
الفضاء والذكاء الاصطناعي آفاقٌ جديدةٌ للشباب العُماني
أصـــداء / العُمانية
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم في مجالات التقنيات المتقدمة، يبرز اهتمام الشباب العُماني بالذكاء الاصطناعي وعلوم الفضاء بوصفه أحد ملامح الوعي المعرفي الجديد، الذي يجمع بين الطموح العلمي والرغبة في الإسهام الفاعل في بناء اقتصاد قائم على الابتكار والمعرفة، مدعومًا بالمبادرات الوطنية والبرامج المؤسسية التي تسعى إلى تمكين الشباب للمشاركة في رسم رؤية المستقبل التقني لسلطنة عُمان.
ويشكل الذكاء الاصطناعي أحد أبرز المجالات التي استقطبت اهتمام الشباب العُماني في ابتكار حلول تقنية متقدّمة في مختلف القطاعات الحيوية، الأمر الذي انعكس على تنامي المبادرات الوطنية الهادفة إلى بناء القدرات وتأهيل الكفاءات الوطنية القادرة على توظيف هذه التقنيات بوعي ومسؤولية.

وحول أهم المبادرات التي نفذتها وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات لدعم أفكار الشباب العُماني في الذكاء الاصطناعي، وضحت طوعه بنت عبد الله آل داوود رئيسة قسم التطوير والدراسات بالمركز الوطني للفضاء والتقنية المتقدمة والذكاء الاصطناعي، أن الوزارة نفذت مبادرة برنامج “صناع الذكاء الاصطناعي”، الذي ركز على بناء القدرات الوطنية وتمكين الشباب من إنتاج المعرفة العلمية المتخصصة في مجال الذكاء الاصطناعي، من خلال إعداد ونشر دراسات بحثية وربط مخرجاتها بتحديات واقعية في مختلف القطاعات.

وأضافت في تصريح لوكالة الأنباء العُمانية، أنه ضمن هذه الجهود نفذت الوزارة مسابقة “هندِسْها بالذكاء الاصطناعي” تهدف إلى استقطاب المواهب الشابة وتوجيه شغفهم بالذكاء الاصطناعي نحو تطوير حلول تقنية وتطبيقية مبتكرة تخدم القطاعات المختلفة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، مشيرة إلى أن هذه المسابقة وفرت بيئة تنافسية محفزة مكنت الشباب من العمل ضمن فرق متعددة التخصصات، وتطوير نماذج جاهزة للاستخدام بما يعزز فرص تبنّي هذه الحلول وتطويرها مستقبلًا.
وفي إطار مبادرة اقتصادات الذكاء الاصطناعي، بينت أن الوزارة وبالتعاون مع وزارة الاقتصاد عملت على حصر التحديات والمشروعات في مختلف القطاعات التي يمكن أن تسهم تقنيات الذكاء الاصطناعي في إيجاد حلول لها، ومن ثم ربط هذه التحديات بالشركات الناشئة التي يديرها شباب عُمانيون، لتمكينهم من تطوير حلول مبتكرة تلبي احتياجات الجهات الحكومية، وتفتح في الوقت ذاته فرصًا اقتصاديّة واستثماريّة جديدة.
وأكدت على أن هذا النهج أسهم في تحويل الابتكار إلى قيمة اقتصادية فعلية، ودعم نمو الشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي إلى جانب دعم أفكار الشباب العُماني في مجال الذكاء الاصطناعي من خلال نهج متكامل يهدف إلى تحويل شغفهم بالتقنيات المتقدمة إلى مسارات ابتكار عملية ترتبط باحتياجات القطاعات الحيوية، وتعزز دورهم كشركاء فاعلين في بناء مستقبل الذكاء الاصطناعي ودعم مسيرة التحول الرقمي والتنمية المستدامة في سلطنة عُمان.

من جانبه قال أحمد بن سيف الرئيسي مدرب معتمد في الذكاء الاصطناعي حول اهتمامه والدافع الذي جعله يختار هذا المجال، إن بداية اهتمامه جاءت من واقع عمله في مجال التحول الرقمي، حيث كان يلاحظ وجود فجوة واضحة بين الإمكانات التقنية المتاحة وطريقة استخدامها الفعلية داخل المؤسسات موضحًا أنه في البداية لم يكن الذكاء الاصطناعي هدفه بحد ذاته، بل أداة استخدمها لتقليل الاعتماد على الإجراءات اليدوية ودعم اتخاذ القرار لكن مع تسارع تطور النماذج التوليدية، جعله يدرك أن الذكاء الاصطناعي لم يعد خيارًا تقنيًّا بل عنصرًا استراتيجيًّا يلامس التعليم والقطاعات المهمة في سوق العمل بشكل مباشر، مما دفعه للتعمق في الفهم والتعلم المنهجي للتقنيات الذكاء الاصطناعي، ثم الحصول على الاعتمادات الدولية في مجال التدريب، والمشاركة في المسابقات الدولية التي أثرت الجانب الإبداعي على العديد من الأعمال المرئية.

وبين أنه يشعر بمسؤولية عالية كونه يمثل جزءًا من صياغة الاستخدام المسؤول وفق الضوابط الأخلاقية في استخدام التقنية، فالذكاء الاصطناعي سلاح ذو حدين؛ يمكن أن يكون أداة تمكين أو عامل إقصاء إذا أسيء استخدامه أو فهم بشكل خاطئ مشيرا إلى أن المسؤولية لا تقتصر على تعليم كيفية استخدام الأداة بل تمدد إلى توضيح أسباب استخدامها وتوقيت عدم استخدامها، مع ضرورة نقل هذا الوعي بصورة واضحة تسهم في بناء عقلية نقدية لدى المتدربين، حتى يكون الذكاء الاصطناعي داعمًا للوظائف وليس بديلًا غير مدروس عنها.
وفي سياق متصل بالتقنيات المتقدمة، يمتد اهتمام الشباب العُماني إلى علوم الفضاء على المستويين العلمي والتطبيقي، وقد أسهمت المبادرات الوطنية التي تقودها وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات، إلى جانب جهود الجمعية العُمانية للفلك والفضاء على تمكين الشباب المهتمين بقطاع الفضاء من تطوير مهاراتهم المعرفية، والانتقال بهم من دائرة الاهتمام النظري إلى المشاركة الفاعلة في البحث العلمي وتطوير صناعة التقنيات الفضائية.

وقال عمر بن حمدان الحوسني عضو مجلس إدارة الجمعية العُمانية للفلك والفضاء إن العالم يشهد تحولًا متسارعًا لقطاع الفضاء من مجالٍ علمي نخبوي إلى أحد المحركات الرئيسة للاقتصاد المعرفي والابتكار التكنولوجي، الأمر الذي يبرز أهمية الدور الذي تقوم به المؤسسات العلمية والمجتمعية في إعداد الكوادر الوطنية وتمكين الشباب من الانتقال من موقع المتلقي للشغف والمعرفة إلى موقع الفاعل والمشارك في البحث والتطوير وصناعة المستقبل مشيرًا إلى أن الجمعية العُمانية للفلك والفضاء تؤدي هذا الدور بوصفها الذراع المجتمعي لقطاع الفضاء العُماني من خلال رؤية واضحة وبرامج عملية تراكمية تستهدف بناء الإنسان قبل التقنية.

ووضح أن الجمعية منذ إشهارها في عام 2008م، ركزت على التفاعل مع اهتمام الشباب بالفلك والفضاء باعتباره طاقة كامنة قابلة للتحول إلى مهارات وقدرات بحثية وتطبيقية، وليس مجرد شغف نظري أو استهلاك معرفي، حيث تجسد هذا التوجه في سلسلة من المبادرات النوعية، أبرزها البرامج التدريبية المتخصّصة في تصميم وبرمجة الأقمار الصناعيّة المكعبة، وحلقات العمل التي ركزت على منهجية التفكير الهندسي المتكامل في بناء الأقمار الصناعية الصغيرة، إلى جانب المشاركة في برامج دولية مثل INSPIRE، الذي أسفر عن مشاركة عُمانية فعلية في تصميم وبناء وإطلاق القمر الصناعي INSPIRESat1″-“، وهو إنجاز مفصلي نقل الشباب من مقاعد التدريب إلى ميادين العمل الفضائي الحقيقي.
وأكد على أن قطاع الفضاء لم يعد حكرًا على وكالات الفضاء الكبرى، بل أصبح منظومة متكاملة تتقاطع مع قطاعات الاقتصاد والبيئة والأمن والاتصالات والتعليم والذكاء الاصطناعي. وفي هذا السياق، يفتح قطاع الفضاء العُماني المدعوم بالسياسة الوطنية للفضاء والبرنامج التنفيذي (2023–2033)، آفاقًا واسعة أمام الشباب على مستوى الوظائف النوعية أو ريادة الأعمال أو البحث العلمي ملفتا إلى أن الجمعية العُمانية للفلك والفضاء تدرك أهمية إعداد الشباب لهذه الفرص، ولذلك عملت على مواءمة برامجها مع احتياجات السوق المستقبلية، وربط التدريب النظري بالتطبيق العملي، وتعزيز ثقافة الابتكار وريادة الأعمال التقنية، بما ينسجم مع مستهدفات التنويع الاقتصادي في سلطنة عُمان.
وأضاف في تصريحٍ لوكالة الأنباء العُمانية أن الجمعية تسعى إلى مخاطبة الشباب بلغة العصر وأدواته من خلال مبادرات تفاعلية تجمع بين المعرفة والتجربة، فمشاركتها السنوية في أسبوع الفضاء العالمي، وتنظيم المحاضرات وحلقات العمل في المدارس والجامعات، واستضافة الفعاليات العلمية، وكلها تهدف إلى جعل علوم الفلك والفضاء قريبة من الشباب، ومتصلة بواقعهم وتطلعاتهم، إلى جانب اهتمام الجمعية بتطوير المحتوى التعليمي من خلال مشاركتها في إعداد وثيقة المفاهيم الفضائية والفلكية في المناهج الدراسية العُمانية، بما يسهم في بناء وعي مبكر لدى الطلبة حول الثقافة العلمية العامة للعلوم الفضاء.
وأشار إلى أن الذكاء الاصطناعي يشكل أحد أبرز محركات التحول في قطاع الفضاء عالميًّا، لما يوفره من قدرات غير مسبوقة في تحليل البيانات الضخمة واتخاذ القرار الذاتي وتحسين كفاءة الأنظمة الفضائية، وفي السياق العُماني نجد توظيف الذكاء الاصطناعي في مجالات الفضاء يمثل فرصة استراتيجية لتعظيم العائد من الاستثمارات الفضائية وتسريع بناء القدرات الوطنية في معالجة صور الأقمار الصناعية والتنبؤ بالظواهر المناخية وإدارة الكوارث وتحسين دقة الملاحة الفضائية وتشغيل الأقمار الصناعية ذاتيًّا، إضافة إلى دعم البحث العلمي في علوم الفلك من خلال تحليل البيانات الرصدية المعقدة مؤكدًا على أن الجمعية تعمل على تعزيز وعي الشباب بأهمية هذا التكامل بين الفضاء والذكاء الاصطناعي، من خلال إدماجه في برامجها التدريبية وتشجيع المشروعات الطلابية والبحثية التي تستثمر هذا التقاطع، بما ينسجم مع توجهات المركز الوطني للفضاء والتقنية المتقدمة والذكاء الاصطناعي، ورؤية عُمان المستقبلية.

من جانبها، تحدثت غيداء بنت خالد الجابرية عن تجربتها كمشاركة في برنامج مسرّعة عٌمان للفضاء، والتي حولت اهتمامها بالفضاء من شغف علمي إلى المشاركة في إعداد المشروعات الفضائية ضمن برنامج مسرعة عُمان للفضاء، قائلة: “إن الفضاء بوابة للتفكر في خلق الله، والسماء مصدر إلهام لتوسيع المدارك والعلوم ومن أروقة الجامعة نحو رحلة الفلك وفهم أنماط الكون رحلة صقلت فيها نفسي للتحول الحقيقي الذي انبثق من إدراك تقنيات الفضاء التي لم تقتصر على البحوث العلمية فحسب، وإنما وسائل نتداولها يوميًّا في مواكبة التطور من خلال مراقبة الأرض وتحليل الموارد الحيوية والبيئية وإدارة المدن مما يسهم في التطوير و اتخاذ القرار في التقدم الحضري”.
ووضحت أنه في كثير من الأحيان يجري الاعتماد على أدوات جاهزة وبرمجيات متقدمة دون إدراك عميق للأساس العلمي والرياضي الذي تقوم عليه البيانات الفضائية، وهو ما قد يؤدي إلى نتائج غير دقيقة أو قرارات مبنية على فهم ناقص مشيرة إلى أن هذه النقطة تشكل لها القناعة بأن الفضاء ليس منتجًا يستورد أو تقنية تطبق بل منظومة معرفية تبدأ من العلم وتنتهي بالتطبيق.
وترى أنه بالإمكان إدخال الفضاء ضمن أولويات التنويع الاقتصادي في سلطنة عُمان عبر بناء القناعة المؤسسية بدور بيانات الفضاء في دعم التخطيط الحضري والبيئي وإدارة المخاطر والكوارث المناخية، ثم الانتقال إلى مرحلة المشروعات التجريبية ذات الأثر السريع، التي تسهم في إظهار القيمة العملية لتقنيات الفضاء وتحويلها إلى خدمات تشغيلية قابلة للقياس.














