بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

أثر التَّنْمِيَةِ : بَيْنَ إِسْهَامَاتِ المُوَاطِنِ وَاسْتِحْقَاقَاتِ المَدِن

سالم بن حمدان السيفي

 

في كثير من الأحيان ننتساءل ماهي الضريبة ،بمعناها ومفهومها الشامل العام ،ولم نكن ندرك يقينا أنها ​تُمثل في جوهرها المعرفي انعكاساً للعقد الاجتماعي الأبدي بين الفرد والجماعة؛ فهي ليست مجرد جباية مالية صماء أو استقطاعاً جبرياً للمقدرات،

بل هي ثمن الحضارة ورافد أساسي من روافد التضامن البشري المنظم الذي تتقاطع عنده مصالح الأفراد لبناء الكيان الجمعي للدولة. وتكتسب الضريبة أبعادها الاقتصادية والتنموية الحقيقية حين تتحول من عبء مالي يثقل كاهل الموازنة الأسرية إلى أداة إعادة توجيه للدخل القومي، وتحفيز للإنتاج، وتنويع لمصادر الإيرادات بعيداً عن تقلبات الأصول الناضبة.

غير أن هذه الحقيقة تفقد بريقها وتتصدع دلالاتها حين ينفصل العائد عن الغاية، وحين يشعر المواطن أن ما يُقتطع من عرق جبينه وجهده لا يرتد إليه في شكل خدمات نوعية مستدامة، بل يظل حبيساً للأرقام الاقتصادية الكلية دون أن يلمس أثره الفعلي في جودة حياته اليومية ومحيطه المكاني.

​وبما أن العقد الاجتماعي الحديث يشمل منظومة متكاملة من الحقوق والواجبات المتبادلة بين المواطن والدولة، حيث تتقاطع الإسهامات المالية والاستقطاعات الضريبية والرسمية مع تطلعات الأفراد في بناء مجتمع ينعم بالاستقرار والرفاه. وحين يتأمل الإنسان طبيعة ما يُستقطع من مقدراته المالية لصالح الخزينة العامة أو الدورة الاقتصادية، فإن الهاجس الأكبر الذي يتبادر إلى ذهنه لا يتعلق بالقيمة وحدها،

ولكن بمدى انعكاسها الملموس على جودة حياته اليومية. ومن المسلم به أن المواطن بطبيعته لا يمن بماله متى ما رأى عائده يُترجم حقيقة في بنية أساسية متطورة، وخدمات عامة كفؤة، وبيئة مكانية تليق بكرامته الإنسانية وتطلعات أسرته،وهذا ما جعل تساؤلات الشارع حول كفاءة العائد التنموي أمراً مشروعاً ووطنياً بامتياز.

​وحين نتوقف عند مستوى الأثر الاقتصادي المباشر، سنجد كيف تفرض الرسوم والضرائب المنظمة ضغطاً نسبياً على الموازنة الأسرية والقدرة الشرائية للمواطن، الأمر الذي يولد شعوراً ملحاً بضرورة وجود عدالة موازية في تقديم الخدمات وتخفيف الأعباء المعيشية. فكل ريال يُقتطع من مال الفرد يُفترض أن يقابله تحسن مستمر في كفاءة المؤسسات العامة، وشفافية واضحة في توجيه الإيرادات نحو قطاعات الحيوية والتنمية المستدامة.

وعندما تغيب هذه الشفافية أو يتباطأ أثرها الميداني، ينشأ شعور بالانفصام بين ما يقدمه المواطن من واجبات مالية وما يتلقاه من امتيازات خدمية، وهو ما يتطلب إعادة مراجعة دورية لمؤشرات الأداء الاقتصادي والاجتماعي لضمان بقاء البوصلة موجهة نحو خدمة الإنسان أولاً وأخيراً.

​أما على صعيد التنمية الحضرية والمكانية، فإن المدن لم تعد مجرد تجمعات جغرافية جامدة، بل هي فضاءات حية تتطلب تخطيطاً استباقياً يواكب النمو السكاني والتوسع العمراني المتسارع.
وحين نتأمل واقع المدن والولايات، يبرز التفاوت جلياً بين مركز المدينة والمناطق المحيطة بها؛
حيث تفتقر بعض الأحياء والقرى المكتظة بالسكان إلى أبسط مقومات البنية الأساسية كإنارة الطرق الداخلية، وتمهيد الممرات، وإيجاد شبكات الصرف الصحي والمياه المعتمدة. وغياب الإنارة والخدمات البلدية الأساسية في تلك التجمعات لا يمثل عائقاً خدمياً فحسب، بل يمس الجانب الأمني والسلامة المرورية، ويخلق شعوراً بالتهميش المكاني الذي يتنافى مع مبادئ التوزيع العادل لمكتسبات النهضة الشاملة.

​وفي ذات السياق، تبرز أزمة غياب المتنزهات والحدائق الحضرية المتكاملة كواحدة من أبرز الإشكالات التي تواجه جودة الحياة في المدن الحديثة. فالمساحات الخضراء والمنتزهات العامة ليست ترفاً كمالياً يمكن الاستغناء عنه، بل هي متنفس أساسي لصحة الإنسان النفسية والبدنية، ومحضن اجتماعي للأسر والأطفال.

وحين تخلو مدننا من متنزهات مستدامة ومجهزة بالمرافق الترفيهية والخدمية المتكاملة، فإن ذلك يعكس قصوراً في هيكلة التخطيط العمراني التي تقصر اهتمامها أحياناً على الجوانب الإسمنتية البحتة، متجاهلة البعد الإنساني والنفسي للسكان الذين يكتوون بنار الروتين وضغوط الحياة اليومية دون واحة خضراء تلوذ إليها أرواحهم.

​ولا يخفى على الجميع أن عدالة التنمية الحقيقية تقاس بقدرتها على اختزال المسافات التنموية بين المركز والأطراف، بحيث لا ترتكز المشاريع الكبرى في الواجهات الرئيسية وحدها، بينما تئن القرى والمناطق المكتظة بصمت تحت وطأة نقص الخدمات. بينما المواطن في القرى والضواحي يُسهم بذات القدر من الالتزامات الوطنية والمالية،

ومن حقّه الأصيل أن يلمس أثر التنمية في قريته وحيه ومحيطه المباشر، لا أن تبقى التنمية حبراً على ورق أو وعوداً مؤجلة في خطط خماسية متعاقبة. هذا التباين المكاني يولد شعوراً بالإحباط ويضعف من عمق الانتماء المجتمعي إذا لم تتدخل الجهات المعنية برؤية تصحيحية تضع التنمية المحلية والريفية على رأس أولوياتها.

​ولتحقيق الاستفادة القصوى من عوائد الضرائب والرسوم وإعادة توجيهها بشكل عادل، تبرز الحاجة الملحة لوضع حزمة من المقترحات والحلول العملية؛ تبدأ أولاً بإنشاء صناديق إيرادات محلية مخصصة لكل محافظة وولاية تقتطع نسبة مباشرة من الحصيلة الضريبية لتُصرف حصراً على تطوير البنية الأساسية والمرافق الترفيهية في القرى والأحياء المكتظة.

وثانياً، تفعيل دور المجالس البلدية والإدارات المحلية لتكون هي صاحبة القرار في ترتيب أولويات المشاريع التنموية بناءً على الاحتياجات الفعلية للشارع.

وثالثاً، إطلاق منصات رقمية حكومية شفافة لعرض الموازنات ومسارات إنفاق الإيرادات الضريبية بمستويات تفصيلية تصل إلى مستوى الولاية والحي.

ورابعاً، توجيه الجهات الحكومية المعنية نحو تبني شراكات استراتيجية مع القطاع الخاص لتمويل وإنشاء متنزهات متكاملة وإنارة الطرق الريفية وفق جدول زمني دقيق وملزم، مما يضمن تقليص الفجوة التنموية وتحويل الاستقطاعات المالية إلى مشاريع حية يلمس أثرها كل مواطن أينما حلّ على أرض الوطن.

​من هنا، تصبح المساءلة المجتمعية والشفافية المؤسسية ضرورة ملحة وليست ترفاً فكرياً؛ فمن حق المواطن أن يُطلع على مسارات إنفاق الموارد العامة، وأن يُدلي برأيه في ترتيب أولويات المشاريع التنموية في ولايته وقريته. والإدارة المحلية الفاعلة هي التي تشرك المجتمع في صنع القرار الخدمي، وتستمع لصوت الشارع الذي يدرك مواطن الخلل والاحتياج قبل غيره.

وحين تغيب قنوات التواصل الحقيقية بين الإدارات البلدية والمواطنين، تتسع فجوة التوقعات، وتتحول التساؤلات المشروعة إلى شعور عام بالاغتراب المكاني وغياب الأثر التنموي المنشود.

​خلاصة القول، إن بناء الأوطان لا يُقاس فقط بالأرقام الاقتصادية الكلية ولا بالمشاريع العملاقة الظاهرة للعيان، بل يُقاس بقدرة التنمية على ملامسة تفاصيل حياة الإنسان البسيط في حيه وقريته ومدينته.
وإن استعادة التوازن بين ما يُستقطع من مقدرات المواطن وبين ما يجنيه من خدمات وامتيازات هو الكفيل بتعزيز الثقة المتبادلة وترسيخ أركان المواطنة الفاعلة.

ومتى ما تحولت المتنزهات إلى واحات متكاملة، وأُضيئت القرى المكتظة، وعُدلت كفة التوزيع التنموي، حينها فقط يمكننا القول إننا نسير بخطى ثابتة نحو تنمية مستدامة تحترم الإنسان وتصون كرامته في كل شبر من أرض الوطن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى