بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

حارة الرمل.. حكاية لم تُروَ بعد، وسرُّ “الشَّت”

أ. عصام بن محمود الرئيسي
مدرب بروتوكول ومراسم – مؤلف أعمال متخصصة في المراسم والتشريفات

 

“في زمنٍ مضى، كان الناس يلتمسون الشفاء في دعاء الأمهات، وأعشاب البيوت، وخبرات الأجداد، ويحملون في قلوبهم الأمل بأن تعود العافية إلى أحبتهم” في طفولتي، لم يكن العلاج يعني الذهاب إلى مستشفى أو مركز صحي كما هو الحال اليوم؛ فقد كانت للحياة في حارة الرمل تفاصيلها الخاصة، وللناس طرائق توارثوها عن آبائهم وأجدادهم، يلتمسون بها الشفاء كلما طرق المرض أبواب بيوتهم. كانوا يؤمنون بما ورثوه من تجارب الأقدمين، ويتمسكون بكل ما يبعث في نفوسهم الأمل بعودة العافية.

كان الدعاء والرقية حاضرين في مجالسنا وبيوتنا، وكانت أحاديث الكبار لا تخلو من روايات عن مريض شفاه الله بعد أن قُرئ عليه القرآن، أو آخر وجد في عشبة جُلبت من الجبل أو الوادي أو من الضواحي المقابلة للحارة ما يخفف ألمه. أما النساء، فكنّ يُعددن الأعشاب ويغلينها في قدور البيوت، فتنتشر روائحها في الأرجاء، ويجلس المريض منتظرًا نصيبه من ذلك الشراب المر، الذي كان الأهل يرجون أن يكون فيه سبب للشفاء.

وكانت تلك الممارسات جزءًا مألوفًا من حياتنا اليومية، نراها من حولنا من غير أن نتساءل كثيرًا عن أصولها أو مدى فاعليتها؛ فقد كانت تمثل ما عرفه الناس في ذلك الزمن، وما استطاعوا الوصول إليه من وسائل العلاج.

أما الوسم، أو الكي بالنار، فكان له حضوره المعروف في حياة الناس، ولم يكن أمرًا مستغربًا بينهم. ولم أكن بعيدًا عن تلك التجربة، فقد ذقت حرارته وأنا صغير، وما زالت آثاره مطبوعة على جسدي حتى اليوم، كأنها علامات تحتفظ بشيء من ذاكرة ذلك الزمن.

وما زلت أستعيد مشهدًا من طفولتي كلما تذكرت تلك الأيام؛ رائحة الحطب، وحرارة النار، والخوف الذي كان يتملكني وأنا أرى ما ينتظرني. أتذكر من كانوا يمسكون بي حتى لا أتحرك، بينما كانت أمي تردد الأدعية وتطلب مني الصبر، وقد ملأها الرجاء بأن تكون تلك النار الصغيرة سببًا في زوال المرض وعودة العافية إلى جسدي.

كنت طفلًا لا يفهم من الأمر إلا ألمه وخوفه، أما أمي، فكانت تنظر إليه بعين الأم التي تتشبث بكل أمل يمكن أن يخفف معاناة طفلها. وبين خوفي ودعائها، بقي ذلك المشهد محفورًا في ذاكرتي، لا تمحوه السنوات، وكأن آثار الوسم على جسدي لم تكن وحدها ما بقي من تلك التجربة، بل بقيت معها صورة أمي وقلقها وحرصها عليّ.

ولم يكن الوسم وحده حاضرًا في عالم العلاج آنذاك؛ فقد كان للمجبر مكانته بين الناس أيضًا. فإذا أصيب أحدهم بكسر أو التواء شديد، حملوه إليه، مستعينين بخبرته في إعادة العظم إلى موضعه وتثبيت الكسر بما توفر لديه من أدوات ومواد بسيطة. وكان أهل الحارة يثقون به ثقة كبيرة، ويقصدونه طلبًا للعلاج قبل أن يفكروا في السفر إلى الولايات الأخرى بحثًا عن بديل.

وحين لا تجدي الوسائل المحلية نفعًا، أو يعجز العلاج المتاح عن مواجهة المرض، يبدأ التفكير في الرحيل. عندها يتجه بعض الناس إلى مسقط أو إلى الولايات المجاورة، يحملون آلامهم وآمالهم، ويبحثون عن طبيب يستطيع أن يضع حدًا لمعاناتهم.

وفي طفولتي، كثيرًا ما سمعت اسم «الدختر تومس» في مسكد، أي مسقط، يتردد على ألسنة الناس بإعجاب وثقة. كان اسمه ينتقل من مجلس إلى آخر، ومن بيت إلى بيت، حتى ترسخ في أذهاننا نحن الصغار أن هذا الطبيب قادر على علاج الأمراض التي استعصت على غيره. وبمرور الوقت، صار الوصول إليه في مخيلة الناس أشبه بباب أخير للأمل، يقصده من طال مرضه وأتعبته المعاناة.

كانت تلك الأحاديث تكشف لنا، نحن الأطفال، كيف كان الناس ينظرون إلى الطبيب في زمن لم تكن فيه الخدمات الصحية متاحة على النحو الذي نعرفه اليوم، وكيف كان اسم طبيب ذائع الصيت قادرًا على أن يبعث الطمأنينة في نفوس المرضى وأسرهم.

ومن بين ذكرياتي التي بقيت عالقة في ذهني، مشهد لمناسبة سعيدة اصطحبتني فيها أمي إلى بيت إحدى العائلات في الحارة، بعدما رزقهم الله بتوأم. كان البيت عامرًا بالنساء اللواتي توافدن للتهنئة، والدعاء للأم ومولوديها بالصحة والعافية، وكانت أجواء الفرح تملأ المكان.

دخلت مع أمي بفضول طفل يتطلع إلى كل ما هو جديد، وكنت أتوقع أن أرى المولودين كما اعتدت أن أرى الأطفال في مثل تلك المناسبات. لكن شيئًا لفت انتباهي وأثار استغرابي؛ فقد كان كل واحد من التوأمين مغطى بغطاء مصنوع من الخوص، يُعرف عندنا باسم “الشَّت” حاولت أن أتبين ملامح الطفلين، لكن الغطاء حجب عنهما الرؤية، فازداد فضولي، وظللت أراقب المشهد في صمت، حتى اقتربت من أمي وسألتها هامسًا عن سبب تغطيتهما بذلك الشكل. ابتسمت أمي، ثم أوضحت لي أنهما وُلدا قبل اكتمال أشهر الحمل التسعة، وأن أهلهما يحرصون على حمايتهما من الضوء وبعض المؤثرات الخارجية، حتى تشتد صحتهما ويقوى جسداهما.

لم أكن في ذلك العمر قادرًا على فهم كل ما قالته أمي، لكنني اكتفيت بتفسيرها، كما يفعل الأطفال حين تأتيهم الإجابة ممن يثقون بهم. ومضت المناسبة، وبقي مشهد التوأمين تحت غطاء «الشَّت» عالقًا في ذاكرتي، على الرغم من أنني لم أكن أدرك يومها لماذا استوقفني ذلك المنظر إلى هذا الحد.

ومع مرور السنوات، أخذت تلك الصورة تستعيد حضورها في ذهني كلما عدت بذاكرتي إلى تفاصيل الحياة في حارة الرمل. وأدركت أن ما علق في نفسي لم يكن مجرد غطاء من الخوص يحجب وجهَي طفلين صغيرين، بل كان مشهدًا يكشف جانبًا من عادات الناس ومعتقداتهم، ومن الطريقة التي كانوا بها يحيطون أبناءهم بالرعاية، مستندين إلى ما توارثوه من تجارب وقناعات.

وربما كان أكثر ما يلفتني في تلك الذكرى اليوم هو ذلك الحرص الفطري الذي رأيته في حياة الناس؛ أمٌّ تسأل الله الشفاء لطفلها، وأهل يحيطون مولودين صغيرين بعنايتهم، ونساء يتبادلن الدعاء والنصيحة، وكلهم يتطلعون إلى أن تمر الأيام بسلام، وأن ينشأ الأبناء في صحة وعافية.

لم تكن الحياة آنذاك كما نعرفها اليوم، ولم تكن وسائل العلاج متاحة للجميع بالسهولة نفسها. ومع ذلك، كان الناس يتدبرون أمورهم بما توفر لديهم، ويتمسكون بما عرفوه من عادات وتقاليد، ويبحثون عن الأمل في كل سبيل يعتقدون أنه قد يخفف الألم أو يعيد الصحة إلى مريض.

بعض تلك العادات بقي في الذاكرة، وبعضها تراجع مع تغير الزمن وتطور الخدمات الطبية، لكن ما بقي منها في نفسي ليس مجرد صور لطرائق علاج قديمة، بل حكايات عن أناس عاشوا بقلوب معلقة بالرجاء، وعن أمهات لم يدخرن وسعًا في سبيل أبنائهن، وعن مجتمع كان يتساند أفراده في مواجهة المرض، بما يملكون من معرفة وتجربة ومحبة.

وهكذا أتذكر حارة الرمل في تلك السنوات البعيدة؛ بيوتها التي كانت تحتضن المرضى، ومجالسها التي تتردد فيها الأدعية، ورائحة الأعشاب التي تفوح من المطابخ، وحرارة الوسم التي تركت أثرها في جسدي، وأسماء الأطباء التي كانت تتناقلها الألسن كأنها تحمل وعدًا بالشفاء.

لقد تغيرت الحياة، واتسعت أبواب العلاج، وأصبح الوصول إلى الطبيب أيسر مما كان عليه في طفولتي. غير أن الذاكرة ما زالت تحتفظ بتلك التفاصيل الصغيرة، لأنها لم تكن مجرد ممارسات قديمة، بل كانت جزءًا من حياة الناس ومشاعرهم ومخاوفهم وآمالهم. وكلما عدت إليها، أدركت أن الحكايات التي تستحق أن تُروى ليست دائمًا الحكايات الكبيرة التي تصنع الأحداث، بل قد تكون مشهدًا عابرًا في بيت من بيوت الحارة، أو دعاء أم خائفة، أو غطاء من الخوص يحيط بطفلين صغيرين. تفاصيل تبدو بسيطة في حينها، لكنها مع مرور الزمن تتحول إلى نوافذ نطل منها على عالم مضى، وما زال حيًّا في أعماق الذاكرة.

وعلى الخير نلتقي والماضي الجميل نحتفي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى