بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

لا تنادوه بمرضه.. إنه ابنٌ وابنة، وأخٌ وأخت، وأبٌ وأم .. قبل أن تختصره كلمة

بدر بن محفوظ القاسمي

 

 

قد نمرّ به ولا نعرف اسمه.

نراه عند طرف البحر، وقد اتخذ من ظل قارب صيد سقفًا، ومن شباكه القديمة غطاءً. وقد نعثر عليه في زقاق نسيه المارّة، أو تحت غافٍ أو سمر، أو في كهف بين الجبال، أو بيت مهجور، أو جراج أُغلق منذ سنوات، أو أسفل جسر تعبر فوقه مئات السيارات، فيما يمضي هو ليلته تحته.

وقد لا يكون «هو» أصلًا.

قد تكون هي: فتاة في عمر الزهور، يختفي ضياعها خلف باب شقة مشبوهة، أو في مكان إيواء غير آمن، أو بين أيدٍ تستغل ضعفها، أو في مدينة بعيدة لا تعرف فيها أحدًا.

تتبدل الأمكنة، ولا يتبدل الوجع.

نرى الواحد منهم في أسوأ صورة بلغها، ثم نختصر إنسانًا كاملًا في كلمة واحدة :

مدمن..
ونمضي.

لكنني لا أريد أن أمضي.

أريد أن أجلس – مجازًا – إلى جواره تحت ذلك القارب، أو عند جذع السمر، أو أمام باب تلك الشقة، وأسأله:

ما اسمك؟

لا : ماذا تعاطيت؟
ولا : كم مرة سُجنت؟
ولا : ماذا سرقت؟

بل :

من كنت قبل أن تصل إلى هنا؟
من أمك؟
من أبوك؟
هل لك أخ ينتظرك؟
هل لك أخت تخفي بكاءها حين يُذكر اسمك؟
هل لك طفل يسأل: أين أبي؟
أو طفلة لا تعرف لماذا لا تعود أمها؟

هل كنت موظفًا؟ طالبًا؟ رياضيًا؟

هل كنت تلك الفتاة التي تخرج إلى المدرسة، ولا تدري أن الحياة تخبئ لها طريقًا كهذا؟

ماذا حدث لك؟

الإنسان قبل الاضطراب

أقولها بوضوح: أنا لا أدافع عن المخدر، ولا أبحث لمن يتعاطاه عن عذر، ولا أطلب من المجتمع أن يقبل السرقة أو الاعتداء أو الكذب أو العنف.

ومن يتاجر بأبنائنا وبناتنا، ويحوّل ضعفهم إلى سوق وربح، يجب أن يواجه القانون وفق الإجراءات والضمانات القانونية المعمول بها.

لكنني أدافع عن شيء آخر :

عن الإنسان الذي ما زال موجودًا خلف اضطراب استخدام المواد.

تتعامل الجهات الصحية الدولية، ومنها منظمة الصحة العالمية ومكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، مع اضطرابات استخدام المواد بوصفها حالات صحية معقدة تتداخل فيها عوامل بيولوجية ونفسية واجتماعية، ويمكن الوقاية منها وعلاجها.

كما تؤكد الأدلة الإرشادية الصحية أهمية العلاج القائم على الدليل، واحترام الكرامة، والحد من الوصم والتمييز. ولا يعني ذلك إعفاء أي شخص من المسؤولية عن الأفعال المؤذية أو المخالفة للقانون.

ولهذا لا يكفيني أن نسأل: ماذا تعاطى؟

علينا أن نسأل أيضًا:

ماذا حدث له؟

قد يكون فضولًا، أو رفقة، أو رغبة في الانتماء، أو ألمًا نفسيًا، أو تنمرًا، أو اضطرابًا لم يُكتشف، أو بيتًا مضطربًا، أو أسبابًا متشابكة لا يعرفها حتى صاحبها.

وإذا أردنا علاجه فعلًا، فعلينا ألا نعالج المادة في جسده، ونترك القصة التي أوصلته إليها كما هي.

حين يصبح المجتمع عقوبة أخرى.

أقسى ما قد يحدث للإنسان الذي وقع في الإدمان أن يجد نفسه محاصرًا بين قوتين و الله توقعت من جوري:

مادة تسحبه إليها، ومجتمع يدفعه بعيدًا عنه.

المادة تقول له: عُد.
والبيت يقول: لا تعد.
المخدر يقول: أنا أريحك.
والمجتمع يقول: أنت عار.

فيبدأ الاختفاء.

من غرفته إلى الشارع، ومن سقف بيته إلى سقف قارب، ومن مجلس أسرته إلى جراج مهجور، ومن حضن أمه إلى ظل شجرة سمر.

ثم نعثر عليه في آخر الطريق، ونقول:

انظروا ماذا فعل بنفسه!

وأنا لا أريد أن أبرئه من مسؤوليته، لكنني أريد أن أسأل:

هل فعل كل ذلك بنفسه وحده؟

لا أقول إن الأب أو الأم أو الأسرة مسؤولون وحدهم. بعض الأسر فعلت المستحيل، وأنفقت أموالها، وأرهقها السهر، وطرقت أبواب المستشفيات ومراكز العلاج مرة بعد أخرى.

ولذلك سيكون من الظلم أن نحول الأسرة إلى متهم.

لكن السؤال الأهم هو:

هل أستطيع الآن أن أكون جزءًا من نجاته؟

يا أباه، ربما كان غضبك خوفًا لم تعرف كيف تعبّر عنه. وربما قلت: «فضحتنا»، «ما منك فايدة»، «لا تدخل بيتي»، ثم أغلقت الباب.

الحزم لا يحتاج إلى الإهانة، والحب لا يعني التساهل.

قل له:

«أنا أرفض ما تفعله، وسأمنعك من إيذاء نفسك وإيذائنا… لكنك ابني، ولن أتركك وحدك في هذا الطريق.»

ويا أمه، ربما انتظرتِ صوت المفتاح حتى الفجر، وأعطيته مالًا لأنك لم تحتَملي توسله، ثم خفتِ أن يكون مالك قد اشترى المادة التي تؤذيه.

أنت أيضًا تحتاجين إلى مساعدة.

فالحب لا يعني أن نمول التعاطي، والستر لا يعني أن نخفي المشكلة، والاحتواء لا يعني أن نسمح بالعنف.

قولي له:

«لن أعطيك ما يؤذيك… لكنني سأمشي معك إلى العلاج.»

الابنة التي قد تختفي خلف الأبواب

يجعلنا الحديث عن الإدمان نتخيل رجلًا ضائعًا في الشارع، لكن القضية لا تقتصر على الذكور؛ وقد أشارت تصريحات وتقارير رسمية منشورة في عُمان إلى وجود خدمات وبرامج مخصصة للنساء في مجال علاج اضطرابات استخدام المواد.

إذن، هناك ابنة أيضًا.

كانت يومًا طفلة لها غرفة وسرير وعطر وصور وأحلام صغيرة.

ثم جاءت التجربة، فالتكرار، فالحاجة، فالخوف، فالكذب، فالهروب.

وقد تصبح الفتاة أكثر عرضة للاستغلال حين تجتمع حاجتها إلى المادة مع حاجتها إلى مأوى أو مال أو حماية. وهذه احتمالات ومخاطر معروفة في الأدبيات الصحية والاجتماعية، لكنها لا تنطبق بالضرورة على كل حالة.

لذلك قد لا نراها تحت الجسر؛ قد تختفي خلف الأبواب، أو في مدينة أخرى، أو في بلد بعيد.

فليس الضائع دائمًا من يجهل مكانه؛ قد يعرف عنوانه جيدًا، لكنه لم يعد يعرف الطريق إلى نفسه.

ثم إذا عادت، قد تواجه محكمة أخرى لا توجد في أي قانون:

محكمة العيب.

«ماذا سيقول الناس؟»

وأنا أسأل أباها وأمها: أيهما أهم؟

ماذا سيقول الناس غدًا، أم أن تبقى ابنتكم حيّة حتى يأتي الغد؟

حاسبوا السلوك، واحموا البيت، وضعوا الحدود، واطلبوا المساعدة، لكن لا تقولوا:

«ليس عندي ابنة بهذا الشكل.»

فالناس الذين تخشون كلامهم سيعودون إلى بيوتهم، وأنتم ستبقون أهلها.

وقد تأتي ابنتكم منهارة، وتقول:

«أمي… ساعديني.»

هناك وقت للأسئلة والمحاسبة، أما تلك اللحظة فقد تحتاج جملة واحدة:

«ادخلي يا ابنتي… وغدًا نبدأ العلاج.»

لا تجعلوها تبكي مرتين: مرة حين تنظر إلى نفسها ولا تعرف كيف وصلت إلى هنا، ومرة لأنها اكتشفت أن أهلها لم يعودوا يريدونها.

ولا تنادوها بمرضها.

نادوها باسمها.

فلها اسم سبق المخدر، ووجه سبق التعب، وحلم سبق الضياع.

وإذا نسيت هي تلك الفتاة، فذكّروها بها.

الوقاية تبدأ من البيت والمدرسة

قد يبدأ الأمر لدى الأطفال والشباب بتجربة، أو تحدٍّ، أو فضول، أو ضغط من رفاق، أو رغبة في الانتماء.

وهذه عوامل محتملة وليست تفسيرًا حتميًا لكل حالة.

ولهذا لا تُبنى الوقاية على التخويف وحده، بل على دعم النمو الصحي والمهارات والبيئة المحيطة، وفق ما تذكره أطر الوقاية الصحية الدولية.

وتخيلوا طالبًا يعود إلى البيت ويقول:

«أماه… أنا جربت شيئًا.»

هل يسمع صرخة تجعلها آخر مرة يعترف فيها بشيء؟

أم يسمع:

«ما فعلته خطير، وسنتعامل معه بجدية… لكن شكرًا لأنك عدت إلينا قبل أن يكبر.»

كم أتمنى أن يعرف كل طفل في عُمان هذه الجملة:

«إذا أخطأت… عد إلينا قبل أن يكبر الخطأ.»

وقد يرى المعلم ما لا نراه: تغيرًا مفاجئًا، أو غيابًا، أو عزلة، أو تراجعًا دراسيًا، أو تغيرًا في الصحبة والسلوك.

لكنها ليست دليلًا قاطعًا على التعاطي، وقد تنتج عن أسباب صحية أو نفسية أو أسرية أو تعليمية أخرى.

لذلك لا نريد معلمًا يشخّص، ولا مدرسة تفضح، ولا طالبًا يحمل لقبًا يطارده بين زملائه.

نريد عينًا تلاحظ، ونظامًا يحيل بسرية وفق الأنظمة المعمول بها، ومختصًا يقيّم.

الأسرة والمجتمع: من الوصم إلى المساندة

حين تعرف أن ابن جارك يعاني اضطراب استخدام المواد، هل يتحول بيتهم إلى موضوع مجلسك؟

أم تطرق الباب وتقول:

«هل تحتاجون مساعدة؟»

هناك فرق هائل بين مجتمع يحاصر المخدر، ومجتمع يحاصر المريض.

وإذا عاد زميلك من العلاج، فلا تجعل ماضيه بطاقة تعريف معلقة على صدره.

لا تجعل كل تعب دليلًا على الانتكاس، وكل خطأ برهانًا على أنه لا يتغير.

كيف نطالبه بهوية جديدة، ونحن نستدعي هويته القديمة كل صباح؟

لا نريد ثقة عمياء، بل ثقة متدرجة، ومسؤولية صغيرة، ثم نجاحًا، حتى يبني الإنسان سمعته الجديدة بأفعاله الجديدة.

عُمان لا تبدأ من الصفر

لدينا منظومة علاجية تتطور، وتشير الإعلانات الرسمية المتاحة إلى وجود خدمات علاج وتأهيل لاضطرابات استخدام المواد في عُمان، بما يشمل التقييم والرعاية الطبية والنفسية والاجتماعية وإعادة التأهيل.

كما أن المنظومة التشريعية المرتبطة بمكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية تشهد تطورًا يستحق القراءة في ضوء النصوص القانونية الرسمية وتطبيقاتها.

لكن الرقم لا يبكي.

الأم تبكي.

والقانون لا ينام تحت القارب.

الإنسان ينام تحته.

ولهذا أريد أن أنتقل من السؤال: ماذا نقدم لعلاج الإدمان؟

إلى سؤال آخر:

كيف نهندس علاقتنا بالإنسان الذي يعانيه؟

قد يخلص الطبيب الجسد من المادة، ويبدأ الأخصائي العلاج النفسي، ويمنح مركز التأهيل الإنسان شهورًا من الرعاية.

لكن إلى أين يعود بعدها؟

إلى البيت، والأسرة، والحارة، والوظيفة، والمجتمع.

فإذا عالجناه أشهرًا، ثم أعدناه إلى بيئة تقول له كل صباح: مدمن، فاشل، فضيحة، لا نثق بك…

فنحن نطلب من العلاج أن يصلح ليلًا ما نكسره نحن نهارًا.

لهذا أتصور فلسفة مختلفة:

نكتشفه مبكرًا ← نقترب منه ← نعالجه ← نبني الثقة تدريجيًا ← نعيده إلى الحياة.

لا:

نكتشفه ← نفضحه ← نهينه ← نطرده ← ثم نستغرب لماذا اختفى.

احترام كرامة المريض، وعدم وصمه أو التمييز ضده، وحماية سرية معلوماته الصحية ضمن الأطر القانونية والمهنية، مبادئ أساسية للرعاية الصحية الجيدة.

مسار الأمان للتعافي

أتمنى أن تتطور هذه الفلسفة إلى مسار واضح يعرفه كل بيت:

بوابة علاج سرية وواضحة، مع مراعاة القوانين والضوابط المهنية.

تقييم طبي ونفسي واجتماعي.

منسق تعافٍ يتابع الإنسان من البداية إلى ما بعد التأهيل.

وبرنامج موازٍ للأسرة يعلّم الأب والأم كيف يضعان الحدود دون إذلال، ويمنعان المال دون أن يمنعا الحب، ويتعاملان مع الانتكاسة، ويفرقان بين الاحتواء وتمكين التعاطي.

ثم تأتي الثقة المتدرجة، والتعليم أو التدريب والعمل، والعودة الحقيقية إلى المجتمع.

وقد يحتاج المتعافي إلى أن يسمع ممن عبر الطريق:

«كنت هناك… ويمكن الخروج.»

ولا أريد خطابًا يضع الأمن والعلاج في جهتين متعارضتين.

نحتاج إلى رجل الأمن قويًا أمام من يستورد السم ويروّجه ويستغل الأطفال والفتيات والشباب، مع احترام الإجراءات والحقوق التي يقررها القانون.

وفي الوقت نفسه، يحتاج الإنسان الذي يريد النجاة إلى طريق واضح نحو العلاج.

الفلسفة بسيطة:

يد شديدة على من يبيع المخدر… ويد تعرف طريق العلاج لمن وقع فيه.

لا تصوروه في أسوأ لحظاته

إذا وجدتم إنسانًا تحت جسر، أو عند الشاطئ، أو في حالة يرثى لها، فلا تجعلوا هواتفكم عقوبة جديدة.

لا تصوروه للسخرية، ولا ترسلوه إلى المجموعات، ولا تقولوا لأطفالكم أمامه:

«شوفوا نهاية المدمن.»

فالإنسان الذي جعلتموه عبرة لطفلكم…

هو طفل أم أخرى.

ستر الإنسان لا يعني إخفاء المشكلة، بل كشفها من دون أن نفضح ضحيتها.

السؤال الذي يطاردني

يا أباه، حين سقط، هل اقتربت؟

يا أمه، حين اكتشفت، هل طلبت المساعدة أم أخفيت الأمر خوفًا من الناس؟

يا أخاه، هل وضعت حدودًا أم سحبت منه أخوّتك؟

يا أختها، هل أمسكت يدها أم أصبحتِ تخجلين من اسمها؟

يا معلمه، هل لاحظت؟

يا جاره، هل سترت؟

يا زميله، هل سمحت له أن يبدأ من جديد؟

يا مجتمعه، هل تركت له طريقًا يعود منه؟

والسؤال الذي يطاردني:

لماذا يخاف بعض أبنائنا وبناتنا من العودة إلينا عندما يسقطون؟

إذا كان الابن يخشى أباه أكثر من رفيق السوء، أو كانت الابنة تخشى الفضيحة أكثر من المخدر، أو كان المتعافي يخشى نظرة المجتمع أكثر مما يتطلع إلى حياته الجديدة، فهناك شيء يستحق المراجعة.

فالعلاج لا يبدأ دائمًا بالدواء.

أحيانًا يبدأ عندما يستطيع الإنسان أن يقول:

«أنا في ورطة… ساعدوني.»

ويجد من يسمعه.

لا تنادوه بمرضه

هذه ليست دعوة لتجميل الإدمان، بل دعوة ألا نجعل المرض اسمًا للإنسان.

لا تقولوا: المدمن، المدمنة، الخربان، الضائعة.

قولوا: فلان يتعافى، فلانة تحتاج إلى علاج، ابننا أخطأ ونريد استعادته، ابنتنا ضاعت منا فترة… وسنساعدها على أن تجد الطريق.

نادوهم بأسمائهم؛ لأن لهم أسماء سبقت المخدر، ووجوهًا سبقت التعب، وأحلامًا سبقت الجرعة.

وأعود إلى البحر.

إلى ذلك الشاب الملتحف بشبكة صيد تحت قارب.

وإلى تلك الفتاة خلف نافذة شقة في مدينة لا تشبه مدينتها.

وإلى ابنة ربما تتردد هذه الليلة:

هل أتصل بأمي؟

إذا اتصلت، أتمنى أن تسمع:

«أين أنتِ يا ابنتي؟»

لا لتبدأ المحاكمة، بل لتبدأ العودة.

قد نحاسبها غدًا، ونضع الحدود، وقد تكون رحلة العلاج طويلة، وقد تحدث انتكاسة، وقد نتعب ونبكي جميعًا.

لكن لا تجعلوها تبكي مرتين:

مرة لأن المخدر أخذها، ومرة لأنها حين حاولت العودة لم تجدنا.

ولا تجعلوا الابن يموت مرتين:

مرة حين يفقده الإدمان، ومرة حين نقنعه أنه لم يعد يستحق أن يكون واحدًا منا.

أنا لا أطلب من المجتمع أن يتسامح مع المخدرات.

أطلب منه ألا يتخلى عن الإنسان الذي ابتلعته المخدرات.

لا أطلب أن نبرر الخطأ.

أطلب أن نترك للمخطئ طريقًا يعود منه.

ولا أطلب من الأب والأم أن ينسيا الألم.

أطلب أن يتحول الألم إلى يد تمتد، لا إلى باب يُغلق.

فهؤلاء ليسوا غرباء عنا.

هؤلاء أبناؤنا وبناتنا.

فإذا وجدتم غدًا شابًا تحت قارب، وما زال في صدره نَفَس، أو فتاة خلف باب لا تعرف كيف تخرج منه، وما زال في عينيها أثر بكاء، فلا تمرّوا بهما كما مررنا بآخرين من قبل.

فبعض الذين ناموا في تلك الزوايا لم يعودوا منها.

بعضهم رحل قبل أن تمتد إليه يد، وقبل أن يسمع سؤالًا واحدًا:

«هل تريد أن نساعدك؟»

وربما لم يقتلهم المخدر وحده؛ ربما أسهم في ذلك أيضًا طول الغياب، والعزلة، والخوف، وتأخرنا في الوصول إليهم.

لذلك، ما دام الإنسان أمامكم حيًا، فلا يكن سؤالكم الأول:

«كيف أوصلت نفسك إلى هنا؟»

اسألوه:

«كيف نُخرجك من هنا؟»

ثم نادوه باسمه.

وانظروا إليه دون اشمئزاز.

وإذا نسي اسمه من طول ما ناداه الناس بمرضه…

ذكّروه به.

وقولوا له، ابنًا كان أو ابنة :

«قُم… ما زال لك مكان بيننا».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى