُلكيّة الفكريّة التي تتمتع سلطنة عُمان بعضويتها، وتعد وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار هي الجهة الحكوميّة المعنيّة بتنظيم وتسجيل وحماية حقوق المُلكيّة الفكريّة.
وأضاف أنّ وزارة الثقافة والرياضة والشباب تعمل وفق اختصاصاتها، بالتنسيق والتعاون مع الوزارة المعنيّة على ضمان صون المُلكيّة الفكريّة وحفظ حقوق المؤلف للمطبوعات الثقافيّة والفكريّة والأعمال الفنيّة ومُختلف المُصنفات الأدبيّة في الإطار العام الذي رسمته الاستراتيجيّة الثقافيّة التي أعدتها الوزارة، تماشيًا مع رؤية “عُمان 2040″، وأخذًا في الاعتبار برامج التحوّل الرقميّ ومُستجدات الذكاء الاصطناعيّ.
ويُبيّن الحارثي في حديثه دور الوزارة في وضع آليّة دقيقة وصارمة في معارض الكُتب، لضمان التزام دور النشر والعارضين بقوانين المُلكيّة الفكريّة وحقوق المؤلف، كما تتخذ الوزارة إجراءات قانونيّة رادعة في حال اكتشاف أيّة مُخالفة أو رصد أية تجاوزات.
وعند التركيز على دور النشر خلال هذا العام، وكيف يُمكنها بلورت معاييرها “القيميّة” لاختيار المُحتوى الأصيل وسط كثافة النشر السهل الذي يُهدّد ذائقة القارئ وجودة المنتج الأدبي، تقول نصراء بنت علي المعمري صاحبة دار حدائق الفكر لوكالة الأنباء العُمانية إنه في عام 2026، لم تُعد دور النشر مُجرد وسيط تقليدي بين الكاتب والقارئ، بل تحوّلت إلى (حارس جودة) في زمن تتكاثر فيه النصوص بسرعة تفوق قدرة الذائقة على التمييز.

وأضافت أنه مع تصاعد أدوات النشر السريع، ومنصّات الكتابة المدعومة بالذّكاء الاصطناعي، بات التحدي الحقيقيّ أمام دور النشر هو بلورة معايير قيميّة صارمة تُعيد الاعتبار للأصالة، وتفرّق بين الإنتاج الإبداعيّ الحقيقيّ، وبين النصوص المُولَّدة أو المُعاد تدويرها.
وأشارت إلى أنّ أول هذه المعايير يتمثّل في التحقق من الأصالة الفكريّة، فالنص الأصيل لا يُقاس فقط بنسبة الاقتباس، بل بقدرته على تقديم رؤية جديدة، أو مُعالجة مُبتكرة لقضية إنسانيّة، أما المعيار الثاني فهو القيمة المعرفيّة والجماليّة؛ إذ ينبغي أن تسأل دور النشر نفسها: هل يضيف هذا العمل شيئًا إلى القارئ؟ هل يوسّع أفقه، أو يلامس وجدانه، أو يعمّق وعيه.
وذكرت أنّ المعيار الثالث يتعلّق بـالمسؤوليّة الأخلاقيّة والثقافيّة، فدور النشر ليست مؤسسات ربحيّة فحسب، بل فاعل ثقافيّ يُسهم في تشكيل الوعي العام، وعليه، فإن اختيار المُحتوى يجب أن يراعي الهويّة، ويحترم التنوّع، ويبتعد عن التسطيح أو الإثارة الفارغة التي قد تحقق انتشارًا سريعًا، لكنها تضر بالبنية الثقافيّة على المدى البعيد.
وفيما يرتبط بالمسؤوليّة التي يجب أن تضطلع بها دورالنشر اليوم لضمان التوازن بين تلبية متطلبات السوق وبين دورها التاريخيّ كحاضنة للمشروعات التنويريّة والأقلام الجادة، تقول المعمرية إنّ التحدي يكمُن في بناء نموذج اقتصاد ثقافيّ ذكيّ، لا يختزل الكتاب في كونه سلعة، ولا يغفل في الوقت ذاته ضرورات الاستدامة الماليّة، ويمكن تحقيق هذا التوازن عبر تنويع الإصدارات بين كتب جماهيريّة ذات جودة، وأخرى نخبويّة عميقة، مع الاستثمار في التسويق الثقافيّ الذي يرفع من ذائقة القارئ بدل أن ينحدر إليها.
ووضّحت مسؤولية دور النشر في رعاية الكُتّاب الجادين، خاّصة الشباب، من خلال برامج احتضان وتطوير، تُتيح لهم صقل تجاربهم بدل دفعهم إلى النشر السريع غير الناضج.
وأشارت إلى أنّ دور النشر تقف اليوم أمام مُفترق طرق، إما أن تذهب مع سيل المُحتوى السريع، أو أن ترتقي بدورها كمرجعيّة ثقافيّة تصنع المعايير لا تتبعها، وفي هذا الاختيار، يتحدد شكل المشهد الأدبيّ في السنوات القادمة، بين وفرة بلا قيمة، أو قلةٍ تصنع الفرق.
وعند الحديث عن مُساهمة استراتيجيات النشر في كسر عزلة المُحتوى المحليّ وتقديمه للعالميّة، يقول حسين نهابة، رئيس مؤسّسة أبجد للترجمة والنشر والتوزيع بالعراق لوكالة الأنباء العُمانية إنّ الترجمة والمنصّات الرقميّة تؤدي دورًا محوريًا في كسر الحواجز الجغرافيّة، وترتقي بالثقافة العربيّة نحو ميدان يمكّنها من رسم خارطة أدبيّة تكون موازية لمُفردات الأدب العالميّ، ومع الثورة الالكترونيّة الحديثة كان لابد لكُتب التاريخ والأدب والفنّ والعلم أن تخرج من قمقم محليّتها وتنثر خباياها في هذا الفضاء الشاسع، بعد أن كانت حبيسة لغتها أو جغرافيّتها نتيجة غياب آليات نشر فعّالة قادرة على إيصالها إلى العالم.

وأضاف أنه تتجلّى أهميّة استراتيجيات النشر بوصفها الجسر الذي يعبر عليه المُحتوى من المحليّة إلى العالميّة، ويقع على عاتق المُترجم ودور النشر مسؤوليّة تطبيق هذه الاستراتيجيات على نحو منطقيّ ودرجة من الوعيّ بخوارزميات الظهور، واستخدام الكلمات المفتاحيّة، وبناء حضور رقميّ مُتماسك يعكس هويّة المُحتوى.
وأشار إلى أن الشراكة الدوليّة تُسهم مع دور النشر الأجنبيّة في تكملة هذا المشروع المتناميّ، إضافة الى المُشاركة في معارض الكُتب الدوليّة، أو الانخراط في برامج التبادل الثقافيّ، وهذا ما يُضفي شرعيّة ثقافيّة تعزّز من ثقة القارئ العالميّ.
ويُبيّن أهميّة صناعة الصورة الذهنيّة بقوله: تُعد من العتبات النصيّة الأساسيّة لأي عمل أدبيّ، والعالمية تتطلّب صبراً واستمرارا، لأن بناء الحضور الدوليّ لا يُقيَّم بعملٍ واحد فقط، إنها عمليّة طويلة، لكنها مُمكنة حين تتكامل الرؤيّة مع الأدوات.
وقال إنّ دور المُترجم يعد أحد أهم ثلاثيّة الارتقاء الى العالميّة وعبور المحليّة، كون يتصف بمُواصفات عالية جداً من المهنيّة والإلمام باللغتين، إضافة إلى دار نشر عربيّة رصينة وأخرى دوليّة قادرة على تحويل المُحتوى العربيّ من صوت معزول الى خطابِ عالميّ.
وعن مدى نجاح دور النشر اليوم في إيجاد توازن بين استقطاب الأسماء اللامعة – الأكثر مبيعاً – وبين اكتشاف وتبنّي الأصوات الإبداعيّة الشابة التي تقدّم طرحًا فكريًا مُغايرًا، قال: يُفترض أن تكون لكل دار نشر هويّة ثقافيّة مُحددة تشمل على تبنيها لأصناف معيّنة من الكُتب، فإذا سألت مثلاً عن أفضل الروايات فستُنصح بالدار الفلانيّة وإذا سألت عن أفضل كُتب التاريخ فستُنصح بالدار الفلانيّة، ولنبدأ بميدان الرواية والقصّة والشعر التي تنبع كتابتها من إبداع إنسانيّ بحت يختلف عن الجانب الأكاديميّ للتاريخ الذي يقوم به أساتذة متخصّصون وفق خطط منهجيّة مدروسة ومصادر محدّدة”.
وبيّن أنه لابد من خطوة أولى لكل ميدان يشتهر به المرء، فالشاعر أبو الطيب المتنبي ما اشتهر فجأة من أوّل قصيدة كتبها، ولكنه عُرف مع مرور الزمن.
وفي السياق يوضّح الكاتب والقاص سعيد بن سليمان الحاتمي لوكالة الأنباء العُمانية نظرته إلى مُستقبل الكتابة الإبداعيّة في عالمِ يتسارع فيه إنتاج النصوص آليًّا، وهنا يقول: أعتقد بأنّ أخطر تحديات العصر التي يُواجهها الكُتّاب والمُبدعون هي توليد النصوص الإبداعيّة بشكل آلي عن طريق برامج الذكاء الاصطناعي، وتكمُن خطورتها في تلك السرعة الهائلة وغير المُتوقعة في دخول هذه البرامج على هذا المجال بحيث لم تمنح المُتلقي والمُبدع الفرصة لبناء تلك الملكة التراكميّة والتي من خلالها يُمكنه فلترة ما يتلقاه ومعرفة مصدره إن كان بشريًّا أو آليًّا، علاوة على إمكانية هذه البرمجيات الهائلة على التوليد وقدرتها على التطوّر والمُحاكاة”.

ويتردد السؤال، كما يقول الحاتمي: هل النصوص المولدة والتي تتوّفر على قدر مُعين من التماسك والصياغة الجيدة أدبًا؟ الإجابة هي قطعًا لا، لأنها ببساطة تفتقد إلى عنصرٍ مُهم جدًّا وهو ذلك الحس الإنسانيّ الذي تمنحه روح الكاتب للنص.
ويُبيّن أن الكتابة ليست جُملًا وتراكيب وصياغات لغويّة، بل هيّ تجربة إنسانيّة حقيقيّة يمكن اكتشافها بسهولة في النص الأدبيّ، واعتقد أنّ هذا سيظل عصيًّا تحقيقه من خلال برامج توليد النصوص.
ويشير إلى حقوق المؤلف والكاتب المعنويّة والماديّة، وما إذا كانت محميّة بما يكفي خاصّة في ظل التداخل المُتزايد بين الذكاء البشريّ والتقنيات التوليديّة قائلا: الحديث عن حقوق المؤلف في ضوء انتشار برامج التوليد والمحاكاة صار أقرب الى الطرافة منه إلى الجديّة، لاعتبارات مُختلفة ليس أولها تلك القدرة المُخيفة لهذه البرامج على الاستنساخ ثم التحوير، وفي المُقابل عجز البرامج المُضادة على التمييز بين ما هو أصيلًا أو مُنتحلًا، وان كان هذا العجز حاصلًا في برامج قياس الاقتباس فهو سيكون أكبر حين يتعلّق الأمر بمهارات الإنسان العادي وأعني هنا القارئ تحديدًا”.
وأضاف أنّ هُناك إشكاليّة قانونيّة يجب التنبيه عليها وهيّ أنّ قوانين حقوق المؤلف فلا تزال قديمة وغير مُصممة لمعالجة قضايا مُتعلقة بالتداخل بين انتاج الجهد البشريّ مع برامج التوليد والمحاكاة، لذلك أرى أنه من المُهم جدًّا تطوير هذه النصوص القانونيّة بما يتواكب مع هذه الطفرة والا فإن ظلّت هذه القوانين كما هيّ فإنّ الحديث عن حماية حقوق المؤلف ستظل مُجرد كلام خالٍ من المعنى”.
وعن استطاعة الأديب اليوم في صون تفرّد صوته الإبداعيّ وضمان ألا يتحوّل النص الأدبيّ إلى مُجرد بيانات، يُبيّن الحاتمي التحدي المُتعلّق بعُمق الكاتب ودواخله وليس في مُجرد أدواته وأساليبه، فيقول: الكاتب يؤسس لتفرده ليس فقط من خلال الشكل الخارجيّ للنص والذي يُمكن تقليده واستنساخه بسهولة، ولكن التميز يكمُن في عُمق التجربة وتماسّها المُباشر مع الحس الإنسانيّ باختلافاته وتنوّعه، فالتفرد لا يُبنى فقط على غرابة هيكل المادة الأدبيّة بقدر ما يكون في شحن هذا القالب بتجربة إنسانيّة حقيقيّة لا يُمكن لأي برنامج رقميّ استنساخها، ومجابهة هذا التحدي لا تكون في الانصراف إلى انتاج قوالب وأشكال جديدة للنصوص لتجاوز قدرة تطبيقات الذّكاء الاصطناعي، بل يكون في الإخلاص لذلك الصوت العميق في روح الكاتب ومُحاولة الإفراج عنه ليسمعه الآخرون بوضوح.














