
الرياضة في الشعر العربي.. سباق بين الذم والمدح
المستشار نعمان عبد الغني
namanea@gmail.com
حضرت الرياضة والأنشطة البدنية والفكرية في الشعر العربي عبر مختلف العصور، وتجلّت في صور متعددة ارتبطت بالفروسية والشجاعة والاستعداد للحرب، كما ارتبطت بالصيد والرماية وركوب الخيل والسباقات، ثم تطورت في العصر الحديث لتشمل مختلف الألعاب الرياضية الجماعية والفردية. ولم يكن حضور الرياضة في الشعر العربي مقتصرًا على المدح والإشادة، بل عرف أيضًا النقد والذم، خاصة عندما تحولت الرياضة إلى وسيلة للتعصب أو اللهو المفرط أو إهدار القيم.
الرياضة في العصور المختلفة
العصر الجاهلي
ارتبط الشعر الجاهلي ارتباطًا وثيقًا بالفروسية؛ فكثيرًا ما اجتمعت في الشاعر صفات الفارس والمحارب. وتنافس الشعراء في وصف الخيل والفرسان والمعارك، والتغني بالقوة والشجاعة والسرعة والقدرة على مواجهة المخاطر.
ومن أبرز الأنشطة التي حضرت في الشعر الجاهلي: الفروسية، وركوب الخيل، والصيد، والرماية، والكر والفر.
العصر الإسلامي والعصر العباسي
استمر حضور الأنشطة البدنية في الشعر العربي، خصوصًا تلك التي ارتبطت بالقوة والاستعداد والدفاع، مثل الرماية والسباق وركوب الخيل والسباحة. كما انعكست في الأدب الثقافة التي تشجع على القوة والنشاط وحسن إعداد البدن.
وفي العصر العباسي، اتسعت مجالات الثقافة والمعرفة، وظهر اهتمام أكبر بالأنشطة العقلية والفكرية، إلى جانب الأنشطة البدنية.
العصر الحديث والمعاصر
شهدت الرياضة تطورًا كبيرًا، وانتقلت من الألعاب التقليدية إلى الرياضات الحديثة المنظمة، مثل كرة القدم وألعاب القوى والألعاب الأولمبية وغيرها. وانعكس هذا التطور على الشعر، فأصبح بعض الشعراء يتناولون الأندية والمنتخبات واللاعبين والبطولات، ويعبّرون عن مشاعر الجماهير تجاه الانتصار والهزيمة.
الرياضة في تراث الشعر العربي
يمكن تصنيف حضور الرياضة في الشعر العربي إلى عدة مجالات، من أبرزها:
أولًا: الرياضة البدنية والفروسية
تمجّد القوة والشجاعة والقدرة على مواجهة الصعاب، وقد ارتبطت الفروسية في التراث العربي بالقيم الأخلاقية، مثل الشجاعة والكرم والنجدة وحماية الجماعة.
ثانيًا: الرياضة الفكرية
ظهرت في صورة الألغاز الشعرية والمحاورات والمساجلات، التي تختبر الذكاء وسعة الاطلاع وقوة الذاكرة، وتجمع بين المتعة والفائدة الفكرية.
ثالثًا: الرياضيات والحساب
وهنا ينبغي التمييز بين الرياضة البدنية والرياضيات؛ فقد استخدم بعض العلماء الشعر وسيلة لتسهيل حفظ العلوم والقواعد، ومن أشهر الأمثلة أرجوزة ابن الياسمين في الجبر، التي عُدّت من الأعمال العلمية المهمة في التراث الرياضي العربي.
حضور الرياضة بين المدح والذم
تطور حضور الرياضة في الشعر العربي من الفروسية والرماية والصيد إلى الألعاب الحديثة، وأصبح الشعر وسيلة للتعبير عن المواقف المختلفة تجاه الرياضة؛ فتارة تكون موضوعًا للفخر والمدح، وتارة أخرى مجالًا للنقد والذم.
جوانب المدح في الشعر الرياضي
1. الإشادة بالبطولات والقيم
مدح الشعراء الفرسان والأبطال لما يمتلكونه من قوة وشجاعة ومهارة وقدرة على تحمل المشاق، وهي قيم ظلت حاضرة في الثقافة العربية.
2. التغني بمهارة الرياضيين والنجوم
في العصر الحديث، اتجه بعض الشعراء إلى الاحتفاء بنجوم الرياضة، ولا سيما لاعبي كرة القدم، وتصويرهم باعتبارهم رموزًا للتميز والإبداع وتحقيق الإنجاز.
3. الرياضة وسيلة للتقارب بين الشعوب
ينظر الشعر إلى الرياضة أحيانًا باعتبارها لغة عالمية قادرة على جمع الشعوب وتقريب المسافات بينها، وتحويل المنافسة إلى فرصة للتعارف والتواصل والتفاهم.
4. الاحتفاء بالانتصار والإنجاز
تحولت البطولات الرياضية إلى مصدر للإلهام الشعري، حيث يعبر الشعراء عن الفرح والفخر والانتماء الوطني من خلال الانتصارات والإنجازات الرياضية.
جوانب الذم والنقد في الشعر الرياضي
لم يكن الشعر العربي دائمًا محتفيًا بالرياضة، بل استخدم النقد والسخرية أحيانًا للتعبير عن سلبياتها أو عن المبالغة في الاهتمام بها.
1. انتقاد التعصب الرياضي
انتقد بعض الشعراء والمثقفين الهوس المفرط بالرياضة عندما يتحول التشجيع إلى تعصب، أو عندما يصبح الانتماء إلى النادي أو الفريق سببًا للكراهية والصراع بين أفراد المجتمع.
2. انتقاد المبالغة في الشهرة والمال
برزت تساؤلات نقدية حول ضخامة الأموال التي يحصل عليها بعض الرياضيين مقارنة بما يحصل عليه العلماء والمفكرون والمبدعون، وما إذا كان المجتمع يحقق التوازن المطلوب في تقدير مختلف أشكال الإبداع.
3. انتقاد العنف والسلوك غير الرياضي
يمكن أن تتحول المنافسة الرياضية، في بعض الحالات، إلى عنف داخل الملاعب أو خارجها، وهو ما يتعارض مع القيم التي يفترض أن تقوم عليها الرياضة، مثل الروح الرياضية والاحترام والتسامح.
4. نقد تحويل الرياضة إلى وسيلة للترفيه المفرط
عندما تتحول الرياضة من نشاط تربوي وصحي وثقافي إلى وسيلة للهروب من المسؤوليات أو الانشغال المفرط، يصبح من المشروع أن يتناولها الشعر بالنقد، دفاعًا عن التوازن بين الترفيه والعمل والعلم والثقافة.
الرياضة والشعر.. علاقة متجددة
إن حضور الرياضة في الشعر العربي يعكس تحولات المجتمع العربي نفسه؛ فقد كانت الفروسية والرماية والصيد عنوانًا للقوة والشجاعة في الماضي، بينما أصبحت كرة القدم والألعاب الأولمبية والبطولات الدولية من أبرز موضوعات العصر الحديث.
وهكذا ظل الشعر مرآة للمجتمع، يمدح الرياضة عندما تجسد البطولة والأخلاق والانتماء والتنافس الشريف، وينتقدها عندما تتحول إلى تعصب أو عنف أو استهلاك مفرط أو وسيلة لإقصاء القيم الثقافية والعلمية.
ومن هنا يمكن القول إن العلاقة بين الرياضة والشعر العربي ليست علاقة عابرة، بل هي علاقة تاريخية متجددة، انتقلت من ساحات الفروسية والميادين القديمة إلى الملاعب الحديثة، وظلت دائمًا مجالًا للتعبير عن القوة والبطولة والمشاعر الإنسانية، وفي الوقت نفسه ساحةً للنقد والحوار بين المدح والذم.











