
سلامة الأوطان تبدأ من عقول أبنائها
سالم بن حمدان السيفي
في ظل ما تمر به المنطقة اليوم من متغيرات متسارعة وفوضى رقمية مصطنعة تدار عبر الفضاء السجالي، بات لزاماً على العقول الواعية والأقلام المسؤولة أن تقف وقفة تأمل عميقة لتقييم المشهد بعين بصيرة. وإن مايحدث في الأونة الأخيرة من التراشقات الإلكترونية والاصطفافات العاطفية المتبادلة لم تعد مجرد آراء شخصية عابرة، بل أضحت أدوات ممنهجة لزعزعة الاستقرار وتفكيك النسيج الخليجي والعربي. ومن هنا، تتجسد الحاجة الملحة لاستجلاء الحكمة، وإعلاء صوت السلام والوفاق، وحماية الأوطان من مخاطر الانسياق خلف الفتن والنعرات التي لا تبقي ولا تذر.
وبدون أدنى شك، نحن نعيش اليوم في خضم مرحلة حساسة تتسم بفوضى رقمية مصطنعة تلقي بظلالها الثقيلة على الساحة الخليجية، لا سيما في ظل ما تتعرض له إحدى دول المجلس من تهديدات. وفي هذا المشهد المحتقن، ينقسم المغردون وتكثر الاصطفافات المتبادلة للتراشقات والاتهامات بين أبناء الشعب الخليجي الواحد، في الوقت الذي ينبغي أن يتجلى فيه صوت الحكمة والعقلانية، وأن تترك الأمور للأقطاب السياسية والدبلوماسية القادرة على رأب الصدع ولم الشتات وحل الإشكاليات بحنكة واقتدار.
ولكن حين تغلب العاطفة على العقل، يفقد متلقو الأخبار القدرة على قراءة ما وراء الكواليس ولا يلتفتون إلى من يقفون خلف هذه الإساءات والهدف الذي يرمون إليه.وهذا ما جعل كثيرين لا يدركون ما يُحاك ضد شعوب المنطقة، ولا يعون أن هناك أيادي خفية تعمل بدس مسمار الفتن وخلق صراعات وهمية لتحقيق مصالح شيطانية عدوانية، تسعى لضرب مفاصل الأمن والاستقرار في كل دولة، سواء كانت دولة راعية للسلام كسلطنة عمان، أو بقية دول المحيط ومجلس التعاون.
وقد أدى هذا الانسياق إلى حالة من الانقسام المتباين اثر اختلاف وجهات النظر فيما يحدث؛ فأصبحت فئة من الناس تقف عاجزة عن التفريق بين العاطفة البحتة وبين السياسة وفن إدارتها. هذا الخلط يفتح الباب واسعاً أمام شيطنة القضايا وتضليل الشعوب واختراق العقول لزعزعة الثقة المتبادلة بين أبناء المنطقة أولاً، ثم تقويض ثقتهم بقياداتهم الحكيمة، ليكون المستفيد الأكبر في نهاية المطاف هم دعاة الحرب وتجار الانقسام.
وبناءً على ذلك، يتوجب على العقلاء والمثقفين وأصحاب الرأي أن يكونوا أكثر وعياً وثباتاً أمام كل هذه الهجمات الممنهجة، ليشكلوا صمام أمان مجتمعي يحمي الأمة من التفكك. ويقتضي هذا الوعي بالضرورة الابتعاد التام عن النعرات المذهبية والطائفية التي يذكي فتيل صراعها مندسون يقفون خلف الشاشات، لا علاقة لهم بنسيجنا الاجتماعي ولا ببيئتنا الأصيلة، وليس لهم غاية سوى غرس الشقاق وتأجيج الفوضى وتصديرها إلينا.
إن السلام ليس مجرد خيار سياسي عابر، بل هو الركيزة الأساسية لبناء الحضارات وضمان استمراريتها؛ فبالسلام تفتح أبواب التنمية وتزدهر المجتمعات، وتتوجه الطاقات نحو البناء والإبداع بدلاً من استنزافها في حروب عبثية لا أفق لها.
وفي السياق ذاته، يبرز الوفاق المجتمعي بين الشعوب كطوق نجاة حقيقي يعزز من أواصر الأخوة الإنسانية والخليجية المشتركة. فالترابط والتلاحم الشعبي هما السور المنيع الذي يتكسر على صخرته رهان المتربصين، إذ إن وحدة الكلمة وتفويت الفرصة على دعاة الفرقة يضمنان بقاء النسيج الاجتماعي متماسكاً وقادراً على مواجهة التحديات بوعي وصلابة.
إن التاريخ القريب والبعيد مليء بالعبر المؤلمة لدول عربية وإقليمية كانت تتمتع بالأمن والرخاء والاستقرار، لكنها سقطت في فخ التراشق الإلكتروني والفرقة الداخلية قبل أن تتحول إلى ساحات صراع مدمرة. فالمتأمل في تجارب بعض الدول العربية التي تم تمزيقها امنيا وسياسيا واقتصاديا، يرى كيف بدأت الأزمات بمجرد شرارات افتراضية وحروب جيل رابع وشحن إعلامي، أدى في النهاية إلى تمزق النسيج الاجتماعي، وضياع الأوطان، وتبخر الثروات في مهب الريح.
والدرس الأبلغ الذي يجب أن تعيه شعوب المنطقة من تلك التجارب هو أن المواطنين في تلك الدول المنكوبة لم يدركوا حجم المؤامرة ولا خطورة الانسياق خلف العصبيات والفتن إلا بعد فوات الأوان، وحين تحولت أوطانهم إلى رماد ومخيمات للنزوح.دفع أولئك ثمناً باهظاً تمثل في فقدان الأمان والاستقرار، وهو ثمن لا تقابله أي شعارات برّاقة أو انتصارات وهمية تُحقق خلف شاشات الهواتف الذكية.
ختاماً، ستظل سلطنة عمان، بنهجها السامي وسياساتها الراسخة وشعبها الواعي في الحياد الإيجابي وصنع السلام، نموذجاً فريداً للتعقل والاتزان في المنطقة. وإن الرد الأمثل والأقوى على كل إساءة أو محاولة بائسة للنيل من عمان ورموزها هو الالتفاف الوطني الواعي حول القيادة الحكيمة، والترفّع التام عن الدخول في مهاترات الفضاء الرقمي، وإدراك أن الحفاظ على استقرار الوطن ووحدة لحمته الخليجية هو الحصن الحصين والدرع المنيع ضد كل عاصفة عابرة.









