
تساؤلات المواطن العادي بين ضنك العيش ورحاب الانتماء
سالم بن حمدان السيفي
حين يتأمل المرء خارطة الوجود، يدرك أن الأوطان لم تُبْنَ لتكون مدافن للأحلام، ولا ليكون الإنسان فيها عابراً شقياً تتقاذفه أمواج العوز والاحتياج. غير أن شيئاً ما في مسار الواقع قد انكسر، فأمست الحياة معادلة صماء تُستنزف فيها الأنفاس ثمناً للبقاء، وتاهت النفس بين جغرافية الانتماء الفسيحة وضيق ذات اليد. إن الوجع الإنساني لا يكمن فقط في شح الموارد، بل في غياب المعنى؛ فحين تتحول أبسط مقومات العيش إلى جوائز تُمنّ بها الأيدي، أو التزامات تقصم الظهر.وحين يغدو الشاب حائراً على عتبات المنفى أو العزوف، وتطفأ الأنوار وتجف الدلاء في بيوت الصابرين، يفقد العقد الاجتماعي رونقه، ويتحول الوطن من حاضنة دافئة إلى مساحة من الأسئلة المعلقة حول موعد ارتفاع سقف الكرامة ومجيء الفجر الذي يمحو ظلام التيه.
والأصعب من هذا وذاك حين يتحول العيش اليومي من هبة مقدسة للاستخلاف والعمار إلى معركة استنزاف مستمرة، يفقد الإنسان بسببها بوصلته الداخلية، ليجد نفسه تائهاً بين متطلبات الحياة الباهظة وضنك واقع يثقل الكاهل. إنها ليست مجرد أزمة أرقام أو معادلات اقتصادية صماء، بل هي أزمة عميقة تمس جوهر الوجود الإنساني؛ حيث تتحول الروح من حالة التحليق في فضاءات الإبداع والعطاء إلى حالة انكماش دفاعي، يبحث فيها المرء عن مجرد البقاء.
وحينما يتبادر للذهن السؤال القائل ،كيف يعيش المواطن اليوم في مفارقة عجيبة؛ فهو يرى العالم يتحرك بخطى وثابة نحو المستقبل، بينما يظل هو محاصراً بتفاصيل عيشه اليومي، يدور في حلقة مفرغة من الالتزامات التي لا تنتهي.فهل ستكون الإجابة إنها الفجوة بين ما تفرضه متطلبات العصر وبين قدرة الدخل المحلي التي تخلق شعوراً بالاغتراب الداخلي. فلم يعد التحدي مقصوراً على توفير احتياجات الجسد، بل امتد ليهدد استقرار النفس وطمأنينتها، محولاً الحياة إلى سلسلة من الضغوط المستمرة التي تخنق الشغف وتوئد الأحلام.
والأسى الأكبر لا يكمن في قلة ذات اليد وحدها، بل في تجلي شعور المواطن بالغربة في وطنه. فالوطن في وجدان الإنسان ليس مجرد رقعة جغرافية، بل هو الحاضنة الدافئة والأم الرؤوم التي تغدق على أبنائها بلا منّة ولا استئثار. وحين يغيب هذا الشعور بالرعاية الشاملة، ويشعر المواطن أن جهده لا يكافئ، وأن حقه في العيش الكريم منقوص، تبدأ جذور الانتماء تتعرض لهزات خفية. والإنسان أو الطبيعة والفطرية للإنسان تقول لكي يعطي بصدق، لابد أن يشعر أولاً بأنه مكرم، وأن ثمار التنمية ليست شعارات ترفرف، بل واقعاً ملموساً يلامس تفاصيل يومه.
وكلما تحولت الحقوق الأساسية إلى منن، فقد العقد الاجتماعي معناه، وانزلق الإنسان في لجة الشعور بالعوز والهوان.ومن هذا المنطلق علينا تسمية الأشياء بمسمياتها وتوصيفها بدلالاتها، فالعلاج ليس منّة يُمن بها على مريض أنهك المرض جسده، بل هو حق أصيل في كنف وطن يجب أن يداوي أبناءه لا أن يستقوي على أوجاعهم. والتعليم ليس نمطاً استهلاكياً مُكرراً يُفرغ العقول من محتواها، بل هو نافذة النور التي تُشرع على مصراعيها لتبني الإنسان لا لتدجنه. والوظيفة ليست زكاة تُصرف على المواطنين من خيرات بلادهم،
بل هي استحقاق جدارة وعقد شراكة في بناء الصرح الإنساني والوطني. والترقية ليس شفقة ولا مكرمة تُهدى، بل هي اعتراف مستحق بجهد وعرق أُنهمر في مضمار العمل. أمّا رفع الرواتب والأجور فليس استعطافاً، بل هو تعديل ضروري لميزان الحياة حتى لا ينكسر الظهر تحت أثقال الغلاء. وإن تقليل الضرائب ليس قسمة عشوائية، بل هي عدالة ضريبية تعيد توزيع الأعباء بميزان القسطاس. وحين تعاد هيكلة الأرزاق، فإن التسريح ليس جدولاً جافاً للأرقام يُلقى بالبشر في مجهول البطالة، وحين يُفرض غلاء المعيشة وكأنه قدرٌ محتوم، فإنه يتحول إلى قيد ثقيل يقهر النفس الإنسانية؛ فمتى تدرك القرارات أن الكرامة الإنسانية خط أحمر؟
إن أفظع ما يمكن أن يرتكبه الوطن بحق مستقبله هو أن يحول طاقات شبابه إلى مشروع هجرة خفي أو معلن، وكأن الاستثمار الحقيقي بات ترفاً، والجبر على الرحيل قدراً محتوماً.بينما العدالة تقول أن الشباب عصب الأمة وقلبها النابض، وحين تضيق بهم السبل وتتكسر أحلامهم على صخرة غلاء المهور وتكاليف الحياة الباهظة، فإنها تدفعهم قسراً إلى منفى العزوف عن الزواج وبناء الأسرة، مسلوبي الفرحة، معلقي المنى. وكم من شاب وشابة، في زهرة العمر وعنفوان العطاء، تحولوا بفعل العجز وضيق ذات اليد إلى عالة من غير حول ولا قوة على أسرهم المنهكة أصلاً، أسرٍ تقطعت بها السبل ولا يعلم مستقرها ومستودعها سوى الله وحده، في مشهد يدمي البصيرة ويمتحن صبر الأيام.ومن تغيب عنه هذه الحقيقة ،فهو أعمى بصيرة قبل أن يكون مصاب بعمى البصر،
ولانرجو من بين هذه السياقات،أن تغيب مظلة التنمية الاجتماعية الحقة وتتحول إلى شعارات جوفاء، لتتكشف المأساة في تفاصيل العيش اليومي الدقيق؛ فكم من أسرة باتت تتقلب في ظلام دامس لا لشيء إلا لعجزها عن سداد فواتير الكهرباء الثقيلة، وكأن النور بات امتيازاً طبقياً لا حقاً إنسانياً مكفولاً. وكم من أسرة عريقة في صبرها، أُجبرت بمرارة وقهر على إرسال صغارها لجالبيب العطش، يحملون دلاءهم على صغر سنهم لجلب ماء الشرب من أماكن بعيدة بعد أن طالهم سيف فصل المياه القاسي. إن هذه الأمثلة ليست مجرد أرقام عابرة في دفاتر العوز، بل هي شواهد حية على اختلال الميزان، حيث يتحول الإنسان من صانع للحضارة إلى باحث شقي عن قطرة ماء وشمعة ضوء!
السؤال الذي يتردد في كل صدر، ويحمل طابع الأمل المشروع والحيرة الموجعة في آنٍ واحد، متى سيرى المواطن تلك النقلة النوعية؟ نقلة تعيد ترتيب الأولويات، وتنقله من خانة الناجي بأعجوبة إلى خانة الإنسان الفاعل الذي يلامس قفزات الواقع بسعادة وثقة. نقلة تحرره من قضبان التفكير المحبط والقرارات التي تزيد الطين بلة، لتفتفتح أمامه أبواب الأمل وتزيل غشاوة اليأس.
إن الخروج من أتون هذا العسر يتطلب حزمة من التوصيات الإصلاحية الجذرية الكفيلة بتعديل مسارات الحياة برمتها؛ بدءاً من إعادة هندسة السياسات الاقتصادية لتخفيف الأعباء المعيشية عن كاهل الطبقة الوسطى ومحدودي الدخل، مروراً بسن تشريعات حمائية تضمن استقرار الوظائف وتحفظ حقوق العاملين، وصولاً إلى إطلاق برامج وطنية فاعلة لدعم الشباب وتيسير سبل استقرارهم وبناء أسرهم. إن هذه التحولات لا بد أن تتسق مع هيكلة شاملة للرعاية الاجتماعية تمنع انقطاع الخدمات الأساسية كالماء والكهرباء عن البيوت المتعثرة، وتجعل من الإنسان المواطن أولى أوليات الاستثمار والنماء، لا مجرد رقم في معادلات الموازنات الصماء.
والخروج من هذا النفق يستلزم رؤية استراتيجية شجاعة تعيد الاعتبار للإنسان، باعتباره غاية التنمية وسيلتها الأولى. التنمية الحقيقية هي التي تمنح المواطن شعوراً بالكرامة والاطمئنان، وتجعل العطاء حقاً أصيلاً لا منّة فيه، وشراكة وطنية حقيقية لا تكبلاً. وحين تشرق شمس العدالة الاجتماعية والاقتصادية، سيزول تيه النفس، ويعود المواطن ليحمل معاول البناء بعزم لا يلين.











