ثقافة وأدب

مازن بن غضوبة وخروج الشعر العُماني إلى النور

الدكتور محمد السيد يوسف لاشين
أستاذ علم النقد الاجتماعي والتفكير الناقد

 

 

ثمة نصوص لا تكبر قيمتها لا لأنها طويلة ولا لأنها مزخرفة بالألفاظ، وإنما لأنها تحمل في داخلها لحظة إنسانية لا تتكرر، ومن هذا النوع يأتي شعر الصحابي العماني مازن بن غضوبة؛ ذلك الرجل الذي ارتبط اسمه بمرحلة شديدة الخصوصية في تاريخ عمان حين التقت أرضها البعيدة برسالة الإسلام، وحين تحول الإنسان من سؤال الحيرة إلى يقين الإيمان.

وُلد مازن في عمان، وكان قبل إسلامه سادنًا لصنم يُقال له «باجر»، وتروي المصادر أنه سمع ما دعاه إلى ترك عبادة الصنم، ثم رحل إلى المدينة حتى لقي النبي محمد ﷺ وأسلم، وتُنسب إليه أبيات شعرية قالها بعد تلك الرحلة، ومن أشهرها:
إليك رسول الله خبّت مطيتي
تجوبُ الفيافي من عمان إلى العرْج
لتشفعَ لي يا خير من وطئ الحصى
فيغفر لي ربي فأرجعَ بالفلج
وكنت امرأً باللهو والخمر مولعا
شبابي حتى آذن الجسم بالنهج
فبدلني بالخمر خوفا وخشية
وبالعهر إحصانا فحصن لي فرجي
فأصبحت همي في الجهاد ونيّتي
فللهِ ما صومي وللهِ ما حجي.

حين نقرأ هذه الأبيات اليوم، قد نراها مجرد شعر ديني قديم، لكن الاقتراب منها إنسانيًا يكشف شيئًا أعمق بكثير. فالشاعر لا يقدم لنا عقيدة مجردة، و إنما يقدم سيرة نفس تغيّرت هناك إنسان يعترف بماضيه ثم يضعه خلف ظهره، ويعلن أنه أصبح شخصًا آخر.

ولعل أجمل ما في النص أن الرحلة ليست مجرد انتقال من عمان إلى المدينة إنها رحلة من الداخل إلى الداخل. تبدأ ب«مطيتي» التي تجوب الفيافي، لكنها في الحقيقة تحمل قلبا يبحث عن خلاصه. والمسافة بين عُمان و العرج ليست مسافة جغرافية فقط، وإنما مسافة روحية بين حياة قديمة وحياة جديدة.

وفي عبارة «وكنت امرأً باللهو والخمر مولعًا» جرأة إنسانية لافتة فالشاعر لا يمحو ماضيه ولا يتظاهر بأنه كان كاملا منذ البداية. يعترف، ثم يقول: «فيدلني». وهذه الكلمة وحدها تكاد تختصر التجربة كلها: الإنسان قادر على أن يتغير.

ومن الناحية الفنية، لا يقوم النص على التأنق اللفظي بقدر قيامه على صدق التجربة. إنه شعر خرج من حدث حقيقي كما ترويه الروايات، ولذلك تبدو عاطفته أقرب إلى الاعتراف منها إلى الصنعة. ولعل هذا ما يمنحه مكانته في بدايات الشعر العماني الإسلامي.

ومع ذلك، فإن الإنصاف العلمي يقتضي ألا نغلق الباب ونعلن أن هذه «أقدم قصيدة عمانية» بصورة قاطعة. فالدراسات الحديثة حول الأدب العماني القديم تنبه إلى مشكلة الرواية والانتحال في الشعر الجاهلي العماني، ولذلك يصعب ترتيب النصوص ترتيبا زمنيا. أما شعر مازن فتتعدد مصادر روايته ومن بينها روايات تراثية تورد قصته وأبياته مما يجعله من أبرز وأقدم الأصوات الشعرية العمانية التي وصلت إلينا من صدر الإسلام.

والأهم من سؤال من الأقدم؟ ربما هو سؤال آخر ماذا يقول لنا هذا الشعر اليوم؟، يقول إن الأدب لا يبدأ دائمًا من القصور والمدن الكبرى؛ فقد يولد من قرية عمانية، ومن رجل يقف أمام صنم ومن رحلة طويلة يقطعها على ظهر دابته بحثا عن معنى جديد للحياة. وهكذا يصبح شعر مازن بن غضوبة أكثر من وثيقة أدبية.

إنه شاهد على لحظة تحول في الإنسان العماني لحظة انتقل فيها الشعر من التعبير عن حياة القبيلة ومفردات البيئة القديمة إلى التعبير عن تجربة روحية جديدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى