بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

دوائرُ الانتماء.. حين تصبحُ طبيعتنا ملاذاً لا تُهمة

ياسمين عبدالمحسن إبراهيم

مدير تطوير الأعمال – شركة رواق للابتكار

 

 

كم هو مرهقٌ أن تعيش في حالةِ ترجمةٍ مستمرة لروحك، أن تضطر في كل مرةٍ تبتسم فيها أو تحزن، تتحدث أو تصمت، إلى وضع هوامش تفسيرية لشعورك.

في رحلتنا الإنسانية، تتقاطع دروبنا مع الكثيرين، ونبني علاقاتٍ نظنها سنداً وملاذاً، حتى نكتشف فجأة أننا نقف في أرضٍ لا تشبهنا، نتحدث بلغةٍ لا تصل، ونبذل جهداً مضنياً ومستنزفاً فقط لنثبت حقنا البسيط في أن نكون نحن، دون تزييف أو تكلف.

يُلخص هذا الاقتباس العميق جوهر أزماتنا في العلاقات : “اختر الأشخاص الذين تتوافق قيمهم مع قيمك؛ وإلا ستجد نفسك تشرح البديهي، وتدافع عن البسيط، وتشعر بالذنب فقط لأنك على طبيعتك”.

إن اختلاف القيم والمبادئ الأساسية ليس مجرد تباينٍ عابر في وجهات النظر، بل هو شقٌ غائر في جدار التواصل الإنساني.
حين تغيب الأرضية المشتركة، تتحول أبسط تصرفاتك وأكثرها عفوية إلى ألغاز معقدة تحتاج إلى تفكيك وإثبات حسن نية.
تجد نفسك فجأة في قفص الاتهام، تدافع عن مبدأ تراه جلياً كالشمس، وتشرح شعوراً تعتقد أنه أبده من أن يُشرح؛ كأن تبرر لماذا اخترت العزلة في لحظة صاخبة، أو لماذا تمسكت بموقفٍ يبدو للآخرين غير مبرر.

هذا الاستنزاف العاطفي المستمر يسرق منا بهجة الحياة، ويزرع في أعماقنا شعوراً خفياً وقاسياً بالذنب، وكأن طبيعتنا خطيئة يجب تقويمها لتناسب مقاسات الآخرين.

نحن في حقيقة الأمر بأمس الحاجة إلى “مساحة” آمنة ودافئة، خالية من الأحكام المسبقة والتبريرات المجهدة؛ مساحة نتنفس فيها بحرية، ونستعيد فيها مرونتنا العاطفية، ونكتشف ذواتنا دون خوف من سوء الفهم.

بناء دوائرنا الخاصة واختيار من يشاركنا إياها ليس ترفاً اجتماعياً، بل هو ضرورة قصوى لحماية سلامنا الداخلي.

حين ننتقي بعناية أرواحاً تشاركنا ذات القيم، وتنظر إلى العالم من نفس النافذة، فإننا لا نبني مجرد علاقات عابرة، بل نؤسس وطناً صغيراً لأرواحنا المتعبة.

لذا، لا ترهق نفسك في معارك التبرير الخاسرة، ولا تقبل البقاء في قوالب تضيق باتساع أحلامك وروحك.

ابحث عن أولئك الذين يقرؤون صمتك قبل كلامك، ويحتفون بك كما أنت، بكل تفاصيلك وتناقضاتك.

أحط نفسك بمن لا يجعلك تعتذر أبداً عن عفويتك، فالحياة أقصر من أن نقضيها في شرح البديهيات لمن لا يريد أن يفهم، وأجمل بكثير حين نعيشها متصالحين مع ذواتنا، وسط قلوبٍ تتسع لطبيعتنا دون قيدٍ أو شرط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى