بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

الأنياب .. إمّا طعنٌ وإمّا سُمّ ولن يخرج منها عسلٌ مُصفّى

سُلطان بن خلفان اليحيائي

 

 

في حادثة غير مسبوقة اختفت الأسود من الغابات ولم يبقَ منها إلا وليدٌ قليل الخبرة لم تشتدّ أنيابه بعد أو أسدٌ طاعنٌ في السن لا يقوى على الدفاع عن نفسه ولا على ردّ الغرباء ومنعهم من العبث في غابته.

وفي هذا الحال البائس تقدّمت الضباع مستغلّةً غياب الأسد الذي يردعها. فاقتربت أكثر ووسّعت أطماعها وغرست أنيابها فيمن يعترض طريقها وبدأت تفرض واقعًا جديدًا على الغابة وساكنيها.

تجوّلت الضباع في ربوع الغابة لا للنزهة بل للاستيلاء وفرض الأمر الواقع. فحطّمت الحظائر وتبعثر الحطام وتحول ما كان مأهولًا بالحياة إلى مشاهد من الخراب. ومع ذلك ظلّت ثُلّةٌ من المقاومين متمسّكةً بأرضها كأن جذورها أعمق من أن تقتلعها الأنياب الغادرة.

وفي طرف من الغابة اختلفت المواقف؛ كبير الثعالب يتحدث عن السلام والنعامة تقول إن المصالح تقتضي ذلك والببغاء يكرّر: شراكة.. تعاون.. أمن.. استقرار. أمّا الضباع فكانت تتحرك بثقة كأن الغابة باتت أوسع من حدودها وأضعف من أن تردعها.

وكانت النعائم تنعم بعيشة هنيئة ينظر إليها الآخرون بحسد لما تميّزت به من طول القامة وجمال الريش. لكنها لم تستخدم طول قامتها إلا للمباهاة ولا سرعتها إلا لتسبق غيرها في الفرار. فإذا اقتربت الضباع خفضت رؤوسها وسارت خلفها كأنما لم تُخلق أرجلها الطويلة إلا للهرب لا للصمود عند المواقف الحاسمة.

وليس العجب أنها لم تجرؤ على مواجهة الضباع بل الأعجب أنها كانت مستعدة لمواجهة بعضها بعضًا والاستعانة بالغريب إن اقتضى الأمر وكأن الخطر لا يصبح خطرًا إلا إذا جاء من الأشقاء.

وفي أعالي الجبال وقف صقرٌ فوق عُشّه هادئًا يقظًا بعين لا تخطئ. يرى ما يُحاك بعيدًا عن العيون ويراقب تحركات الضباع وتبدّل الوجوه والآثار ويحرس عُشّه دون أن يبدّد جناحيه في كل هبّة ريح. كان يعرف أن الهدوء لا يعني الغفلة وأن لكل غابة حساباتها ولكل عُشّ حدوده وينأى بحكمته وهيبة مكانته عن التدخل في شؤون الآخرين.

والعجيب أن رئيس الضباع كلما تحرّك إلى موقع من مواقع الغابة سبقته الكلاب بنباحها والغربان بنعيقها واستُقبل استقبالًا حافلًا. تنحني الرؤوس للتحية وتتقدّم البومة لالتقاط الصور وتغرّد الطيور وتتوالى عبارات الترحيب والنفاق بينما المقاومون يبحثون بين الحطام عن بقايا مأواهم.

وقف غزالٌ صغير مندهشًا وقال للببغاء:
«أليست هذه الضباع التي تطارد المقاومين وتفترسهم؟»
قال: «بلى».
قال: «وهذا رئيسها؟»
قال: «بلى».
قال الغزال: «فلماذا كل هذا الترحيب؟»
قال كبير الثعالب: «هذه لغة السلام».
نظر الغزال إلى الضباع وسأل: «وهل تبدّلت الأنياب؟»
أجابت النعامة: «المصالح تقتضي ذلك».

ساد الصمت.

ثم قال الغزال: ” إذا كانت المصافحة لا تبدّل الأنياب فماذا تغيّر؟ وهل تعيد العبارات مأوىً هُدِم أو أمًّا فقدت صغيرها أو غابةً استولى عليها قطيع من الضباع دون حق؟”
لا جواب. الببغاء يكرّر كلماته والثعلب يبتسم والنعامة تخفض رأسها والضباع تمضي في طريقها تعيث فسادًا في جهات الغابة الأربع.

رفع الغزال عينيه إلى الجبل فرأى الصقر يراقب المشهد ثم قال: “ربما كانت الغابة بحاجة إلى حكمة ذلك الصقر؛ فلو أخذت بها لما دفعت كل هذه الأثمان في غياب الأسد”.
وفي الواقع لم تتغيّر طباع الضباع بل تغيّر قاموس الغابة؛ فأصبح الافتراس «خلافًا» والمصافحة «سلامًا» والتنسيق «شراكة» والصمت «واقعية».

لكن هناك أشياء لا تحتاج إلى اسم جديد؛ فالدم دم والحطام حطام والضحية ضحية. والأنياب مهما تغيّرت أسماؤها فلن تتغيّر وظيفتها إلا بكسرها أو اقتلاعها.

وبقي أهل الغابة يبحثون بين الحطام عن بقايا حياة بينما تابع كثير من ساكنيها المأساة كأنها خبر يتكرّر حتى يفقد أثره ومعناه.
غير أن سنن الله في خلقه لا تتبدّل؛ وإنما يتغيّر حال المخلوقات عندما تتغيّر أسبابها وأفعالها سواء في عالم الإنسان أو عالم الحيوان.
قال الله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾

وعليه فلن تبقى الغابة بلا أسد إلى الأبد ولن تستمر الأنياب الغريبة في العبث داخلها إلى ما لا نهاية. وسيأتي اليوم الذي يستعيد فيه الأسد مكانه وهيبته فتستعيد الغابة توازنها ويُعرف لكل معتدٍ حدّه وتُردّ للضعيف كرامته وللمظلوم مظلمته.

فما أُخذ بقوة الناب والمِخلب لا يُستردّ إلا بقوة تكسر الناب والمِخلب وتعيد الحق إلى أهله.
وعندها لن تحتاج الغابة إلى كثير من النعيق والنباح؛ يكفي أن يظهر الأسد حتى تعرف الضباع أن زمن العبث ولّى بلا رجعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى