بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

الدوري العُماني.. كيف نعيد الجمهور إلى المدرجات؟

ناصر البلوشي

 

 

قبل أن نتحدث عن تطوير الدوري العُماني، وزيادة قيمته الفنية والتسويقية والإعلامية، علينا أن نطرح سؤالاً واضحاً وصريحاً:

لماذا لا يحضر الجمهور مباريات الدوري العُماني بأعداد أكبر؟

السؤال ليس اتهاماً لأحد، ولا هو انتقاد لمجرد الانتقاد، وإنما هو السؤال الذي يجب أن نبدأ منه إذا كنا نريد بناء دوري أكثر حضوراً وتأثيراً وجاذبية.

فالجمهور هو أحد أهم عناصر نجاح أي مسابقة رياضية. وجوده في المدرجات يصنع الأجواء، ويرفع قيمة المباراة إعلامياً وتسويقياً، ويمنح اللاعبين دافعاً إضافياً، ويجعل الأندية أكثر ارتباطاً بالمجتمع.

أين تكمن المشكلة؟

هناك مجموعة من الأسباب التي يمكن مناقشتها بواقعية:

أولاً: فلسفة إدارة الأندية

نحتاج إلى تغيير جزء من فلسفة إدارة الأندية في التعامل مع الجمهور.

الجمهور ليس مجرد شخص يأتي لمشاهدة المباراة ثم يغادر، بل هو شريك في صناعة قيمة النادي.

وهنا نحتاج إلى قدر أكبر من المرونة والابتكار في كيفية التعامل مع الجمهور، من حيث الأسعار، الخدمات، الفعاليات، التواصل، والمزايا التي يحصل عليها المشجع.

ثانياً: مستوى المتعة والتنافس

الجمهور يريد أن يرى مباراة تستحق أن يخصص لها جزءاً من وقته.

المنافسة القوية، سرعة الأداء، الإثارة، الديربيات، قصص المنافسة بين الأندية، واللاعبون أصحاب المهارات والشخصيات المؤثرة، كلها عوامل تجعل المباراة أكثر جاذبية.

لذلك فإن تطوير المستوى الفني للدوري يجب أن يكون جزءاً أساسياً من استراتيجية جذب الجمهور.

ثالثاً: اللاعب المحترف

هل نستطيع جذب لاعبين محترفين قادرين على إضافة قيمة فنية وجماهيرية للدوري؟

المحترف الجيد لا يضيف فقط إلى مستوى الفريق داخل الملعب، بل يمكن أن يكون أيضاً جزءاً من تسويق المسابقة.

الجمهور يريد مشاهدة لاعب يمتلك المهارة والشخصية والحضور، ويستطيع أن يصنع الفارق ويقدم المتعة.

رابعاً: الإعلام والتسويق

لا يمكن أن نطلب من الجمهور حضور مباراة لا يعرف عنها شيئاً أو لا يشعر بأهميتها.

الدوري يحتاج إلى منظومة إعلامية وتسويقية أقوى.

نحتاج إلى صناعة القصص حول المباريات واللاعبين والأندية، وإبراز الديربيات والمواجهات، وإنتاج محتوى قصير وممتع قبل وبعد المباريات، والاستفادة من وسائل التواصل الاجتماعي بصورة أكثر احترافية.

المباراة يجب ألا تبدأ عند صافرة الحكم، بل يجب أن تبدأ قبل ذلك بأيام من خلال الإعلام والتسويق.

خامساً: المنشآت الرياضية

الملعب اليوم ليس مجرد مدرج وملعب كرة قدم.

الجمهور يبحث عن تجربة متكاملة: مواقف سيارات مناسبة، بوابات دخول منظمة، مقاعد مريحة، دورات مياه نظيفة، أكشاك ومطاعم، مناطق للعائلات، شاشات، خدمات رقمية، وأجواء ترفيهية تجعل الذهاب إلى الملعب تجربة تستحق التكرار.

سادساً: أسعار التذاكر

سعر التذكرة يجب أن يكون جزءاً من استراتيجية جذب الجمهور، وليس مجرد وسيلة لتحصيل الإيرادات.

لماذا لا تكون هناك فئات مختلفة للتذاكر؟

تذاكر للعائلات، اشتراكات موسمية، تذاكر للطلاب، عروض للمباريات الجماهيرية، وتذاكر تجمع بين المباراة وخدمات أو مزايا إضافية.

وماذا عن الحلول؟

الحلول ليست مستحيلة، لكنها تحتاج إلى رؤية مشتركة بين الاتحاد والأندية والشركاء التجاريين والإعلام والجمهور نفسه.

يمكن أن نبدأ مثلاً بـ:

1. إطلاق استراتيجية واضحة لجذب الجمهور إلى المدرجات.

والأهم.. أن نغير طريقة التفكير

ربما نحتاج إلى أن نتوقف عن السؤال:

كم تذكرة بعنا؟

ونبدأ بالسؤال:

لماذا سيأتي المشجع إلى الملعب مرة أخرى؟

هذه النقلة في التفكير مهمة جداً.

فإذا حضر المشجع مباراة واحدة ثم لم يعد، فالمشكلة ليست دائماً في الجمهور.

علينا أن نسأل أنفسنا:
هل قدمنا له تجربة تستحق التكرار؟

الدوري الناجح لا يعتمد فقط على جودة اللاعبين والنتائج، بل على منظومة متكاملة من المنافسة، الجمهور، الإعلام، التسويق، المنشآت، الاستثمار، والتجربة الجماهيرية.

تطوير الدوري العُماني ليس مسؤولية جهة واحدة.

ولهذا فإن إعادة الجمهور إلى المدرجات يجب ألا تكون هدفاً موسمياً، بل مشروعاً استراتيجياً لتطوير كرة القدم العُمانية.

وربما يكون السؤال الحقيقي الذي يجب أن نطرحه اليوم:

إذا أردنا أن نرى مدرجات ممتلئة في ملاعبنا، فما الذي سنقدمه للجمهور حتى يختار الملعب بدلاً من مشاهدة المباراة من المنزل؟

من هنا تبدأ عملية التطوير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى