
كتاب عن “بنية الحكي” في سرديات الدكتور سعيد السيابي
أصـــداء /العُمانية
ينطلق الباحث العراقي الدكتور سعد التميمي في كتابه “بنية الحكي وتحولاته في سرديات سعيد بن محمد السيابي”، من أن الحكاية ليست شكلًا ثابتًا، بل هي كيان حيّ يتبدل عبر مسارات السرد محتفظًا بجوهره الإنساني، وهو ما يفتح تجربة السيابي على أفق التجريب ويعيد مساءلة حدود الأجناس الأدبية.
ويضم الكتاب الصادر حديثًا عن “الآن ناشرون وموزعون” بالأردن في نحو 130 صفحة، دراسة تحليلية تأويلية معمّقة، ينهض بها التميمي لمقاربة التجربة السردية للكاتب العُماني الدكتور سعيد السيابي، بوصفها مشروعًا حكائيًّا متكاملًا، لا مجموعة تجارب متفرقة تتوزع بين أجناس أدبية مختلفة. ويرى التميمي أن حكي السيابي، على تعدد أشكاله من القصة القصيرة جدًّا إلى القصة القصيرة فالرواية، يحتفظ بخيوط داخلية ناظمة تمنحه وحدة عميقة، ارتبطت إلى حد كبير بالواقع العُماني وبالتراث.
وتنطلق الدراسة من فرضية مركزية مفادها أن القصة القصيرة جدًّا عند السيابي هي مختبر أولي لتكثيف الحكاية واختزالها إلى حدها الأدنى، حيث تتقاطع المفارقة مع الإيحاء، بينما تشكّل القصة مساحة أوسع لتنامي الحدث وتداخل الأصوات، في حين تتيح الرواية عنده فضاءً رحبًا لتجريب أشكال أكثر تعقيدًا من السرد، أبرزها الميتاسرد وتفكيك البنية الحكائية.
ويجمع الكتاب ثلاثة فصول، مع مدخل نظري لكل منها يضيء الإطار المفاهيمي للجنس الأدبي المدروس، تمهيدًا للانتقال من التنظير إلى التطبيق النصي. ويحمل الفصل الأول عنوان “المفارقة في القصة القصيرة جدًّا عند سعيد السيابي”، ويقرأ فيه التميمي نصوص هذا الجنس بوصفها فضاءً للمفارقة وبنية عميقة تنظم الحكاية وتعيد توزيع عناصرها، بما يفضي إلى انزياح في التوقع وإيجاد توتر بين ما يُقال وما يُضمر، وهنا يتوقف عند مجموعات السيابي القصصية القصيرة جدًّا: “رغيف أسود” (2015)، و”أحلام الإشارة الضوئية” (2016)، و”المبراة والقلم” (2018)، و”مشا.. كيك” (2019)، و”من الحب” (2021)، متتبعًا كيف تتوزع المفارقة في هذه النصوص بدءًا من العنوان بوصفه عتبة نصية موازية، مرورًا بالاستهلال والمتن، وصولًا إلى النهايات التي تبلغ فيها المفارقة ذروتها.
ويكشف الفصل أيضًا عن الخلفية المسرحية التي يستثمرها السيابي في بناء نصوصه القصيرة جدًّا، حيث يوظّف حساسية المشهد وكثافة الحوار الضمني واقتصاد الحركة، بما يجعل النص أقرب إلى لقطة درامية مكتملة تُبنى على لحظة انكشاف حاسمة. ويستعين التميمي في تحليله بمرجعيات نظرية متنوعة، من جيرار جينيت في مفهومَي “المدة” و”الحذف” السرديين، إلى رولان بارت في فكرة “لذة النص”، وتزفيتان تودوروف في مفهوم “التحول السردي”، إضافة إلى آراء نقاد عرب من بينهم صلاح فضل ويوسف وغليسي، في مقاربة تجمع بين الأدوات السردية الحديثة والحساسية النقدية العربية.
أما الفصل الثاني، فيحمل عنوان “حين تتلألأ النجوم تنبثق الحكاية: قراءة في المجموعة القصصية (اثنتا عشرة نجمة)”، ويعالج فيه المؤلف بنية القصة عند السيابي، من خلال تتبع أنماط بناء الحكاية، والعلاقة بين العنوان والنص، وتوظيف الرمز والصورة، إلى جانب التركيز على تمثيلات الذات والعالم. ويسبق هذا الفصلَ تمهيد نظري حول القصة بوصفها جنسًا سرديًّا يمتاز بالتوازن بين التكثيف والامتداد، وبالقدرة على التقاط لحظة دالة ضمن سياق إنساني أوسع.
ويخصص الفصل الثالث، الذي يحمل عنوان “تحولات الحكي في روايات السيابي: من تمثلات التراث إلى أفق الميتاسرد… العبور المزدوج”، وقفتين قصيرتين عند روايتي “جبرين وشاء الهوى” و”الصيرة.. تحكي”، تليهما دراسة مفصلة بعنوان “من الرحلة إلى الميتاسرد.. قراءة في رواية (جسور متداعية)”، حيث يُقارب المؤلف النص الروائي بوصفه بنية مركّبة تتداخل فيها مستويات الحكي، ويتحول فيها السرد إلى موضوع لذاته، ويقدم هذا الفصل عبر تمهيد نظري حول الرواية بوصفها جنسًا مفتوحًا قادرًا على استيعاب مختلف الأشكال والخطابات، وعلى مساءلة ذاته عبر تقنيات الميتاسرد والتشظي البنيوي.
ويوضح التميمي في مقدمته أن ما يجمع فصول الكتاب، على اختلاف موضوعاتها، هو الانشغال بسؤال الحكي: كيف تُبنى الحكاية؟ وكيف تتحول؟ وكيف تُنتج معناها عبر تقنيات سردية مختلفة؟ كما يجمعها الاهتمام برصد العلاقة بين الشكل والمضمون، وبين التقنية والدلالة، وبين البنية والتمثيل، منوّهًا إلى أن النصوص المدروسة لا تُقرأ كأنساقٍ دلالية تتشكل عبر اللغة والسرد.
ويشير إلى أن الكتاب اعتمد مقاربة تحليلية تأويلية تستفيد من منجزات السرديات الحديثة، ومن بعض المفاهيم التي طورتها الدراسات النقدية المعاصرة، مع “تجنب الوقوع في أسر التنظير المجرد أو فرض نماذج جاهزة على النصوص”، إذ لم تكن الغاية تطبيق نظرية بقدر ما كانت الإصغاء إلى النص ومحاولة الكشف عن منطقه الداخلي وخصوصيته الجمالية.
ويرى التميمي أن اختيار تجربة سعيد السيابي موضوعًا للكتاب جاء من قناعة أن هذه التجربة تمثل نموذجًا جديرًا بالدراسة في السرد العربي المعاصر، لما تنطوي عليه من تنوع في الأشكال وجرأة في التجريب وقدرة على استثمار الإمكانات التعبيرية لكل جنس أدبي، فهي تجربة تتحرك بين الاقتصاد اللغوي في القصة القصيرة جدًّا، والتوازن البنيوي في القصة، والانفتاح التركيبي في الرواية.














