
قراءة في ديوان “سبع غرز شفافة” للشاعر الدكتور محمد ربيح حماد
هيام سلوم
منذ زمنٍ طويل لم أقرأ دواوين شعر ونثر غير أنّ عنوان الديوان لفت انتباهي ..“سبع غرف شفافة “
بدأت أقرأ نصوصاً تشي بعالم رمزي مفتوح على التأويل. عنوان يثير الفضول عند الدخول إلى نصوص الديوان،ذات الطابع النقدي الواضح، لكنها لا تعتمد المباشرة أو الخطابية، بل تتوسل السخرية بوصفها أداة فنية لكشف الرياء الاجتماعي والمثالية المصطنعة. يطرح الشاعر من خلال نصوصه أسئلة أخلاقية عميقة: هل كل من يتحدث عن الفضيلة يعيشها حقًا؟ وهل الصورة التي يقدمها الإنسان عن ذاته تطابق جوهره الداخلي؟
تكمن جمالية هذه النصوص في قدرتها على الاحتجاج دون صخب. فالشاعر لا يهاجم، بل يلمّح، ولا يصرّح، بل يراكم الصور والاستعارات التي تُنتج دلالة أكثر عمقًا وتأثيرًا. الألم هنا لا يُروى بوصفه تجربة مباشرة، بل يُعاد تشكيله شعريًا ليغدو تجربة جمالية وفكرية في آن واحد.
في قصيدته «أعدائي»، يوظّف الشاعر سخرية مرّة تكشف التناقض بين الظاهر والباطن. فالأعداء يوصفون بصفات تبدو نبيلة: المثالية، الإخلاص، الثقافة، التصوف، التواضع. غير أن هذا الوصف لا يحمل مدحًا حقيقيًا، بل يفضح ازدواجية القيم، ويعرّي الفجوة بين الخطاب الأخلاقي والممارسة الواقعية. هنا لا يشكو الشاعر أشخاصًا بعينهم، بقدر ما يرصد ظاهرة إنسانية عامة تتجاوز الذاتي إلى الكوني.
وينتقل النص بعد ذلك إلى رسم صورة الكائن الضعيف، من خلال مشهد شعري مكثف يشبّه فيه الشاعر ذاته بطفلٍ محاصر بالنباح، يده خالية من الحجارة. الطفل هنا رمز البراءة والعجز، والنباح رمز التهديد والعدائية. إنها صورة الإنسان الأعزل في مواجهة عالم متشظٍ، عالم يسلب الفرد طمأنينته ويضعه في حالة دائمة من القلق الوجودي.
في مقابل هذا القسوة، يفتح الشاعر نافذة للحب، لا بوصفه عاطفة رومانسية فقط، بل كقوة خلق ومقاومة. حضور الحبيبة يعيد للعالم معناه، أو يعيد للشاعر قدرته على رؤيته ببصيرة مختلفة. العالم لا يتغير في جوهره، لكن زاوية الرؤية هي التي تتحول. وهنا تتحول الحبيبة إلى مساحة حرية، ويغدو الحب فعلًا هادئًا في مواجهة القسوة والزمن.
في مقاطع أخرى في الديوان يعكس خيبة أمل وجودية عميقة، وإحساسًا بانقطاع الصلة بين التطلعات والواقع.
عندما يتحدث عن اغتراب الأحلام، حيث تتحول الأحلام إلى رسائل معلّقة بالأرواح، تخرج بحثًا عن شبيهٍ لها، لكنها تعود خالية الوفاض.
كل مقطع من هذا الديوان يحتاج وقفة تأملية
النصوص فيه كثيفة الدلالة، مشحونة بالصور والاستعارات، وتحتاج إلى قراءات متعددة للكشف عن طبقاتها الجمالية والفكرية.
مواضيع كثيرة تناولها الشاعر الخيانة، والذاكرة، والحزن بوصفه نتيجة لانقسام الذات، حيث يظهر الإنسان ككائن منقسم بين ماضٍ ينهشه وحاضرٍ يخذله.
يمكن القول إن سبع غرف شفافة أشبه بسيرة روحية غير معلنة.
رحلة نفثٍ شعري موثقة بالخسارة والحنين، لكنها لا تستسلم للبكاء أو الشكوى، بل تحوّل الألم إلى موسيقا مبتكرة ونادرة.
ديوان ” سبع غرز شفافة ”
يحكي قصة الإنسان الذي نجا من الجراح، لكنه لا يزال يحمل رمادها مشتعلاً في أعماقه.














