
تعزيز الترابط في مجال النقل في آسيا من خلال تطوير ممر النقل الدولي عبر بحر قزوين
إيلدار ريناتوفيتش ياوشيف
كاتب ومحلل اقتصادي – أوزبكستان
إن التحولات التي تشهدها سلاسل الإمداد الدولية والتوسع المتزايد في التجارة في آسيا يدفعان نحو زيادة الطلب على مسارات نقل مستدامة. وبالنسبة إلى الشركات، تزداد أهمية الالتزام بمواعيد التسليم المتوقعة، وتنافسية التعريفات، وإمكانية الوصول الموثوق إلى الأسواق الخارجية.
وفي ظل هذه التطورات، يبرز ممر النقل الدولي عبر بحر قزوين، الذي يربط الصين وآسيا الوسطى بتركيا وأوروبا عبر بحر قزوين وجنوب القوقاز، بوصفه أحد المجالات الرئيسية للتعاون الإقليمي.
وبالنسبة إلى أوزبكستان، الدولة غير الساحلية، يُعد تطوير هذا الممر جزءًا من سياسة أوسع نطاقًا تهدف إلى تنويع مسارات التجارة الخارجية. ولا تقتصر أهمية مشاركة البلاد على زيادة حجم الشحنات المنقولة عبر هذا المسار، بل تشمل أيضًا تعزيز الروابط في مجال النقل بين الدول الآسيوية. ويتمثل أحد الأهداف الرئيسية في إنشاء سلسلة لوجستية متكاملة تضمن التنسيق الفعّال بين النقل بالسكك الحديدية والنقل البري والنقل البحري.
ويتجلى تزايد أهمية هذا المسار في ارتفاع حجم شحنات البضائع الأوزبكية. فبحلول نهاية عام 2025، بلغ حجم هذه الشحنات 1.2 مليون طن، أي ضعف مستواه المسجل قبل خمس سنوات.
كما ارتفعت حصة «الممر الأوسط» من إجمالي تجارة الشحن الأوزبكية مع الاتحاد الأوروبي من 12% في عام 2021 إلى 28% في عام 2025. ويعكس ذلك الاندماج التدريجي لهذا المسار في سلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية للشركات المحلية.
ويشكّل مسار CASCA+ الدولي متعدد الوسائط إحدى الآليات الرئيسية للتعاون، إذ يربط منطقة آسيا والمحيط الهادئ بأوروبا عبر الصين وقيرغيزستان وأوزبكستان وتركمانستان وأذربيجان وجورجيا وتركيا.
وفي إطار هذا المسار، تنسّق هيئات السكك الحديدية شروط النقل وتقدم تخفيضات على التعريفات تصل إلى 70% في بعض المقاطع.
وستتركز الجهود المستقبلية على ضمان انتظام الشحنات، وتنسيق الجداول الزمنية، وتوسيع نطاق النقل بالحاويات.
خطوط سكك حديدية جديدة..
يكتسب خط السكك الحديدية بين الصين وقيرغيزستان وأوزبكستان أهمية استراتيجية لتطوير ممر النقل عبر بحر قزوين.
ومن شأن دمج هذا الخط في شبكة النقل لآسيا الوسطى وربطه بموانئ بحر قزوين أن يتيح إنشاء مسار إضافي بين الصين وأوروبا مرورًا بأوزبكستان.
وسيوفر ذلك فرصًا لزيادة حجم حركة العبور، وتطوير الخدمات اللوجستية، وتوسيع نطاق التعاون الصناعي بين دول المنطقة.
وبالنظر إلى المستقبل، فإن المضي قدمًا في تنفيذ مشروع خط السكك الحديدية بين أوزبكستان وأفغانستان وباكستان، وربطه بمسار النقل عبر بحر قزوين، من شأنه تعزيز الروابط بين جنوب آسيا وآسيا الوسطى وجنوب القوقاز. ويهيئ التكامل بين هذه المسارات الأساس لتطوير حركة النقل على المحورين الشرقي–الغربي والشمالي–الجنوبي.
ويُولى اهتمام خاص لإمكانات مشاركة أوزبكستان في تطوير مسار السكك الحديدية في ناخيتشيفان. ويوفر هذا المشروع آفاقًا واعدة لتوسيع خيارات نقل البضائع عبر جنوب القوقاز إلى تركيا، ومنها لاحقًا إلى أوروبا.
ويتطلب تحديد صيغة المشاركة تقييم تدفقات الشحن المحتملة، والجدوى الاقتصادية، وإمكانات التكامل مع المسارات القائمة. ومن شأن تطوير هذا الممر أن يوفر مرونة أكبر في اختيار مسارات النقل ضمن شبكة النقل عبر بحر قزوين.
خدمة العبارات ومركز لوجستي في بوتي..
لا يزال النقل البحري عبر بحر قزوين يشكّل حلقة أساسية في هذا الممر. إذ يؤثر توافر السفن، والتنسيق بين الموانئ، ووصول وسائل النقل البري في الوقت المحدد، تأثيرًا مباشرًا في إجمالي مدة التسليم. ولذلك، ينبغي أن يقترن توسيع القدرات في مجال النقل البحري بتوفير خدمات أكثر انتظامًا وموثوقية. وفي هذا السياق، تعمل أوزبكستان مع شركائها الأذربيجانيين على شراء عبّارتين للعمل في بحر قزوين.
وتهدف إضافة هاتين العبارتين إلى تقليص فترات انتظار البضائع في الموانئ، وإتاحة تخطيط عمليات التسليم بدرجة أكبر من الدقة. ويراعي التخطيط للمشروع المواصفات الفنية، والبنية التحتية للموانئ، والجدوى الاقتصادية للتشغيل. وتكتسب انتظامية الخدمة أهمية خاصة بالنسبة إلى المصدّرين الوطنيين عند نقل السلع القابلة للتلف والوفاء بالعقود التي تتضمن مواعيد تسليم محددة.
وتتمثل مبادرة عملية أخرى في إنشاء مركز لوجستي بالقرب من ميناء بوتي في جورجيا.
وتستأجر أوزبكستان قطعة أرض تبلغ مساحتها أربعة هكتارات لإقامة هذا المركز. ويتضمن المشروع خططًا لإنشاء مستودعات تقليدية ومستودعات مبردة للتعامل مع شحنات التصدير والاستيراد، بما في ذلك منتجات الفاكهة والخضروات. وسيسهم المركز في تخزين الشحنات وتجميعها وتوحيدها تمهيدًا لنقلها لاحقًا عبر البحر الأسود. وسيتيح ذلك للمصدّرين الوطنيين فرصًا جديدة لتنظيم شحناتهم إلى الأسواق الأوروبية، كما سيمكن شركات الشحن والخدمات اللوجستية من توسيع نطاق خدماتها. وبذلك، تتكامل منشأة بوتي والعبّارات الإضافية ومسار السكك الحديدية في ناخيتشيفان، بما يعزز مختلف حلقات سلسلة النقل المتكاملة.
الرقمنة وتوحيد الإجراءات يجب أن يترافق تطوير البنية التحتية مع إزالة الحواجز الإدارية.
فالحاجة إلى إعادة تقديم المعلومات، وعدم اتساق متطلبات الوثائق، وطول إجراءات المعالجة على الحدود، كلها عوامل تحدّ من كفاءة النقل. ويتطلب إنشاء ممر متكامل وسلس ضمان قابلية التشغيل البيني بين نظم المعلومات، وتبادل البيانات مسبقًا، والاعتراف المتبادل بالوثائق الإلكترونية.
وتسهم أوزبكستان عمليًا في هذا المجال من خلال تطوير نظام «E-Permit» للتبادل الإلكتروني لتصاريح النقل البري الدولي. وتشكل الخبرة المكتسبة أساسًا لتوسيع التعاون الرقمي بين الدول المشاركة في الممر. كما تكتسب اتفاقية تصريح العبور الموحد لـ«تراسيكا» (TRACECA)، الموقعة في 15 مايو 2026 في أستانا من قبل أوزبكستان وكازاخستان وقيرغيزستان وأذربيجان وأوكرانيا، أهمية كبيرة. وبعد استكمال الإجراءات المحلية ودخول الاتفاقية حيز النفاذ، ستتيح تنفيذ عمليات العبور باستخدام تصريح موحد واحد.
وستتركز الجهود المستقبلية على تطوير مستندات الشحن الإلكترونية، بما في ذلك (e-CMR وe-CIM/SMGS)، وتوحيد الإجراءات الجمركية، وتطبيق أنظمة الطوابير الإلكترونية. وينبغي أن ترافق بيانات الشحن البضائع خلال عمليات النقل متعدد الوسائط، بما يقلل الحاجة إلى إعادة إدخال البيانات ويسرّع إجراءات المعالجة.
وتنظر أوزبكستان إلى تطوير ممر النقل عبر بحر قزوين باعتباره مساهمة عملية في تعزيز الترابط في مجال النقل على امتداد آسيا. فالروابط الجديدة للسكك الحديدية، وخطط اقتناء السفن، وإنشاء مركز لوجستي في بوتي، ورقمنة عمليات النقل، كلها عوامل توسّع آفاق التجارة والتعاون الإقليمي.
ومن شأن التنفيذ المنسق لهذه المبادرات أن يعزز موثوقية سلاسل الإمداد، ويخفض التكاليف اللوجستية، ويوطّد الروابط بين الأسواق الآسيوية والأوروبية.











