ثقافة وأدب

قراءة في رواية “دمشق تغني ليوسف وسليمى” للروائية هيام توفيق سلوم

محمود عزيز إسماعيل

 

 

صحيح إنها رواية لا تتجاوز الثالث صفحات بعد المئة، لكنها جديرة بالاهتمام لما تحمله من مشاعر وأفكار ودلالات.

تتحدث الكاتبة عن قصة حقيقية حدثت ذات حب عاصف في مدينة دمشق في مطلع الخمسينات من القرن الماضي، وجعلت من هذه القصة نواة لروايتها. ظلت عالقة في خاطري، إذ انتهيت من قراءة الرواية في يوم واحد، لكن مفاعيلها تبقى. فالأديبة هيام لم تكتب روايتها لتخلّد قصة أو واقعة خلّدتها الذاكرة الجمعية للدمشقيين، بل أرادت أن تضيف شيئًا يلامس الروح والقلب دون أن يتجاهل العقل، وهذا ما كان فعلاً.

أجمل ما في الرواية أن كاتبتها اتخذت من البطلين يوسف وسليمى مادة حية لتطرح أفكارها وأحاسيسها، وكأنها هي الضحية والبطلة في آن.

تبدأ أديبتنا الإهداء برسالة واضحة لا لبس فيها: “إلى كل عاشق كتب على جدار الوجود أغنيته الخاصة، وترك بين السطور أنفاسه كي لا يضيع صوته في صخب العالم، إلى كل قلب انكسر مرة ثم نهض من رماده أقوى، إلى كل شريف في الحب وهب روحه دون حساب، إلى يوسف وسليمى الساكنين فينا.” لتختم:”إلى كل من سيأتي بعدنا ليحب بلا خوف، بلا حدود، بلا ندم، فالحب وحده ما يجعلنا جديرين بالحياة.” إنه إهداء بسيط بكلماته، عظيم في جوهره، عميق في دلالاته.

إنه دعوة واضحة للتمرد على نواميس وأعراف عفا عنها الزمن، ودعوة لمواجهة أحزاننا ومخاوفنا بكثير من الشجاعة، لأن الخنوع لها يجردنا من إنسانيتنا التي جوهرها المحبة بمفهوميها الكوني والخاص.

وكأن أديبتنا تجزم أن يوسف وسليمى ليست حكاية عاشق وعاشقة، بل هي حالة جمعية موجودة فينا جميعًا. الفرق أنهما واجها فخاخ العادات والتقاليد البالية، ونحن خنعنا وحبسنا مشاعرنا داخلنا فخنقناها وخنقتنا. هما تحلّيا بالشجاعة، ونحن لبسنا الجبن فعشنا الموت على دفعات. الشاعر الجميل نوفل لياس وصوت زكية حمدان المغنية الرائعة أعطيا القصة من روحهما ما يليق، فغدت أجمل وأجمل.

لكن الروائية هيام سلوم لم تكتفِ بتسليط الضوء على القصة، بل صنعت منها مادة حية لتخاطب من خلالها قلب وعقل وضمير المجتمع وتواجهه. بمعنى آخر؛ نوفل وزكية عاشا الحالة بصدق وانغمسا بها، لكنهما اكتفيا بذلك، أما هيام فقد جعلت من الحكاية نواة لعمل روائي مشغول بنبض القلب ونشيج الروح، حتى كأنها هي من عشق ومن عانى ومن ضحّى.

ولم تكتفِ بذلك، بل سألت الأسئلة الكبيرة وطرحت الأفكار الجريئة دون انفعال، وكأنها طبيب شخص الحالة بوعي ونضج، وأشار إلى مكامن الخطر.

نضجها لا ينفي شجاعتها، وهنا يتبين لنا قدرة الكاتبة على توحيد الأنا المفردة والأنا الجمعية (نحن). تسير الرواية بأكملها على خطين متوازيين: الحب الصادق الذي يبني الحياة، والوعي الذي يحمي هذا الحب ليضمن استمراريته بدون خوف.

وكأنها تقول: إلى متى سنظل أسرى قيود التقاليد القاسية الظالمة التي ترى المرأة كائنًا ناقصًا لا يحق له حتى إبداء الرأي في تقرير حياته؟ إنها ترفع صوتها ليتحد مع صوت نزار قباني، شاعر دمشق الجميل ومناصر المرأة الموثوق، الذي أعار اسمه للمرأة وتحدث باسمها صارخًا متحديًا: “ثوري على القيود… وانتصري على الوهم…”

مرحى للنسور الحرة، ومرحى لصوتك المحلق رافضًا تقاليد ترى في حب يوسف وسليمى عورة، فترفعين للروح سلامًا وراية متلمسة درب الحرية الواعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى