بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

صيدلية عبري القديمة (1970–1981م).. حكاية من ذاكرة الولاية

عصام الرئيسي

في تاريخ المدن والولايات، هناك قصص قد تبدو بسيطة في ظاهرها، لا تجد طريقها إلى الكتب، ولا تُسجَّل في السجلات الرسمية، لكنها تبقى حاضرة في ذاكرة من ارتبطت بهم تلك القصة؛ لأنها ارتبطت بحاجاتهم اليومية وبحياة مجتمع كان يتشكل ويتغير بصمت، وهي تحمل في تفاصيلها جوانب مهمة من حياة المجتمع وتحولاته. ومن بين هذه القصص التي تستحق التوثيق والوقوف عندها قصة صيدلية عبري القديمة، وكانت واحدة من أوائل الصيدليات التي عرفتها الولاية.

بدأت قصة الصيدلية عام 1970م، في السوق القديم بولاية عبري، وبالقرب من حصن عبري، في موقع كان يمثل آنذاك مركزًا مهمًا للحركة التجارية والاجتماعية في الولاية. وفي ذلك الوقت، كانت الخدمات الصحية والصيدلانية محدودة مقارنة بما هو متاح اليوم، وقد بدأت بالأعشاب الطبيعية وكانت الأدوية والعلاجات الحديثة لا تزال محدودة الوصول بالنسبة إلى كثير من الأهالي.

وسط هذه الظروف، جاءت فكرة تأسيس الصيدلية لتلبي حاجة حقيقية لدى المجتمع.

وقد أسس الوالد خلفان بن عبيد بن خلفان الشكيلي – أطال الله في عمره – صيدلية عبري بمساعدة أخيه الأصغر الفاضل سالم بن عبيد بن خلفان الشكيلي – رحمه الله – . وكان للأخوين دور في تأسيس الصيدلية وتشغيلها، لتبدأ بذلك رحلة استمرت نحو أحد عشر عامًا، قدمت خلالها خدمات مهمة لأهالي عبري والمناطق المحيطة بها.

 ولم يكن الاهتمام بإنشاء الصيدلية وليد تلك المرحلة وحدها، بل يمكن النظر إليه بوصفه امتدادًا لإرث عائلي في خدمة الناس والاهتمام بعلاجهم؛ فقد كان والدهما، الوالد عبيد بن خلفان الشكيلي رحمه الله، معروفًا بالاستعانة بالأعشاب في علاج بعض الحالات في فترة الخمسينات والستينات، كما كان يستخدم الوسم كإحدى طرق العلاج المتعارف عليها في ذلك الوقت لبعض الحالات التي يلجأ فيها الناس إليه طلبًا للعلاج.

وتأتي تفاصيل هذه القصة الجميلة اليوم من رواية الفاضل سعيد بن خلفان الشكيلي، الابن الأكبر للوالد خلفان بن عبيد الشكيلي، الذي عاصر تلك المرحلة واحتفظ بذكرياتها وتفاصيلها، ليكون شاهدًا وراويًا لقصة الصيدلية وما رافقها من أحداث. ومن خلال روايته يمكن استعادة جانب من تاريخ ولاية عبري، وتوثيق تجربة تجارية وصحية فريدة ارتبطت بحياة الأهالي في تلك الفترة.

وكان اختيار السوق القديم بالقرب من حصن عبري موقعًا للصيدلية أمرًا ذا أهمية؛ فالسوق في ذلك الزمن لم يكن مجرد مكان للتجارة، وإنما كان قلبًا نابضًا للحياة اليومية، يقصده الأهالي من مختلف المناطق لقضاء احتياجاتهم والتواصل فيما بينهم. ولذلك أصبحت الصيدلية جزءًا من المشهد اليومي للسوق، ومكانًا يقصده الناس للحصول على ما يحتاجونه من أدوية وعلاجات.

ولم تكن الصيدلية تعتمد على نوع واحد من وسائل العلاج، بل كانت توفر الأدوية الطبية الحديثة إلى جانب الأعشاب الطبيعية التي كانت حاضرة في حياة المجتمع آنذاك. وكانت الأدوية الحديثة تُورّد إليها من مطرح، بالتعاون مع صيدلية مزون وصيدلية مسقط، لتصل إلى أهالي عبري في وقت كانت فيه عملية الحصول على الدواء أكثر صعوبة مما هي عليه اليوم.

وتشير ذاكرة تلك الفترة إلى حجم الحاجة التي كان المجتمع يعانيها، فقد كانت كميات الأدوية التي تصل إلى الصيدلية تنفد بسرعة، نتيجة الإقبال الكبير عليها. وكان ذلك يعكس مدى اعتماد الأهالي عليها، خصوصًا في ظل محدودية الخيارات المتاحة أمامهم للحصول على الأدوية والعلاجات.

ومن هنا يمكن النظر إلى صيدلية عبري باعتبارها أكثر من مجرد نشاط تجاري؛ فقد كانت جزءًا من التحولات التي شهدتها الولاية في تلك المرحلة. فوجود صيدلية توفر الأدوية الحديثة والأعشاب في موقع قريب من الأهالي ساهم في تقريب الخدمة الصحية من المجتمع، وربط الحياة اليومية في عبري بالتطور الذي بدأ يشهده مجال الطب والصيدلة.

وقد استمرت صيدلية عبري في تقديم خدماتها حتى عام 1981م، حين توقفت عن العمل نتيجة اشتراطات صحية وتنظيمية تتعلق بضرورة توفر صيدلي متخصص ذي خبرة اكاديمية. وبذلك انتهت رحلة الصيدلية بعد نحو أحد عشر عامًا من العمل، لكنها لم تنتهِ من ذاكرة الناس الذين عاصروها واستفادوا من خدماتها.

وتكتسب هذه القصة أهميتها اليوم من كونها تأتي من رواية الفاضل سعيد بن خلفان الشكيلي – اطال الله في عمره – الابن الأكبر لمؤسس الصيدلية.
 

وهي رواية تحمل ذاكرة عائلية ومحلية في آن واحد، وتقدم شهادة على مرحلة من تاريخ عبري، حين كان أبناء الولاية يسهمون في توفير احتياجات مجتمعهم في ظل ظروف وإمكانات مختلفة عن عصرنا الحالي.

كما أن في هذه القصة وفاءً لذكرى الآخ العزيز سالم بن عبيد بن خلفان الشكيلي “أبو لؤي” – -رحمه الله –  الذي شارك أخاه خلفان في تأسيس الصيدلية، وكان جزءًا من هذه التجربة التي بقي أثرها في ذاكرة أهالي الولاية.

إن توثيق مثل هذه القصص لا يعني استعادة الماضي لمجرد الحنين إليه، بل هو محاولة لحفظ الذاكرة المحلية للأجيال القادمة. فولاية عبري، بتاريخها العريق وأسواقها وحصونها وحاراتها وأهلها، تحمل الكثير من القصص التي أسهمت في تشكيل هويتها الاجتماعية والاقتصادية والخدمية.

وقد تكون صيدلية عبري قد توقفت عن العمل منذ عام 1981م، إلا أن قصتها ما زالت حاضرة، لأنها تمثل صفحة من صفحات تاريخ الولاية، وشاهدًا على مرحلة كانت فيها الخدمات الصحية في بدايات تطورها.
وهكذا تبقى صيدلية عبري القديمة جزءًا من ذاكرة الولاية، ليس باعتبارها واحدة من أوائل الصيدليات فيها فحسب، وإنما باعتبارها قصة إنسانية وتجارية وصحية تستحق أن تُروى، وأن تحفظ للأجيال القادمة كجزء من تاريخ عبري وأهلها.
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى