
حين نطقت السماء باسم محمد
هيام سلوم
في الليلة السابعة، حين كان الليل قد ألقى على مكة عباءته السوداء، وكان القمر يمشي في مهاد الفلك كأنه يحمل مصباحا من نور قديم، لم يكن الكون يعد أياما انقضت من عمر طفل، بل كان يفتح صفحة جديدة من كتاب الأزل، وكان بين الأرض والسماء سر يتدثر بالصمت، حتى إذا اكتمل موعده، نطق الغيب باسم لم تكن قريش قد سمعت مثله من قبل، اسم سيصير بعد قليل أوسع من الزمان وأبقى من الأجيال.
كان في مكة يومها شيء لا يشبه الأيام؛ كأن الجبال تعرف قبل البشر، وكأن حجارة البيت كانت تصغي إلى وقع خطوات الملائكة في الغيب، وكأن الهواء نفسه قد تغيرت رائحته، لأن روحا صغيرة كانت بين يدي امرأة طاهرة، وروحا أكبر كانت تستعد لأن تحمل أمانة السماء إلى الأرض، وكان عبد المطلب، الشيخ الذي خبر تقلّبات الدهر، يشعر في أعماقه أن هذا المولود ليس خبرا عابرا في بيت هاشم، بل بشارة تسير في هيئة طفل، وأن التاريخ الذي ظل يبحث عن وجهه طويلا قد بدأ يقترب.
أقام الوليمة، وذبح، وجمع قريشا، وكأنما أراد أن يجعل مكة كلها شاهدة على اللحظة التي سيخرج فيها الاسم من فم الجد ليصبح بعد ذلك على أفواه الملائكة والأنبياء والعاشقين، واجتمع القوم حوله، وفي عيونهم دهشة الذين يشعرون أن وراء الحادثة الصغيرة حادثة أكبر من قدرتهم على الفهم، بينما كان الطفل في حضنه هادئا، كأن الدنيا كلها لم تكن بالنسبة إليه إلا ستارا رقيقا وراءه عالم آخر.
ثم حمل عبد المطلب حفيده بين ذراعيه، فبدا المشهد كأن الشيخ لا يحمل طفلا، بل يحمل أول شعاع من فجر لم يطلع بعد، وكأن ذراعيه صارتا جسرا بين زمنين؛ زمن كانت فيه قريش تنتظر مولودا، وزمن سيستيقظ فيه العالم ذات يوم على صوته وهو يقول للإنسانية: اقرأ، وكان في وجه الشيخ شيء من المهابة التي تجعل الكلمات حين تخرج من فمه تبدو كأنها كانت تنتظر منذ الأزل أن تجد طريقها إلى النور.
ورفع صوته وقال: محمد.
فمر الاسم في المجلس كما تمر أول قطرة مطر على أرض عطشى، وسكتت الوجوه لحظة، لأن الاسم لم يكن مألوفا في أسماعهم، ولأنهم شعروا أن الشيخ اختار لفظا لم تألفه أنسابهم، وكأن كلمة واحدة استطاعت أن تفتح في سقف المجلس نافذة تطل على مستقبل لا يعرفونه، فسألوه: يا أبا الحارث، من أين أتيت بهذا الاسم الذي لم نعهده في آبائنا ولا رأيناه مألوفا في أسماء قومنا؟
فنظر إليهم عبد المطلب نظرة من كان يحمل في صدره يقينا أكبر من السؤال، وقال ما معناه إن هذا الطفل اختير له اسم سيحمده أهل الأرض وأهل السماء، وكأن الرجل لم يكن يسمي حفيده فحسب، بل كان يرفع ستارة عن قدر مخبوء، ويعلن أمام قريش أن هذا الاسم سيصبح ذات يوم جسرا يعبر عليه الحمد من قلب إلى قلب، ومن أرض إلى سماء.
محمد… ما أوسع الاسم حين يكون صاحبه محمدا، وما أعجب اللغة حين تصبح أضيق من المسمى؛ أربعة أحرف، لكنها تحمل من المحبة ما لا تستطيع آلاف الصفحات أن تستوعبه، وتجمع في حروفها معنى يتكرر كلما ذكرت الرسالة، وكلما ارتفع الأذان، وكلما صعدت الصلاة والسلام من قلب مشتاق إلى السماء، حتى يبدو الاسم نفسه كأنه موجة نور لا تنتهي عند الشفاه، بل تمضي في الوجود وتوقظ في الأرواح شيئا كان نائما.
وكأن عبد المطلب كان يرى في الاسم قبل صاحبه، ويرى في الحروف قبل الرسالة، ويرى في الطفل الصغير الذي بين يديه رجلا سيحمل هم الأرض كلها، ويصعد بها من ظلمات الأصنام إلى رحابة التوحيد، ويعلم الإنسان أن أعظم ما يمكن أن يملكه ليس تاجا ولا قصرا ولا سيفا، بل قلبا يعرف الله، وروحا لا تنحني إلا له، وخلقا يصبح فيه الإنسان مرآة لما يحب من الخير والرحمة والجمال.
ثم جاء الشعر ليقف عند عتبة السر، وقال حسان بن ثابت ما صار كأنه نقش من نور في جدار المحبة: «فشق له من اسمه ليجله، فذو العرش محمود وهذا محمد»، فبدت العبارة وكأنها مفتاح صغير لباب واسع، لأن «محمدا» ليس اسما يمر على اللسان ثم ينتهي، بل هو اسم يحمل في جرسه معنى الحمد، وكلما نطقته الأمة شعرت أن في الحروف طريقا يصعد بها من المحبة إلى التعظيم، ومن التعظيم إلى الصلاة، ومن الصلاة إلى ذلك المقام الذي تعجز العبارات عن الإحاطة به.
وما أعجب أن يبدأ أمره باسم، ثم يصبح الاسم بعد ذلك أمة من المحبين، وذكرا في أفواه الملايين، وراية في القلوب، وصلاة تتكرر مع كل فجر ومساء، حتى لا يكاد يشرق يوم على الأرض إلا ويخرج اسمه مع المؤذن، ولا تكاد تنحني جبهة مؤمن في صلاة إلا ويأتي ذكره في موضع من مواضع الصلاة، فكأن السماء أرادت أن تجعل اسمه جزءا من إيقاع الحياة نفسها، حتى يمشي محمد في الزمن كما يمشي النور في العيون.
وكان اختيار الاسم في ذلك الزمن النادر أشبه بوضع نجم وحيد في سماء واسعة، لا يلتبس على من يبحث عنه، ولا تختلط دلالته بكثرة الأسماء، وكأن القدر أراد أن يحفظ للاسم فرادته حتى يأتي اليوم الذي يعرف فيه الناس أن صاحب هذا الاسم ليس واحدا من أبناء التاريخ، بل هو الذي سيغير التاريخ من جذره، ويعيد ترتيب علاقة الإنسان بالسماء، ويجعل من الصحراء منارة، ومن مكة قلبا تنبض منه رسالة تتجاوز حدود القبائل واللغات والقارات.
يا محمد… يا اسما كان في الغيب قبل أن يكون على شفاه عبد المطلب، ويا نورا كان يمشي في طرقات القدر قبل أن تفتح الدنيا عينيها عليك، يا من جاء إلى عالم كان يعبد الحجر، فتعلم الحجر نفسه معنى أن يصير البيت لله، وجاء إلى قوم كانت القبيلة عندهم حدودا للروح، ففتح للروح أفقا لا تحده قبيلة ولا لون ولا أرض، وجاء إلى الإنسان يحمل له رسالة تقول إن الله أقرب إليه من خوفه، وإن الرحمة يمكن أن تكون طريقا إلى السماء.
لقد كان اليوم السابع، في ظاهره، يوما من أيام طفولة طفل، لكنه في باطنه كان يوما ولدت فيه ذاكرة العالم الجديدة؛ يوم صار للاسم موعد مع الأذان، وللصوت موعد مع الوحي، وللقلب موعد مع الرحمة، وللصحراء موعد مع أعظم تحول عرفته في تاريخها، حتى بدا كأن مكة نفسها لم تكن تعرف أن ذلك الطفل الذي ينام في حضن جده سيوقظ بعد أعوام أمة كاملة من نومها، ويجعل من الكلمة قوة، ومن السجود حرية، ومن التوحيد كرامة للإنسان.
ولذلك حين قال عبد المطلب: محمد، لم يكن ينطق اسما فقط؛ كان، من حيث يعلم أو لا يعلم، يفتح للزمن بابا، وكان يضع أول حجر في بناء ذاكرة ستظل تحفظ ذلك الاسم ما بقي الليل والنهار، وكان يعلن أن هذا الطفل سيكبر حتى يصبح ذكره صلاة، وسيرته قبلة للقلوب، وأخلاقه مدرسة، ودمع المحبين عند ذكره لغة لا تحتاج إلى ترجمان.
سلام عليك يا محمد، يوم حملك عبد المطلب بين ذراعيه ولم يكن يعلم أن العالم كله سيحمل اسمك بعد ذلك في قلبه، وسلام عليك يوم نطق جدك باسمك فارتجفت مكة لسر لم تدركه بعد، وسلام عليك يوم صار اسمك على المنابر والأذان والصلوات، وسلام عليك يوم صار الحمد يفيض من أفواه محبيك حتى تشعر الأرض أن السماء نفسها قد اقتربت منها.
يا سيد من جعل الله ذكره ممتدا في الجهات، يا من صار اسمه حين يمر على قلب عاشق أشبه بنور يفتح نافذة في الليل، ويا من يكفي أن يقال «محمد» حتى تتغير في الروح أشياء لا تستطيع اللغة أن تسميها؛ أنت لست اسما في كتاب، بل كتابا تمشي حروفه في الأرواح، ولست ذكرا في التاريخ، بل تاريخا صار للذكر قلب، ولست صفحة في الوجود، بل ذلك النور الذي كلما حاولت الأيام أن تطوي صفحته، عاد من بين طياتها أكثر إشراقا.
وهكذا بقي اليوم السابع لا يوما مضى، بل فجرًا مستمرا؛ كلما نودي باسم محمد تجدد، وكلما صلى عليه عاشق اتسع، وكلما ذرفت عين محبة عند ذكره انفتح في السماء باب، وكأن ذلك الطفل الذي حمله جده في مكة ما زال يحمل العالم في رحمة قلبه، وما زالت السماء تقول للأرض، منذ تلك اللحظة الأولى: هذا محمد… فاحفظوا هذا الاسم، فإن فيه شيئا من سر الطريق إلى الله.














