بأقلام الكُتّابمقالات وآراء

بندورا الرقمية.. من الأسطورة إلى الواقع : ما الذى خرج من صندوق التكنولوجيا ؟!

الدكتورة/ شيرين أسعد إبراهيم السيد
متخصصة فى فلسفة الفكر القديم والوسيط، وفلسفة الأخلاق

sherinyehia21@gmail.com

 

 

حكاية الشرور التى تسللت لحياتنا الرقمية..

تشكل أسطورة”صندوق بندورا”، كما دونها الشاعر الإغريقى هسيود فى مؤلفه الأعمال والأيام، لحظة مفصلية فى الفكر القديم اتفسير نشأة المعاناة الإنسانية. لم تكن بندورا مجرد امرأة أهديت للآلهة، بل كانت رمزاً لفيض من المعرفة غير المنضبطة والفضول البشرى المجرد من الحكمة. وعندما فتحت الغطاء، انطلقت الشرور لتملأ الأرض، ولم يتبق فى القاع سوى “الأمل”. وإذا ما نقلنا هذا الإطار الفلسفى إلى عصرنا الحالى، نجد أن “الرقمنة و”العالم الافتراضى” يمثلان الصندوق الأسطورى الجديد الذى فتحه الإنسان الحديث بفضول تكنولوجى لا يكلَ، ليتدفق منه جيل جديد من الشرور والآفات المعنوية والأخلاقية.

شرور الفضاء الافتراضي : إعادة إنتاج للأسطورة..

1- انفجار الخوارزميات واستثارة الغرائز :
مثلما خرجت الأمراض والأرواح الشريرة من الصندوق، أطلقت الشبكات الرقمية خوارزميات مصممة لتغذية الاستقطاب، ونشر الكراهية، وتأجيج مشاعر الغضب العارم للبحث عن التفاعل اللحظى على حساب الحقائق.
انفجار الخوارزميات ليس مجرد تطور تقني، بل هو تحول هيكلي في كيفية إدراة الانتباه البشري وتوجيه السلوك الجمعى.

فى البيئة الرقمية المعاصرة، تصمم الخوارزميات المعتمدة على التعلم الآلى والذكاء الاصطناعى لوظيفة أساسية وهى: تعظيم وقت البقاء (Engagement Maximization).
لتحقيق هذا الهدف، استندت هندسة المنصات الحديثة إلى تقاطعات علم النفس السلوكى وعلم الأعصاب، لتتحول التكنولوجيا من أداة حرة فى يد الإنسان إلى نظام يستثير أعمق الغرائز البشرية وأكثرها بدائية.

آليات استثارة الغرائز عبر الخوارزميات :
أ- دورة الدوبامين والمكافأة المتغيرة: تصمم إشعارات المنصات والتغذية الإخبارية (Feeds) وفق مبدأ “المكافأة المتغيرة”المستمد من تجارب السلوك السلوكى(مثل صندوق سكينر).
لا يعلم المستخدم متى سيحصل على إعجاب أو تعليق أو محتوى مثير، مما يحفز إفراز الدوبامين ويخلق حلقة اعتياد مسؤولة عن الإدمان الرقمى.

ب- استغلال الغريزة الانفعالية (الغضب والخوف) :
تشير الدراسات السلوكية إلى أن المحتوى الذى يثير الانفعالات الحادة- خاصة الغضب الأخلاقى والخوف- يحقق معدلات مشاركة وانتشار أسرع بكثير مقارنة بالمحتوى المحايد أو العقلانى.
تدرك الخوارزميات هذا النمط وترفعه تلقائياً إلى صدراة التغذية الإخبارية لتأمين أعلى قدرمن الانتباه.

ج- تغذية غريزة الانتماء والاستقطاب :
يبحث الإنسان فطرياً عن القبيلة الأمان الجمعى. تقسم الخوارزميات المستخدمين إلى فقاعات معزولة (Echo chambers).
يعمل ذلك على تعزيز انحيازاتهم بدلاً من مواجهتها بالحقائق، مما يحول الاختلافات الفكرية إلى صراعات غريزية تحركها مشاعر الكراهية واستبعاد الآخر.

د- تسليع الفضول والمحتوى الغريزي :
تُعطى الأولوية للمحتوى البصرى والمثير للغرائز الأساسية(كالشهوة، حب الفضول، الفضائح) عبر مقاطع الفيديو القصيرة والمحتوى الخاطف، مما يؤدى إلى تشتت الانتباه وتراجع القدرة على التفكير النقدى الطويل والعميق.

من منظور فلسفى، يمثل انفجار الخوارزميات استلباباً للإرادة الحرة؛ حيث يُستبدل التفكير العقلانى (Logos) بالانفعال اللحظى الموجه آلياً. عندما تصبح الغريزة المحرك الأساسى للتفاعل، يتحول الفضاء الرقمى من ساحة للنقاش الحر والحوار إلى مسرح لتأجيج الغرائز البشرية وتوظيفها لأغراض ربحية وسياسية. والسؤال الذى يتبادر إلى ذهنى الآن : ما هو أثر هذه الآليات على قدرة الأجيال الجديدة على التحصيل الفكرى والتأمل العميق؟!.

2- تآكل الخصوصية والاغتراب الذاتي :
انطلق من الصندوق الرقمي شرٌ جديد يتمثل فى مراقبة الذات وتسليع البيانات، حيث تحول الإنسان من كائن متأمل إلى مادة للاستهلاك الرقمى، مما أدى إلى فقدان العزلة الخلوية النبيلة وتشيؤ العلاقات الإنسانية.
تشكل ظاهرة “تآكل الخصوصية والاغتراب الذاتى”الإشكالية الأخلاقية والفلسفية الأعمق فى عصر الرقمنة؛ حيث لم يعد الانتاك يقتصر على تسريب البيانات أو تتبع المواقع، بل امتد ليمس جوهر الكينونة الإنسانيةوحق الفرد فى العزلة والتأمل.

أ- تآكل الخصوصية : من المراقبة إلى الرأسمالية السلوكية..
لم تعد الخصوصية مجرد حق فى عدم كشف الأسرار، بل أصبحت تتعلق بالسيطرة على الذات. فى الفضاء الرقمى، تحولت الخصوصية إلى ضحية لنموذج اقتصادى يُعرف بـ”رأسمالية المراقبة” :

– تسليع التجربة الإنسانية :
تُترجم كل حركة، ونقرة، وتوقف مؤقت أمام الشاشة إلى بيانات سلوكية يُعاد تدويرها والتنبوء بها للتأثير فى السلوك البشرى مستقبلاً.

– عمارة البانوبتيكون السيبراني :
شَبَّه الفيلسوف ميشيل فوكو المراقبة بالبانوبتيكون (السجن الذي يرصد الجميع دون أن يُرى المراقب).
اليوم نعيش فى بانوبتيكون رقمى تطوعى؛ حيث نُقدم بياناتنا اليومية بأنفسنا لقاء خدمات رقمية خاطفة.

– انعدام “الحق فى النسيان” :
فى الماضى، كان الزمن يمحو أخطاء الإنسان ويمنحه فرصة البداية من جديد. فى العالم الرقمى، تُختزل الذات فى سجلات دائمة لا تنسى، مما يحرم الفرد من التطور الحر والتجدد.
ب- الاغتراب الذاتى (Self- Alienation) الفقدان الوجودى للهوية.
– تغريب الذات واستنساخ الـ”أنا” الافتراضية: ينفصل الفرد عن ذاته الحقيقية لصالح صورة ملمعة ومعدلة يُقدمها على المنصات. يصبح الاهتمام منصباً على “كيف أبدو؟” بدلاً من “مَن أنا؟”، فتتحول الذات إلى مشروع تسويقى دائم يخضع لتقييم الآخرين (عبر الإعجابات والمشاركات).
– تآكل “العزلة النبيلة”: تقتضى الحكمة الفلسفية وجهاً من العزلة والهدوء الداخلى (Solitude) لتطوير الفكر والنقد الذاتى. الرقمنة المتواصلة حرمت الإنسان من هذه المساحة؛ فالصمت الرقمى أصبح يشعر بالفراغ والقلق (FOMO)، مما دفع الفرد للهرب المستمر إلى الشاشة.
– تشيؤ العلاقات الإنسانية: تحول التفاعل الإنسانى من لقاء كائنات حية ذات عمق إلى تواصل بين شاشات ورموز. غاب التلامس، ونبرة الصوت، والمواجهة المباشرة، مما أدى إلى شعور مزمن بالوحدة رغم الاتصال الدائم (Alone Together).
إن تآكل الخصوصية والاغتراب الذاتى يمثلان فى جوهرها تحوا الإنسان من ذات مفكرة ومستقلة إلى موضوع للاستهلاك والمراقبة.

لقد فتحت التكنولوجيا الصندوق ، فخرجت منه أدوات مراقبة العقول واغتراب الأرواح، ليبقى الرهان كلياً على إعادة اكتشاف “الحق فى الغياب”و”قيمة العزلة” كسبيل أخير للاحتفاظ بالإنسانية.

هل التكنولوجيا خبيثة فى ذاتها ؟..

استقر الفكر الوسيط، لا سيما لدى القديس أوغسطين والفارابى، على أن الشر ليس جوهراً قائماً بذاته، بل هو “غياب للخير”أو سوء استخدام للإرادة الحرة.
بالقياس الفلسفى، ليست التكنولوجيا ذاتها خبيثة، بل إن فتح “الصندوق الرقمى” بلا ضوابط أخلاقية أو غاية وجودية سامية هو ما حولها إلى أداة لإنتاج الشرور.
فالإنسان الحديث اختار تسريع الابتكار دون تطوير الحكمة الموازية لتوجيهه.
تختتم الأسطورة الإغريقية بأن بندورا أغلقت الصندوق فوراً، لكن بعد فوات الأوان، ولم يتبق فى الداخل إلا الأمل(Elpis).

وفى عصر الفضاء السيبرانى، يكمن هذا الأمل فى “الو النقدى” و”الأخلاقيات الرقمية”؛ أي قدرة العقل البشرى على استعادة زمام المبادرة، واستخدام الفلسفة كدرع لإعادة توجيه التقنية لخدمة الإنسانية لا لاستعبادها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى