
ترقيات بطعم البرياني !!..
يـوسـف الـبـادي
كنت مكتئباً بملئ السماء، وأحسست ان أي سبب سأرفع فيه صوتي غضِباً، لأن هماً كبيراً يملأ معيشتي. إلا ان الوجوه التي حولي كانت لا تحتمل الغضب، و الكثير منها تبدو انها تريد رفع صوتها أيضاً.
في ظل هذا كله، قفز الجوع إلى احشائي كلها، ولا استغرب زيارته، فمعدة الفقير تذوق طعم الجوع مراراً.
لهذا.. ذهبت الى مطعم بسيط على زاوية شارع لطلب برياني دجاج، وهي وجبة وحيدة اتناولها يومياً.. كأني بدجاجها أخطط لتنمو لي أجنحة أطير بها لمكان بعيد، انقر الارض فيها طلباًً لحبات قمح.
قال المحاسب ان الطلب سيستغرق اكثر من نصف ساعة، لأن الارز لم يجهز بعد. استغربت الامر.. وطلبت التبديل من نوع ارز مختلف فأخبرني إن الأمر سواء. ظهر في صوتي غضب المحب، وأن هذا مطعمي المفضل، ولأول مرة يتم التعامل معي بهذا التأخير.
مصاحباً لاعتذار المحاسب دخل مدير المطعم- الذي تبين لاحقاً انه صاحبه- فدخل الحوار واعتذر، ووعد بأنهم سيفعلون ما بوسعهم لتحضير الطلب، ودخل بشكل شخصي إلى المطبخ، وخرج حاملاً كوباً من الشاي لي مع قطعتي بسكويت، ثم اتاني بطبق شوربة.
سألته: وما الداعي؟
قال: هذه غلطتنا ان نؤخرك وانت ضيفنا.
استحسنت الرد، فاحسنت الاستماع له، واخبرني آسفاً ان اليوم حدث عطل في مكائن الطبخ، ولم تتبق إلا واحدة، لذلك لم يعد الأرز يكفي طلبات الزبائن.
طحان زوجة
قال لي: أنه مشفق على من يطبخ الأرز هذا اليوم مما سيكابده من عناء، لهذا سيكافئه مكافأة مجزية، رغم أنه سيحصل في نهاية العام ترقيته السنوية كالمعتاد.
تحدث عن ذلك ببساطة مدهشة، بلا خوارزميات وملفات….عملية بسيطة.. عمل جيد؛ مكافأة تماثله، والترقية معروفة مسبقا.
ويرى أن جودة ما يقدم، ورضا الزبون عند الطاولة، سجلان واضحان لأداء العامل.
أخبرني أنه لا يجعل احتمال الخسارة سبباً لحجب المكافأة عن موظفيه، فاستراتيجيته تقوم على أن مكافأة العامل جزء من المكسب، وقد تكون هي ما يطرد الخسارة.
وقال ايضاً أن أحد الزبائن شكره لحسن تنظيم حفل عشاء في بيته، فما كان منه إلا وكافأ عامله الذي ينظم الحفلات بأن اعطاه الزيادة المالية التي منحها الزبون للمطعم لرضاه على الخدمة، حيث اكد ان الأشياء تذهب لمستحقها وحسب.
اخبرني انه لا ينتظر العامل عنده حتى يحصل على عرض لراتب اعلى في مطعم آخر، فهو يزرع بتعامله هذا الأمان في عمله، يشعره ولو بزيادة بسيطة بأن جهده محل تقدير، فهذا التصرف يجعل الموظف
متشبثا بعمله، لأنه قد يحصل في مكان آخر على راتب اعلى، لكنه لا يضمن الأمان هناك.
وصل الطبق وما زلت استمع لصاحب المطعم، وكانت فكرة تتراكم في ذهني أن وراء ملفات الترقيات ومعاييرها معنى أبسط: عمل جيد، مكافأة تماثله.
صافحت صاحب المطعم الصغير مودعاً، وأصر ان يكون البرياني ضيافة، وعلل ضيافته بأن الاهم اننا كسبناك كإنسان.
وبهذا دعاني بلا قول منه الى زيارة المطعم مرة اخرى.
فعلا.. تأخر البرياني نصف ساعة، لكنني فهمت أن بعض المطاعم تكسب زبونها بطبق، وتكسب احترامه بحسن تعاملها مع عامليها.
أما عن الغضب، فسأرجع الى غرفتي لأغضب، حيث الهدوء الفاقع، حين لم اجد مساحة لأغضب في وجه الضجيج.









