
الإنسان مقبرة لأخيه الإنسان
هيام سلوم
يقول “مارتن لوثر كينغ الابن” : «الكراهية لا تستطيع أن تطرد الكراهية، الحب وحده يستطيع ذلك». هذه ترجمة لمقولة مشهورة وموثّقة له، وردت في كتابه قوة الحب (Strength to Love).
ففي ذاكرة العالم، تتراكم أسماء ارتبطت بالحروب والمجازر والإبادات الجماعية؛ هتلر وستالين وماو وموسوليني وغيرهم، وتبقى وراء كل اسم ملايين الحكايات المبتورة، وأرواحٌ لم تجد فرصةً لتكمل حياتها. كما شهد العالم قصف هيروشيما وناغازاكي بالقنابل الذرية، وحروباً ومجازر في قارات مختلفة، ارتكبها أشخاص وجماعات ودول تحت رايات وأيديولوجيات متباينة.
لكن العالم، في مفارقته الأكثر قسوة، لم يتوقف عن صناعة الأعداء، ولم يكفّ عن منح القتل أسماءً تتبدّل بتبدّل هوية القاتل وموقعه من السلطة. وهنا يبدأ السؤال: هل الإرهاب هويةٌ يحملها الإنسان، أم فعلٌ يرتكبه، ثم تحاول السياسة والتاريخ إعادة تعريفه؟
الإرهاب لا دين له… لكنه يحتاج دائماً إلى عدو حين تتحوّل الجريمة إلى وجهة نظر، ويصبح القاتل بطلاً في رواية المنتصر.
ليس أخطر ما في الإرهاب أنه يقتل الإنسان فحسب، بل أنه يمتلك، أحياناً، قدرةً هائلة على إعادة تعريف الجريمة، وتغيير أسمائها، وصناعة روايات تجعل القاتل يبدو صاحب قضية، والضحية مجرّد تفصيل عابر في كتاب التاريخ.
لكن المفارقة التي تستحق التأمل ليست في تعداد الضحايا وحده، بل في الطريقة التي يتعامل بها البشر مع دمائهم.
لماذا تتحوّل بعض الجرائم إلى ذاكرة عالمية لا تُنسى، بينما تُهمَّش جرائم أخرى، أو يُعاد تقديمها بلغة سياسية تخفّف من بشاعتها؟
ولماذا يُسمّى القتل أحياناً إرهاباً، وأحياناً حرباً، وأحياناً ضرورةً تاريخية، وكأن تغيير المصطلح قادر على تغيير حقيقة الدم المسفوك؟
إن التاريخ لا يُكتب دائماً بيد المنتصر وحده، لكنه يتأثر بقوة المنتصر، ونفوذهةالسياسي والإعلامي، وبقدرة الدول على فرض روايتها على العالم.
وهنا تكمن إحدى أخطر مشكلات الذاكرة الإنسانية: أن تتحوّل المعايير الأخلاقية إلى معايير انتقائية، فنغضب لموتى ونصمت عن آخرين، ونطالب بالعدالة حين تكون الضحية قريبةً من تصوراتنا، ثم نبحث عن المبررات حين تكون بعيدةً عنها.
ومن هذا المنطلق، يصبح من الضروري التمييز بين إدانة الجريمة وإدانة الهوية. فهتلر لم يكن مسلماً، وستالين لم يكن مسلماً، لكن هذه الحقيقة لا تُدين ديناً ولا تُبرّئ آخر. وكذلك فإن الجرائم التي ارتكبها متطرفون باسم الإسلام لا تجعل المسلمين جميعاً مسؤولين عنها. فالدين الذي ينتمي إليه القاتل ليس دليلاً كافياً على طبيعة جريمته، مثلما أن انتماءه السياسي أو القومي لا يمنحه حصانةً أخلاقية.
الإرهابي لا دين له بالمعنى الأخلاقي؛ فالإرهاب ليس بطاقة هوية، بل فعلٌ يُقاس بما يرتكبه من قتلٍ وترويعٍ وانتهاكٍ لكرامة الإنسان. ومع ذلك، فإن الإرهاب يحتاج دائماً إلى عدو؛ لأن صناعة العدو تمنح العنف ذريعة، وتحشد الأتباع، وتُحوّل الضحية من إنسان له اسم ووجه وعائلة إلى مجرّد رقم في إحصائية أو عقبة في طريق مشروع سياسي أو عقائدي.
وحين يُجرَّد الإنسان من إنسانيته، يصبح قتله أسهل.
تبدأ الحكاية بكلمة تحقير، ثم بصورة نمطية، ثم بخطاب يُقنع الجماعة بأن الآخر أقلّ استحقاقاً للحياة. وعند هذه النقطة، لا يعود القتل فعلاً فردياً فحسب، بل يصبح نتيجةً لمنظومة كاملة من التحريض والتبرير والصمت.
ولعلّ السؤال الأهم ليس: هل كان القاتل مسلماً أم مسيحياً، مؤمناً أم ملحداً، شرقياً أم غربياً؟ بل: هل خضع فعله للميزان الأخلاقي نفسه الذي نخضع له أفعال الآخرين؟ وهل نملك الشجاعة لإدانة الجريمة حين يرتكبها من نحب، كما ندينها حين يرتكبها من نختلف معه؟
إن العدالة التي تتغيّر بتغيّر هوية الضحية ليست عدالة، والضمير الذي ينتقي ضحاياه ليس ضميراً كاملاً. لا يجوز أن نستخدم جرائم الآخرين لتبرئة جرائمنا، ولا أن نحوّل مآسي الشعوب إلى مسابقة في عدد القتلى؛ فكل روحٍ أُزهقت ظلماً تمثّل عالماً كاملاً أُغلق بابه إلى الأبد.
ليس المطلوب أن نساوي بين أحداث مختلفة في أسبابها وظروفها، ولا أن نتجاهل الفروق بين الحروب والإبادات والجرائم السياسية وأعمال الإرهاب.
المطلوب أن نمتلك معياراً أخلاقياً لا يتبدّل وفق مصالحنا، وأن نُخضع الجميع للمساءلة نفسها، مع مراعاة الأدلة والسياقات والمسؤوليات الفعلية.
فالحقيقة لا تحتاج إلى تبرئة جماعية، ولا إلى اتهام جماعي. المسلم ليس مسؤولاً عن جريمة لم يرتكبها، والغربي ليس بريئاً لمجرّد أنه ينتمي إلى حضارةٍ تقدّم نفسها بوصفها حاميةً للحرية، كما أن أي شعب لا يجوز اختزاله في جرائم حكّامه أو جماعاتٍ انتسبت إليه.
إن الحضارة لا تُقاس بالشعارات التي ترفعها، بل بقدرتها على حماية الإنسان حين يصبح ضعيفاً، ومحاسبة القوي حين يتجاوز القانون، والاعتراف بضحاياها حتى عندما تكون الحقيقة موجعةً لصورتها عن نفسها.
وفي النهاية، ربما يكون السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على ضمير العالم هو: مَن هو الإرهابي؟
إنه كل من يستبيح حياة الإنسان وكرامته، وكل من يتخذ من الكراهية مبرراً للعنف، وكل من يحاول أن يجعل للدماء هوياتٍ متفاوتة القيمة. وهو أيضاً كل خطابٍ يمنح القاتل حصانةً لأنه من جماعتنا، أو يحوّل الأبرياء إلى متهمين لأنهم من جماعة أخرى.
فالإرهاب لا يحتاج إلى دينٍ بقدر ما يحتاج إلى عدو، ولا يحتاج القاتل دائماً إلى سلاحٍ جديد، بل إلى روايةٍ تُقنع الناس بأن ما فعله كان ضرورياً. وحين يصبح للقتل اسمٌ جميل، وللضحية اسمٌ غير جدير بالحزن، نكون قد خسرنا المعركة الأخطر: معركة الإنسان في داخلنا.
إن إنقاذ الإنسانية يبدأ من لحظةٍ بسيطة وصعبة في آنٍ واحد: أن نرفض أن يكون دم الإنسان أقلّ قيمةً من دم إنسان آخر، مهما اختلف الاسم أو الدين أو اللغة أو الجغرافيا.
اختم بسؤال: كيف يستطيع الإنسان أن يكون وطنًا للحياة، ومقبرةً للإنسان في الوقت نفسه؟












