
أصـــداء /العُمانية
يُعدّ وادي السحتن بولاية الرستاق في محافظة جنوب الباطنة بتكويناته الجيولوجية المتميزة وبيئاته الجبلية الصعبة من أكثر أودية سلطنة عُمان ثراءً من حيث وجود القرى الجبلية وثراء الموروث الإنساني فيه.
فأينما كانت وجهتك إلى سهوله ومسارات أوديته أو إلى جباله الشاهقة في كل ركن من هذا الوادي تلوح للزائر القرى الجميلة بما تحويه من واحات النخيل وفنون العمارة التحصينية وبناء المدرجات الزراعية وموروث الحياة للمجتمعات الجبلية ومسارات الطرق القديمة التي كانت آنذاك شريانًا للتواصل والترابط الاجتماعي بين سكان القرى مترامية الأطراف.

وتعد قرية مدروج واحدة من مئات القرى المختبئة في جبال وادي السحتن، تنفرد بموقع محصن طبيعيًّا تستند بيوتها على ظهر جبال الحجر الغربي المتصلة في امتدادها بسلسلة جبل شمس، ورغم صغر القرية إلا أن زيارتها تكشف لك الكثير من جمال التنوع الطبيعي وتمازج الجانب التراثي مع البناء الحديث وتوزع البيوت السكنية على المنحدر الجبلي، وأكسب موقع القرية طقسًا باردًا شتاءً ومتقلب صيفًا، ولكنه بمستوى درجات حرارة أقل من القرى الموجودة في سهل الوادي المحيط بها.

كما تعد قرية مدروج في وادي السحتن إحدى الوجهات الجبلية التي يمكن زيارتها لاكتشاف طابع الحياة الريفي وتضاريس البيئة المحيطة، واكتشاف مسارها الزراعي وما يوفره للزائر من تجربة جميلة بين الجانبين التراثي والطبيعي.

وقال الدكتور المعتصم بن ناصر الهلالي مدير إدارة التراث والسياحة بمحافظة جنوب الباطنة في تصريح لوكالة الأنباء العُمانية إن تسمية القرية بمدروج يعود وفق ما أشار إليه الأهالي إلى تدرج فلجها المنحدر من عمق الجبال المحيطة، حيث تم تغيير مسارات الفلج لأكثر من 3 مستويات على مر السنين مرورًا بمستويات زراعية مختلفة، والبعض يرجع أصل التسمية إلى كثرة المدرجات الزراعية التي تشتهر بها القرية.
وأضاف أنه في كل الحالات فإن كلمة مدروج تعود في الأصل إلى تدرج مستويات الأرض وبناء تقسيمات القرية بما تحويه من فلج ومساكن ومدرجات زراعية.
ووضح أن الجانب التراثي في قرية مدروج يتمثل في جانب العمارة القديمة للتحصينات الدفاعية، حيث توجد في القرية أبراج صغيرة مبنية بالحجارة والجص، وما زالت معالمها بارزة في غالب أجزائها مثل برج السراة وبرج الجنور ولمشاهدتها لا بد من تتبع المسار الزراعي في أسفل المنطقة السكنية.
وذكر أنه في بداية المدخل الشرقي من القرية يوجد برج يسمى برج البويمة مبني على صخرة كبيرة استغل موقعها وشكلها المنبسط في الأعلى لبناء هذا البرج للمراقبة، ومساجد صغيرة بنيت بين واحات النخيل وما زالت معالمها ظاهرة بطابعها العمراني ومحاريبها القديمة.
وأشار مدير إدارة التراث والسياحة بمحافظة جنوب الباطنة إلى أن مسار فلج المدروج يُعد أحد أبرز ما يمكن مشاهدته في زيارة هذه القرية وهو من الأفلاج العينية المعروفة بثبات جريانها على مدار العام، موضحا أن تاريخ إنشاء الفلج يعود إلى عام 767 هجري وتم توثيق هذا التاريخ بنقش حجري محفور على إحدى الصخور الواقعة بالقرب من منبعه، أي أن هذا النقش يوثق بداية تدفق مياه الفلج التي تعود إلى ما يزيد على 650 سنة ميلادية، وتسمى عين الماء التي ينبع منها فلج مدروج بعين الحبن، لكثرة أشجار الحبن عند منبع العين وبداية مسار الفلج.
وبين أن قناة الفلج الحالية والتي تعرف بالساقية أعيد بناؤها بالمواد الحديثة في كثير من أجزاء المسار الزراعي المتفرع داخل المنطقة الزراعية ويمكن مشاهدة بقايا الساقية القديمة ذات الإبداع الهندسي التراثي والمبنية بالجص والحصى في نهاية المنطقة الزراعية للقرية وعلى وجه الخصوص ساقية الفلج المنحدرة إلى منطقة حيل أولاد بدر، وهي آخر المزروعات التي يرويها هذا الفلج في الوقت الحالي.
وقال الدكتور المعتصم بن ناصر الهلالي مدير إدارة التراث والسياحة بمحافظة جنوب الباطنة إن قناة الفلج تمتد لمسافة تزيد على 3 كيلومترات بدءًا من منبعه إلى آخر مكان تصل إليه مياهه، أما الإبداع الهندسي لهذا الفلج فيمكن الوقوف عليه ومشاهدة قناته المعلقة والمرتفعة على مجرى الوادي في الجزء الواقع بين قرية مدروج وحيل بدر.
وأضاف أن الآثار تشير إلى أن مسار الفلج ممتد لمواقع إلى ما بعد قرية حيل أولاد بدر لمناطق تسمى بالحيول، وهي مناطق ذات تربة خصبة ونوعية، غير أنه مع شح المياه اقتصر الري على قرية حيل أولاد بدر.
وأشار إلى وجود عين ماء مشتركة بين القرى الثلاث مدروج والهوب وحيل أولاد بدر تسمى عين السن وتنبع من أعلى المنحدر الواقع بين قريتي مدروج والهوب.
وبين أن قرية مدروج تتصل بمسارات طرق قديمة تربطها بالقرى المجاورة، منها حيل أولاد بدر البشوق والهوب وقرية والحاجر والمزرع ووجمة والفراعة وغيرها من القرى الجبلية المحيطة، كما توجد مسارات جبلية باتجاه القرى الواقعة في قمة جبل شمس، ويعد المسار المؤدي إلى قريتي كرب والمارات من أبرز المسارات وأكثرها صعوبة لعبوره قمة جبل شمس، ويمر المسار بالقرب من بركة مياه طبيعية تسمى بجباة قيلة، حيث كانت ذات عمق كبير سابقا تصل لأكثر من عشرين مترًا، وتمتاز هذه الجباة باستمرار توفر المياه فيها، وعلى طول هذه المسارات يمكن مشاهدة أنواع مختلفة من الأشجار البرية كأشجار العلعلان، والزيتون البري (العتم)، والبوت، والنمت، والسدر البري (القصم)، والشوع، والقفص وغيرها.
وأكد الدكتور المعتصم الهلالي على أن المسارات الجبلية الموجودة في القرية تعد من المقومات السياحية الواعدة التي يمكن استثمارها في تنشيط سياحة المغامرات لما تتميز به من طبيعة خلابة وتنوع تضاريسي يجذب محبي الاستكشاف والتحدي، وتتيح ممارسة العديد من الأنشطة مما يسهم في جذب السياح وزيادة الحركة الاقتصادية في المنطقة، إضافة إلى تعزيز الوعي بأهمية الحفاظ على البيئة الطبيعية واستدامتها.














