ثقافة وأدب

قراءة في رواية اليتامى

حسين البراهيم

 

 

قبل أشهر قليلة، ذهبت إلى مكتبة جرير، كعادتي وهواية أحب ممارستها، لأتصفح الكتب وأقتني ما يستهويني منها. وبين رفوف المكتبة المزدحمة لفت انتباهي كتاب يحمل عنوانًا جذابًا من الوهلة الأولى: «أحضان تنبت الأقحوان» للكاتبة نبيلة محمد.

قررت أن أقرأ منه بضع صفحات لأكوّن انطباعًا أوليًا عنه، ثم أحدد ما إذا كنت سأشتريه أم أعيده إلى مكانه. وما إن بدأت القراءة حتى وجدت نفسي أمام قصة مؤثرة تحكي عن فتاة يتيمة فقدت والدها وهي لم تتجاوز الشهرين من عمرها. عاشت طفولتها في ظروف قاسية، خاصة بعد أن بلغت والدتها سن اليأس، فتولت أخواتها وإخوتها رعايتها. ومن المواقف الجميلة التي استوقفتني حديثها عن أول هدية حصلت عليها بعد نجاحها في الصف الخامس الابتدائي، وكانت دمية أيقظت في داخلها مشاعر الأمومة مبكرًا.

وخلال أحداث الرواية، يكتشف القارئ حجم المعاناة التي عاشتها هذه الفتاة؛ فقد جمعت بين مرارة اليتم، وابتلاء تأخر الإنجاب، والألم النفسي الذي كانت تسببه لها الأسئلة الفضولية من المحيطين بها، مثل: «لماذا لم تحملي حتى الآن؟ وهل المشكلة منك أم من زوجك؟». ومع ذلك، كانت تتحمل بصمت، وتحفظ سر زوجها، دون أن تسمح لأحد بانتهاك خصوصيته.

ومن الطبيعي أن تمر فتاة بهذه الظروف بأحزان وآلام متلاحقة، لكن الرواية تؤكد أن اللجوء إلى الله هو الملاذ الحقيقي، فهو وحده القادر على تبديل الأحوال وجبر الخواطر.

وفي أحد الأيام، ذهبت في نزهة إلى كورنيش الفناتير بمدينة الجبيل، فرأت طفلًا صغيرًا يلهو مع أسرته، فداعبتْه، وتسلل إلى قلبها أمل كبير بأن يأتي يوم تحمل فيه طفلًا بين ذراعيها.

ومن هنا بدأت تراودها فكرة احتضان طفل يتيم. وعندما شرعت في البحث، توجهت إلى مقر الندوة العالمية للشباب الإسلامي، حيث استفسرت عن إجراءات الاحتضان، فوجدت من أحد الموظفين كل تعاون ومساعدة. وبعد استكمال الإجراءات، رُزقت بطفل أطلقت عليه اسم جبل، وهناك بدأت مشاعر الأمومة تتجذر في قلبها، وتنمو يومًا بعد يوم.

ومن أجمل الاقتباسات التي وردت في الرواية:

«مشاعر الأمومة كالبذور؛ كلما زُرعت في تربة، وسُقيت بالماء، نمت وتجذرت، وأورقت، وأزهرت، وأثمرت. ومشاعر أمومتي لجبل تتجذر في داخلي، وتتفرع، وتزهر في روحي، وتثمر، وتكبر يومًا بعد يوم، وتتعاظم.»

ختامًا، أعبر عن إعجابي الكبير بهذه الرواية، انطلاقًا من ذائقتي الشخصية، بعيدًا عن معايير الانتشار أو التسويق أو الدعاية. وأكثر ما شدني فيها هو صبر البطلة وصلابتها في مواجهة قسوة الحياة؛ فلم تستسلم لليأس، ولم تجعل الألم يهزمها، بل قاومت الظروف، وتمسكت بالأمل، وسعت إلى أن تصنع لحياتها معنى جديدًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى