
العِطر.. فلسفة الأثر الذي لا يُرى
هيام سلوم
كان العطر عبر حياتي جزءا من شخصيتي وحرصت على امتلاكه ومرافقته حيثما حللت حتى في سرير نومي . فالعطر من منظور اراه فيه ليس ما نرشّه على أعناقنا فقط، ولا تلك الرائحة التي تبقى في المكان بعد مغادرتنا؛ العطر، في معناه الأعمق، هو كلّ ما يترك في الحياة أثرًا لا تراه العين، لكنّ الروح تعرفه، وتستدلّ عليه كما تستدلّ على زهرةٍ مرّت من هنا، أو إنسانٍ أحبّ الحياة ذات يوم.
هناك عطور غير عطور الجسد تستخلص من كلماتنا ومواقفنا ونظراتنا. فثمة أناسٌ لا نتذكّر ملامحهم بدقّة، لكننا نتذكّر شعوراً زرعوه فينا دفء نظرة، وصدق ابتسامة، ويدٌ امتدّت إلينا في لحظة انكسار،
هؤلاء تركوا عطرهم فينا، وكانت إنسانيتهم هي الرائحة.
للكلمة عطرها أيضاً ،فكلمةٌ طيبة قد تنتشل إنسانًا من عتمته، وعبارةٌ صادقة قد تمنحه القدرة على النهوض، فيما تستطيع كلمةٌ قاسية أن تترك ندبةً أطول عمرًا من اللحظة التي قيلت فيها.
فليست قيمة الكلام في فصاحته وحدها بل فيما يتركه في قلوب الآخرين.
والمعلّم الذي يؤمن بقدرات تلاميذه لا ينتهي أثره عند انتهاء المدرسة بل يبقى هناك شعورًا منحهم إياه ذات يوم، بأنهم قادرون على أن يكونوا شيئًا عظيمًا. وهكذا، قد يزرع إنسانٌ في روحٍ أخرى بذرةً تظلّ تنمو بعد غيابه.
حتى الأمكنة لها عطورٌ لا تبيعها متاجر العطور. للبيوت القديمة رائحة الخبز الخارج من التنور، وصوت الأمّ التي تنادي أبناءها، وفنجان القهوة الذي ينتظر عائدًا من سفر. قد تتغيّر الجدران أو تختفي، لكنّ شيئًا من المكان يظلّ مقيمًا فينا، لأنّ الذاكرة لا تحفظ الصور وحدها، بل تحفظ الروائح التي تعيد إلينا وجوهًا غابت وأزمنةً ظننّا أنّها انتهت.
حتى للطبيعة عطرها الذي لا يحتاج إلى لغة،للأرض رائحةٌ تنهض من ترابها بعد المطر، ولشجرة الزيتون عبق الصبر حين تنضج ثمارها في مهل.
وحتى الطعام الذي نعدّه بمحبة يحمل رائحة تتجاوز مذاقه فقد ننسى وجبةً في مطعمٍ فاخر، لكننا نظلّ نشتاق إلى طبقٍ أعدّته أمّنا، لأنّ وراءه يدًا أحبّتنا يترك في الروح مذاقًا يعجز الزمن عن انتزاعه.
وهكذا، تصبح التفاصيل الصغيرة عطورًا للحياة: كتابٌ يعيد إلينا شغف المعرفة،وأغنيةٌ تحملنا إلى زمن بعيد، ويدٌ ترتّب غطاء طفلٍ نائم، وإنسانٌ يزيح حجرًا عن طريق غريبٍ لن يراه مرةً أخرى. فالجمال لا يحتاج إلى أحداثٍ استثنائية، يكفي أن نؤدي الأشياء البسيطة بقدرٍ من الحب يجعلها جديرةً بالبقاء.
وفي العلاقات الإنسانية، لا يُقاس عطر الإنسان بمظهره أو بما يملك، بل بما يتركه في الآخرين حين يرحل . فثمة حضورٌ يملأ المكان ويستنزف الروح، وغيابٌ يوسّع في داخلنا مساحةً للسلام، وأشخاصٌ يتركون فينا طمأنينةً لا تستطيع الأشياء ولا الزمن أن تمنحنا إياها.
لسنا مطالبين بأن نكون كاملين كي نكون جميلين، يكفي أن نكون صادقين ورحماء، وأن نمتلك شجاعة الاعتذار حين نخطئ، وفضيلة الإنصاف حين نختلف. حتى الاعتذار له عطره، لأنه يعيد إلى النفس شيئًا من كرامتها، وإلى العلاقات شيئًا من نقائها.
ثمّة سؤالٌ يستحقّ أن نتوقّف عنده طويلًا
ماذا يبقى من الإنسان حين يرحل؟
قد تبقى صوره وكتبه وأشياؤه، لكنّ ما يمنحه حياةً أخرى في ذاكرة الآخرين هو ما زرعه فيهم من خير.
ولعل أجمل صور الخلود الإنساني ألّا نبقى أحياءً في أجسادنا إلى الأبد، بل أن يبقى في العالم شيءٌ من الخير الذي مرّ عبرنا. أن نترك في قلبٍ سببًا للطمأنينة، أو في روحٍ متعبةٍ نافذةً يدخل منها الضوء؛ فبعض الأيادي لا تصنع التاريخ، لكنها تنقذ إنسانًا من اليأس.
أفكّر أحيانًا في أنّنا ننفق الكثير من الوقت والمال لنختار العطر الذي يناسب أجسادنا، وقلّما نسأل أنفسنا عن العطر الذي تحمله أرواحنا.
ماذا تترك كلماتنا بعد انتهاء الحديث؟
وهل يشعر الآخرون، بعد لقائنا، بأنّ الحياة أصبحت أخفّ وطأةً وأجمل احتمالًا؟
وحين نغادر، سيبقى ما منحناه بصدق وسيظلّ يسافر من قلبٍ إلى قلب، متحوّلًا إلى حكايةٍ أو عادةٍ جميلة أو قيمةٍ تنتقل إلى جيلٍ لم يعرفنا قطّ.
فالعطر الحقيقي ليس ما يجعل الناس يلتفتون إلينا حين ندخل المكان، بل ما يجعلهم يبتسمون حين نتوارى عنه.
أن تكون عطرًا، يعني أن تترك الحياة أجمل قليلًا مما كانت قبل مرورك؛ أن تمنح دون ضجيج، وتحبّ دون استعراض، وتزرع خيرًا قد لا تشهد حصاده.
فليس المهمّ كم مرّةٍ تعطّرنا قبل أن نخرج إلى العالم، بل كم مرّةً استطاع العالم، بفضلنا، أن يتنفّس شيئًا من الجمال.
وإذا كان لكلّ عطرٍ عمرٌ تتلاشى بعده رائحته، فإنّ للعطر الإنساني سرًّا مختلفًا، يظلّ يتجدّد كلّما تذكّره أحدٌ بمحبة.
وهكذا، لا يعود العطر رائحةً نعطّر بها أجسادنا، بل يصبح طريقةً نعطّر بها العالم.











